زواج سوداناس

أوباما الأسود.. ماذا أنت فاعل؟


شارك الموضوع :

الولايات المتحدة الأمريكية بلغت شأواً عظيماً، مادياً وتكنولوجيا، بيد أنها تنحدر في ذات الوقت نحو دَركٍ سحيقٍ أخلاقياً وقيميّاً.. فهل يجوز لنا التعبير عن واقع العنصرية المتنامي في أمريكا بهذا الوصف خاصة أنه صادر من مؤسسة مفصلية مثل مؤسسة الشرطة؟ ولماذا تجددت الاعتداءات على السود بل تكاثرت وتعدّدت في عهد أول رئيس أمريكي أسود؟ مع الإشارة لقول مختص اجتماعي أمريكي يدعى هانت، بأن ظاهرة عنف الشرطة الممارَس على السود لها جذورها وخلفياتها قائلا: “لدينا رئيس أسود لكن معظم الأمريكيين السود يعانون حاليا من سوء الأحوال الاقتصادية أكثر مما كانوا عليه قبل 20 عاما”، إنهم مهمشون في جميع مجالات الحياة.
إن خطورة الظاهرة تكمن في صعوبة وصف تفاعلاتها بالحوادث المعزولة، كما يفعل السياسيون حين يعمدون للتقليل من شأن أمر أو إخفاق يُسألون عنه، ذلك لأن ثلاث حوادث قتل مفجعة استهدفت مواطنين سودا عزلا في ثلاث ولايات “ويسكنسون” و”ميسوري” و”نيويورك”، خلال بضعة أسابيع. فالشرطة المعنية بحماية القانون هي الجاني والمجرم، أليس هذا دركا سحيقا؟ ولا يقتصر عنف الشرطة ضد المواطنين السود على مدينة بعينها، فالاعتقالات التي تستهدف السود تزداد وتيرتها، رغم أن البيض يرتكبون مخالفات مماثلة وربما أكثر.
آخر الحوادث المؤلمة كانت الإثنين الماضي حين قتل ضابط شرطة أمريكي- وهو أبيض- من مدينة أتلانتا بولاية جورجيا مواطنا أمريكيا أسود عاريا وأعزل، مما أثار اتهامات بعنصرية قوات الأمن الأمريكية في التعامل مع الأقليات عموماً. وتكرار حوادث القتل بهذا التتابع أضعف من المبررات والحجج التي دفع بها رجال الشرطة، وقال متحدث باسم الشرطة إن الضابط المتهم قابل الضحية في موقف سيارات تابع لأحد المجمعات التجارية وهو عارٍ تماما، مشيراً إلى أن الرجل ركض نحو الضابط الذي تراجع وطلب من الرجل أن يتوقف قبل أن يطلق عليه الرصاص مرتين.. وأكثر ما وضع الشرطة في حرج، تقرير وزارة العدل الأمريكية الذي قطعت به قول كل خطيب والذي أشار إلى أن شرطة فيرجسون في ولاية ميسوري وسلطات المدينة تمارس نمطاً من التمييز العنصري واستخداماً مفرطاً في القوة ضد الأمريكيين السود. وأشار وزير العدل إلى أن التقرير أثبت انتهاك كل من الشرطة والسلطات في المدينة المذكورة الحقوق الدستورية للسكان السود بشكل روتيني وممنهج، وممارستهما تمييزا عنصرياً بحقهم. الأمر الذي أدى لاستقالة مدير مدينة فيرجسون الذي كان يتولى المنصب منذ (8) سنوات عقب نشر هذا التقرير الدامغ وهو أعلى سلطة تنفيذية غير منتخبة في المدينة وتعد هذه الاستقالة هي الثانية في فيرجسون حيث استقال قبله أحد القضاة على خلفية نفس تقرير. وتشير الإحصاءات إلى مدى انتشار الوباء، حيث بلغت نسبة حالات التفتيش في صفوف السود في فيرجسون 92% ووصلت نسبة الاعتقالات في أوساط سائقي السيارات من السود إلى 93%، في العام 2013، وذلك رغم أن الشرطة وجدت أن عدد المخالفات التي ارتكبها البيض (34%) أكثر بكثير من تلك التي ارتكبها السود (22%).
وغير الشرطة وفي إطار العنصرية الممنهجة هناك ما يعرف بـ”منظمة فرسان الإمبراطورية الجديدة في الولايات المتحدة” العنصرية تطالب رجال الشرطة الأمريكية البيض بتصفية الزنوج ومن ثم “تطهير” الأراضي الأمريكية منهم على حد زعمها، وتشن المنظمة حملة دعائية منذ الشهر الماضي على السود.. وتتهم المنظمة رجال الشرطة بأنهم لا يطاردون السود ولا يلاحقونهم، كما كانوا يطاردون اليهود في القرون الوسطى. ورصدت هذه المنظمة العنصرية جائزة مالية ضخمة للضابط الأمريكي المتهم بقتل الشاب الأسود “مايكل بروان” بل وصف الموقع الرسمي للمنظمة الشاب القتيل بأنه مجرد واحد من السود الأشرار؟!
والعنصرية غير أنها كراهية غير مبررة وبدون أسباب، هي اعتقاد بأن هناك فروقًا وعناصر موروثة بطبائع الناس فقط لانتمائهم لجماعة أو لعرق ما وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا.. المدهش أنه بعد نصف قرن على القمع الوحشي لمسيرة دخلت التاريخ من أجل المطالبة بالحقوق المدنية بقيادة القس الأسود مارتن لوثر كينج، دعا الرئيس باراك أوباما الأسبوع الماضي، أمام آلاف الأشخاص المحتشدين في مدينة سلما بولاية الأباما، إلى مواصلة النضال لمكافحة التمييز العنصري في الولايات المتحدة. وداعيًا أيضًا إلى رفض المنطق القائل بأن “العنصرية اختفت”.. وقال أوباما منفعلا: “لسنا بحاجة لتقرير فيرجسون لمعرفة أن هذا الأمر ليس صحيحا”، في إشارة إلى تقرير وزارة العدل سالف الذكر.. وجاءت الحوادث الأخيرة متزامنة مع الذكرى السنوية الخمسين للمسيرة من أجل الحقوق المدنية للسود أو ما يعرف بـ”الأحد الدموي” الذي شهد اشتباكات عنيفة بين رجال الشرطة البيض والأمريكيين السود عام 1965، وهي اشتباكات أسفرت لاحقا عن إصدار قانون يقضي بحق الأمريكيين السود في التصويت.
السؤال هو: هل تحطم حلم مارتين لوثر كينج؟ في خطبته الشهيرة المعروفة باسم “لدي حلم” تحدث القس المغدور، داعية الحقوق المدنية الشهير عن حلمه لأطفاله الأربعة، الذين سوف يعيشون يوما ما في دولة، لا يحكم فيها على أساس لون بشرتهم وإنما شخصهم وأفعالهم.. ومارتن لوثر ولد في 15 يناير عام 1929. وتم اغتياله في 4 أبريل 1968 بواسطة متطرف أبيض، وهو زعيم أمريكي من أصول إفريقية، وناشط سياسي إنساني، دفع حياته ثمنا لمطالبته بإنهاء التمييز العنصري ضد السّود.. في عام 1964م حصل على جائزة نوبل للسلام، وكان أصغر من يحوز عليها.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *