زواج سوداناس

إشكالات خطاب المعارضة السورية


شارك الموضوع :

(1)
لماذا فشلت الثورة السورية في تحقيق أدنى أهدافها رغم أنها دفعت الثمن الأفدح بين كل الثورات العربية الموءودة؟ سؤال يتكرر في الذكرى الرابعة لاندلاع أشجع ثورات العرب، بل والعالم. فهي ثورة تحدت، وهي تعلم، نظاماً لا ينتمي إلى الإنسانية بصلة: سجله من الإجرام حافل، وشروره عمت مخيمات الفلسطينيين المشردين، ولم توفر السوريين واللبنانيين، ولم تبخل على العراقيين بفائض. وبعكس قول الشاعر القديم، فإن هذا نظام يستحق أن يقال فيه: «وفي كل حي قد خبطت بنقمة». ولكن هذا السجل لم يخف السوريين، بل هبوا من أجل كرامة دفعوا ثمنها مقدماً، فاستحقوها وأكثر. فلماذا لم يتسلموا بضاعتهم؟

(2)

الإجابة بسيطة: قصر الوكلاء المتقاضون عنهم، وكثير ممن تصدى للقيادة، وفرطوا، بداية بالقادة الميدانيين. فرغم أن هؤلاء أبلوا وجندهم أحسن البلاء في قتال عدو شرس لا خلق له ولا دين، ولا يتورع عن كبيرة، إلا أن غالبيتهم لم تقبل الانضباط تحت قيادة عسكرية واحدة. وقد خلق هذا إشكاليات لوجستية كبرى، وسهل اختراق الجبهات من قبل جماعات خارجية لها أجنداتها المناقضة لأهداف الثورة، وحرم الثورة من الدعم الخارجي المنظم.

(3)

لم تقصر القيادات السياسية من جانبها في التناحر والتنافر، فغدت تتحدث بألف لسان، وتكثر من إرسال الرسائل المتناقضة. هذا رغم أنه يحمد لغالبية رموز الثورة وقيادات الصف الأول معظمها على الأقل- أنها وفرت في المرحلة الأولى قيادة أخلاقية وسياسية واعية، وحدت الشعب وحددت أهداف نضاله الشريف. لم تسمع نغمة طائفية، ولم يرتفع صوت إلا وهو ينادي بوحدة الشعب وحريته وكرامته. ولكن الأصوات النشاز لم تلبث أن ارتفعت، فأفسدت على الجميع.

(4)

تكاثرت هذه الأصوات وارتفعت وتيرة مزاعمها المضرة بالقضية. وكانت البداية كثرة التشاحن بين القيادات السياسية، وكيل الاتهامات بدون تبين، ثم جاء كيل الاتهامات والشتائم لكل أطراف المجتمع الدولي، خاصة «أصدقاء سوريا» وداعميها، لأنهم بحسب هؤلاء لم يقدموا ما يكفي من الدعم للثورة السورية. فالكل متهم بالتآمر، والكل مرمي بسوء النية. وإذا جمع المراقب حصيلة انتقادات وتهجم أطراف المعارضة السورية على بعضها البعض، وتهجمها على داعميها، مع حصيلة تهجم النظام وأنصاره عليها، فإنه يصل بسرعة إلى حصيلة أن المعارضة لا خير فيها. وإذا كان هذا صحيحاً، فلم الاستغراب في التقاعس عن دعمها؟

(5)

ليس من الصعب تفهم حالة الغضب والإحباط التي يعيشها السوريون بعد أربع سنوات من القمع البربري الذي لم يشهد العالم له نظيراً. ولكن سهام النقد يجب أن توجه للذات وليس إلى الآخرين. فالواجب على المعارضة أولاً أن تسوي خلافاتها وتنظم صفوفها، وتوحد قيادتها وكلمتها، حتى تسهل الأمر على من يريد دعمها. فلا أحد يريد أن يسلم البلاد إلى شركاء متشاكسين، كلهم يحمل السلاح، فينتهي الأمر بمذابح ومصائب. وأضعف الإيمان أن يكف السياسيون عن كيل التهم لمن يدعمهم بحجة أن الدعم غير كافٍ.

(6)

الثورة السورية تستحق أن تنجح، وسوف تنجح بإذن الله. فالنظام أسقط نفسه حين تفوق على نفسه وعلى المغول والتتار والهمج في بربريته ووحشيته. ولا عبرة لما يصدر من هنا وهناك من أقاويل تدعو إلى حوار معه، لأن الحوار لن يكون إلا على التفكيك، كما أن الحوار مع النظام الإيراني حول برنامجه النووي لن يكون إلا على لجمه وتطويقه. ولكن اتباع النهج الحكيم لنزع فتيل الخلافات سيقلل كثيراً من تكلفة هذا النصر على الشعب السوري الذي دفع ما يكفي. ولنبدأ بأضعف الإيمان: التوقف عن السب والقذف وتسميم الأجواء. فالثورة السورية المباركة تستحق خطاباً أفضل بكثير مما يتحفنا به بعض قادتها.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *