زواج سوداناس

وانطفأ القنديل “1- 3” سعاد إبراهيم أحمد.. عاشت كالنخلة شموخاً وعطاءً


سعاد ابراهيم

شارك الموضوع :

مثل النخيل الصامد على ضفاف النيل ليحرس تلك الأرض والتاريخ والجزر النيلية المتناثرة، كرست سعاد إبراهيم أحمد حياتها للدفاع عن حق النوبيين في الحياة وفي الاحتفاظ بتاريخهم وإرثهم، ولاقتلاع حقوق المرأة السودانية وترسيخها في ظل دولة ديمقراطية ومجتمع ديمقراطي، والعمل على نشر الوعي وإتاحة التعليم والمعرفة للشباب بكل ما تملك وما لا تملك.

عاشت سعاد حياتها، كنخلة في بلادي تعطي وتقدم بلا منّ ولا أذى، مؤمنة بما تفعل وجريئة في اقتحام معاقل الظلم والجهل، وبشجاعة حد الموت في مواجهة القمع والمنع والتخويف حتى رحلت عن دنيانا في التاسع والعشرين من ديسمبر “2013”م.

خرطومية النشأة رغم أنها سليلة أسرة نوبية عريقة ترجع أصولها لحلفا القديمة، التي كانت تزورها في الإجازات الرسمية بعد مولدها في “1935”م بمدينة “أم درمان”، وذلك لعمل والدها أستاذاً في كلية الهندسة التابعة لكلية غردون التذكارية، ولما تفتحت عيناها على الحياة وجدت نفسها بنتا بين ثلاثة أولاد صلاح، محمود، وكمال، والدها المهندس إبراهيم أحمد الذي كان عضواً بمجلس الحاكم إبان الفترة الانتقالية وزيراً للمالية بعد الاستقلال حتى انقلاب عبود، أما والدتها فهي عشة صُفرة تمانيا من منطقة “دغيم” بحلفا القديمة، عشقت السياسة وتغلغلت في روحها وهي ابنة الـ”5″ سنوات، هي الصدق الوفاء المرأة الرءوم الشجاعة المصادمة الحنون.. هي الأم الأخت والصديقة هي سعاد الخير والأمن والطمأنينة من يدخل بيتها مرة فلابد أن يرجع له مراراً وتكراراً.

التعليم الأولي

درست الروضة والكتاب والوسطى بمدرسة الراهبات، وعندما حان وقت امتحانات الوسطى آثرت والدتها انضمامها الى المدارس الحكومية فماذا فعلت؟، قالت ناهد محمد بُر بنت اخت زوجها التي نشأت في بيت الراحلة سعاد واحتضنتها وأصبحت أمها التي لم تلدها، قالت: عندما أرادت حاجة صُفرة والدة ماما سعاد تحويلها إلى مدرسة حكومية لأن مدارس الراهبات آنذاك كان تدرس العلوم التجارية فقط، وكانت ترغب في إدخال سعاد الجامعة، أخذتها مباشرة إلى مديرة مدرسة أم درمان الوسطى خواجيه اسمها كلارك، وبعد مداولات دارت بين كلارك وصُفرة استطاعت بما تحمله من قوة وحضور وقدرات قيادية إقناعها بأن تدخل ابنتها الامتحانات التي مضى على بدايتها يوم كامل لاقتناعها بشطارة بنتها ونباهتها، تابعت ناهد: بالفعل اجتازت ماما سعاد الامتحانات بنجاح وتحققت رغبة والدتها وانضمت لمدرسة أم درمان الثانوية في عام “1949”م وكانت بذلك أول دفعة قبلت في أول مدرسة ثانوية حكومية للبنات” زاملتها سعاد علام ومحاسن فروج وفاطمة عبدالكريم وفتحية فضل التي لم تنه علاقتهنّ بالرغم من عدم ولوجها العمل السياسي.

نضال منذ الصغر

نشطت سعاد في تلك الفترة وكانت لها مبادرات عديدة أبرزها تحرير جريدة حائطية باسم “الرائدة” حول حقوق المرأة، وكتبت في الصحف السودانية باسم مستعار، وقادت أول إضراب نسائي بالسودان، كان فاتحة انخراطها في النضال السياسي، أكدت ناهد ذلك وقالت: قادت ماما سعاد الإضراب اثناء دراستها في المدرسة الثانوية، وطالبت فيه بعدم حذف مقررات المواد العلمية واستبدالها بمادة التدبير المنزلي والخياطة، وكان إضراباً ناجحاً بعد موافقة الناظرةعلى مطالبهن، لفتت ناهد إلى أن سعاد عاشت في كنف أسرة ديمقراطية لدرجة إن والدها لم يعارضها عندما صارحته بعدم رغبتها في دخول الجامعة، إلا أن أخاها محمود لم يرض ذلك وناقشها حتى وافقت والتحقت في “1955”م بكلية الإحصاء جامعة الخرطوم، ولما لم تجد هناك جمعية للثقافة والتمثيل الذي تحبه وكانت تمارسه في الثانوية، وأنشأت الجمعية بعد إعلانها في “بورد” الجامعة لاجتماع عام لإنشاء الجمعية، الذي وجد رواجاً واسعاً وقبولاً وسط الطلاب.

قصة الزواج

كانت سعاد تخاف من فكرة الزواج، و”رفضت عددا من الزيجات الممكنة” قبل حامد الأنصاري الذي كانت صديقة شقيقه الأصغر قريب الله الذي كان يدرس في الدفعة التي تسبقها في الجامعة، أضافت ناهد أن: غريب الله خالي كان صديقها ومعجبا بها جداً، وفي ذلك الوقت كان أغلب الشيوعيين لا يرغبون الزواج من شيوعيات بحسب ما فهمت، لكنه رشحها لأخيه حامد الذي يكبره بسنتين، وبعد أن حدثها قريب الله عن حامد وافقت على مقابلته دون تردد، ولما تمت المقابلة كانت النتيجة إيجابية، وقالت لي رحمها الله “دخل لي في راسي”، وبالرغم أنها لم تكن كبيرة لكنها كانت مستعجلة على الزواج وكانت تسأل باستمرار عن مواعيد الزفاف بحسب ما روت لي، وتم الزواج، وكان ذلك في اليوم الذي أعلنت فيه حكومة اكتوبر “1964”م ، وكانت مخضبة اليدين والأرجل وكانت لا تحب ما تفعله النساء في هذا الشأن، وأول ما سمعت بذلك قلعت الحنة ومشت رغم انها عروس وكانت تلك التصرفات غريبة ولا يقبلها المجتمع آنذاك، وفي “1968”م أنجبت ابنها أحمد.

مصلحة الإحصاء

عقب تخرج سعاد في جامعة الخرطوم عام “1958”م ولجت سعاد سوق العمل وعينت في مصلحة الإحصاء التي انتدبتها للعمل كمفتش بمدينة حلفا، لكنها فُصلت من العمل بعد قيادتها للمظاهرات التي تندد بقيام السد العالي في “1959”م وتم اعتقالها تبعا لذلك، قالت ناهد إن: ماما سعاد لم يهدأ بالها لدى علمها بتهجير أهالي حلفا بغرض بناء السد العالي وقامت بتحريض النساء وخرجت في مظاهرة كانت قائدتها، ولما رمى أفراد الشرطة عليهم “البُنبان” تساءلت السيدات ما هذا الشيء قالت لهم “ما أكعب من البصل، أصبروا”، بعدها تم اعتقالها وكان ذلك أول اعتقال لها، وفصلت من العمل وتم إرجاعها الى الخرطوم، وتابعت: بعدها مباشرة سافرت إلى أمريكا في “1961”م لنيل الماجستير، وعقب عودتها عملت أستاذة في جامعة الخرطوم وأسست كلية الدراسات الإضافية، ولما ارادت خوض انتخابات أبريل “1985” كمرشحة للحزب الشيوعي كان لابد من أن تستقيل كشرط لدخول الانتخابات، لكنها لم تفز.

 

 

اليوم التالي

 

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *