زواج سوداناس

“اتنفس الوردة” في سيرة الزهور.. يا فريع ياسمين متكي في رمالو


معرض الزهور السنوي - مارس 2013 -  الخرطوم

شارك الموضوع :

هولندا ذاك القطر الأوروبي الذي تقارب مساحته مساحة ولاية دارفور الكبرى يتمتع باقتصاد قوي يعتمد إلى حد كبير في صادراته على تصدير منتجات الأبقار والزهور، والسودان رغم إمكانياته الهائلة في هذا المجال إلا أنه لا يزال ينظر إلى الأفق البعيد، وإن معظم العطور نستوردها من دول الخليج والهند.

وفي السياق، دأبت الخرطوم ومنذ سنوات على الاحتفال بمعرض الزهور، وذلك من أجل نشر ثقافة الزهور والحث على زراعتها من أجل استثمارها والاستفادة منها في تصنيع العطور وتصديرها إلى الخارج دعماً للاقتصاد.

ثقافة الزهور والورود:

بقدر ما هي منتشرة في أوروبا، حيث تستخدم في عدة مناسبات، إلا أنه عندنا لاتزال هذه الثقافة متعثرة لا يلتفت إليها إلا نفر قليل رغم حبنا العميق للزهور والورود وبدأت رويداً رويدا تظهر في مناسبات الزواج في صالات الأفراح، حيث يتبادل الزوجان باقات الورد الطبيعي مع قليل من الابتسامات البراقة، وأذكر عندما كنت طالباً بالجامعة أصابتني وعكة لازمت خلالها سرير المستشفى لمدة أربعة أيام حسوما، وكان معي في الكلية بعض الطلبة الأجانب، حضر في اليوم الثاني ثلاثة منهم لزيارتي، ومن بينهم زميلة بيضاء كأنها رضعت من صدر القمر، وهي تحمل في يدها وردة يانعة حمراء اللون وبكل أدب قدمتها لي، وقالت: “أتمنى لك عاجل الشفاء”، ثم انصرفت مع زملائها ورغم برودة الجو آنذاك لا أشعر إلا والعرق يتصبب من جبيني لفترة وبعدها أحسست بالشفاء.

وصفة الوردة:

يا إلهي، وسألت نفسي هل يا ترى سبب شفائي مصدره الوردة البيضاء أم الوردة الحمراء؟، أم الاثنتان معاً أم صالح الدعاء، وهنا تذكرت قول الشاعر:

يا مداعب الغصن الرطيب

في بنانك ازدانت زهور

زادت جمال ونضار وطيب

إلى أن يقول:

ولو شافك العيان يطيب

ولقد تناول كثير من الشعراء الزهور والورود في قصائدهم، فقال أحدهم:

يا زهرة السوسن عطرك الفواح للقلوب مسكن

وقال آخر:

ما بنسى ليلة كنا تايهين في سمر

بين الزهور أنا وانت والنيل والقمر

ويقول آخر:

يا نسيم الروض زورني في الماسيا

وجيب لي الطيب من جناين آسيا

ما أظن أعيش وأذوق العافية

من غير ما أنظر للجميلة وراسية

جناين آسيا:

والمقصود هنا من جناين آسيا ليست جناين قارة آسيا، بل إن الشاعر بينما كان يسير في الشارع عند المغيرب، رأى ثلاث فتيات يقفنّ في أحد الأبواب يتحدثنّ مع فتاة واقفة خلف الباب، ولما اقترب الشاعر منهنّ سمع الفتيات يقلنّ مع السلامة يا آسيا وردت آسيا بالمناسبة أنا كنت ناوية أزوركم من قبيل، لكنني انشغلت بسقاية الزهور، ولما اقترب وحاول النظر لآسيا، لكنها توارت عنه وأغلقت الباب ولا أدري رأها بعد ذلك أم لا.

أسماء البنات:

لقد درجت بعض الأمهات إلى أطلاق أسماء الزهور على بناتهنّ مثل (زهرة، رندا، ياسمين، أريج، عبير، وريحانة.. الخ)، بينما كنت أسير ذات مرة في شارع الجمهورية سمعت أمَّاً تنادي على ابنتها (ياسمين تعالي بسرعة)، والتفت ببطء لأرى روعة ياسمين ووجدتها ليس بينها وبين الياسمين أي علاقة.

دار الثقافة:

كان موقع دار الثقافة يجاور وزارة التجارة بشارع الجامعة تقام فيه معارض الزهور سنوياً بمستوى راقٍ من حيث التنظيم وترصد له جوائز قيمة يسيل لها اللعاب، وكان معظم روادها من الأجانب، فنتلمس اهتمامهم وحبهم للورد والفرحة باينه في أعينهم وإنك تقف مبهوراً مشدوهاً. أما روعة وجمال الزهور وإنك لا تدري إلى أيهم تنظر هل إلى التي جعلت لها الأصايص منزلا أم التي تمشي على رجلين؟

زهرة أفريقيا:

إنها من أغلى وأجمل الزهور جميعاً إنها حبيبتنا الخرطوم التي كان السياح في أيام السبعينيات يطلقون عليها زهرة أفريقيا، ويقولون عنها إنها من أنظف وأرخص وأأمن مدن أفريقيا، بالإضافة إلى أنك لا تشعر فيها بغربة اللسان، حيث كان معظم سكانها يتحدثون اللغة الإنجليزية ويعاملون الأجانب معاملة كريمة، وأكثر ما يميزها عن رصيفاتها موقعها الجغرافي، وهي تستلقى بين ضفتي النيل الأبيض والأزرق، عند ملتقى النيلين، وقال عنها الشاعر صلاح عبد الصبور في ديوانه (لا هذي ولا تلك):

ولا الدنيا بما فيها

تساوي ملتقى النيلين

في الخرطوم يا سمرا

مع أبو السيد:

ولقد صدح بهذه الأبيات الفنان الراحل سيد خليفة، وكان المقرن يزهو بجمال وروعة حدائقه التي تزدهي وتزدان بنفيس الزهر، وأذكر بينما كنت أقف مشدوهاً أمام حوض دائري للزهور فيه ثلة من الياسمين وثلة من الفل وتتوسط الدائرة لافتة مكتوب عليها بخط جميل، ما يلي إذا قطفت الوردة فهي لك وإذا تركتها فهي للجميع، بينما أنا وأقف لمس كتفي برقة أحد الأجانب، وهو كندي الجنسية، وبكل ذوق سألني عن المعنى المكتوب على اللافتة، فترجمتها له بالإنجليزية وبسرعة أخرج من جيبه نوتة صغيرة ودون عليها معنى العبارة ثم رفع حاجبه، وقال مبتسماً هذه تدل على ثقافة مدينة راقية تعكس طبيعة شعبكم المتميزة جداً، وسوف أقوم بنشر هذه الثقافة في بلدي ثم ودعني وانصرف، وأنا مازلت واقفاً أحدق في تلك الزهور مردداً في سري بعض كلمات الشاعر حسين بازرعة..

قطرات الندى الرقراق تعلو هامة الزهر

اليوم التالي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *