زواج سوداناس

د. جاسم المطوع : أيهما أكثر سعادة المتزوج أم الأعزب؟‍!



شارك الموضوع :

(إلى أي حد أنت راض حاليا عن حياتك؟)، لو طرح عليك هذا السؤال الآن فما هي إجابتك عنه؟ وأيهما أكثر سعادة ورضى بنظرك المتزوج أم الأعزب؟ هذا السؤال طرحه البروفيسور (روت فينهوفن) من جامعة روتردام، وهو يترأس بنكا عالميا للمعلومات، وقد طرح هذا السؤال على 95 دولة في العالم، وكانت النتيجة أن المتزوجين هم الأكثر سعادة ورضى من غير المتزوجين.

بعد معرفة نتائج هذه الدراسة نود أن نطرح سؤالا آخر، هل كل متزوج سعيد؟ أعرف أن القارئ الآن قال بقرارة نفسه (لا)، ولا شك أن جوابه صحيح، ولكن قبل الإجابة لا بد من تصنيف المتزوجين، فالمتزوجون خمسة أنواع: متزوج صابر، ومتزوج ليس لديه بديل أفضل، ومتزوج مقاوم للمشاكل والتحديات، ومتزوج يحاول أن يحسن من وضعه، ومتزوج يعيش بسعادة وهناء، وعلى الرغم من اختلاف هذه الظروف الاجتماعية فإن المتزوج في الجملة هو الأسعد، لأن الحياة لا تخلو من معاناة سواء كان الإنسان متزوجا أم أعزبا، ولكن طبيعة المعاناة والمشاكل تختلف بين الاثنين، فالمتزوج الصابر هو المتزوج الذي يعاني من مشاكل كثيرة، ولكنه محتسب هذه المعاناة لله فيصبر نفسه، وينظر للزواج على أنه باب من أبواب الجنة، والثاني المتزوج الذي ليس لديه بديل لأن الظروف الاجتماعية التي يعيشها صعبة جدا، فيكون قرار الاستمرار بالزواج هو الخيار الأفضل، وأما الثالث وهو المتزوج المقاوم للمشاكل فأكثر حالات الزواج من هذا الصنف، فكل مرحلة عمرية لها مشاكلها الاجتماعية، وأما الرابع فهو المتزوج الذي يحاول أن يحسن وضعه وعلاقاته ويطور من حياته، ويسأل ويستشير من أجل تحسين زواجه، وأما الحالة الأخيرة فهو المتزوج الذي يعيش بسعادة وهناء مع وجود بعض المنغصات، فهذه هي الحالات الخمس للزواج، وفيها كلها لحظات السعادة والهناء، ولكنها تختلف من حالة لأخرى.

ولو تأملنا أول بيت سعيد في الإسلام، وهو بيت نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- عندما تزوج بالسيدة خديجة رضي الله عنها، لوجدنا أن هناك مفارقات واختلافات اجتماعية كثيرة بينهما، منها أن السيدة خديجة أكبر منه بـ 15 سنة، وأنها أرملة وليست بكرا، وأنها هي التي خطبته، ولديها أطفال من أزواج سابقين، وتملك بيتا في مكة، وحالتها المادية عالية جدا، كما أنها صاحبة نفوذ اجتماعي وعلاقات عامة وشخصية قوية، ومع ذلك كله نجح هذا الزواج، وعاش النبي مع خديجة بسعادة لا توصف، فما أسباب هذه السعادة؟

إنها أول من آمن بدعوته ونشرت رسالته بين النساء، ومن أهم أسباب نجاح الزواج أن يتعاون الزوجان لتحقيق هدف واحد مشترك، كما أنهما عاشا معاناة كثيرة، منها معاناة طلاق ابنتيهما (رقية وأم كلثوم) من ابني أبي لهب، ومعاناة هجرة رقية مع زوجها عثمان رضي الله عنه للحبشة، ومعاناة كلام المجتمع السيئ على النبي الكريم، ومعاناة محاربة أهله له، ومعاناة المرض والجوع والعطش عند دخولهما في حصار شعب أبي طالب الاقتصادي لمدة ثلاث سنوات، وهذا هو السبب الثاني للسعادة الزوجية أن يعيش الزوجان معاناة الحياة متعاونين، ويصبر أحدهما الآخر حتى يتجاوزا المحنة، فتقوى العلاقة الزوجية وتقوى أواصر السعادة بينهما.

فحياة النبي مع زوجته استمرت 25 سنة ثم توفاها الله تعالى بعدما بشرت ببيت بالجنة، لأنها أحسنت إدارة بيتها في الدنيا، والجزاء من جنس العمل “فقد أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذه خديجة أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب”، أي بيت من لؤلؤة مجوفة ليس فيه تعب ولا إزعاج، فهذا نموذج واضح للأسرة السعيدة.

وقد قدر لها النبي الكريم مواقفها هذه حتى بعد وفاتها، فقد ظلَّ رسولُ الله يذكرها ويمدحها، حتى تقول عائشةـ رضي الله عنها: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناءٍ عليها واستغفارٍ لها، فذكرها يوماً فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن، قالت: فرأيته غضب غضباً أسقط في خلدي، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء! فلما رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لقيتُ قال: “كيف قلتِ؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، ورزقت منها الولد وحرمتموه مني”، قالت: فغدا وراح عليَّ بها شهراً.

فنموذج أول بيت في الإسلام يقدم لنا معادلة اجتماعية مهمة في السعادة الزوجية، وهي أن الظروف الاجتماعية والبيئية وإن كانت مختلفة بين الطرفين فإن الزواج يمكن أن ينجح أو يعيش الزوجان بسعادة، وإن كان هناك فرق بالعمر أو في الحالة المادية، أو الزواج من أرملة أو مطلقة وغيرها من الظروف الاجتماعية، فالمهم في السعادة الزوجية أن يكون بين الزوجين تفاهم وتناغم وتنسيق على أهداف الحياة وحسن إدارة الأسرة، وبعدها لو حصل أي خلاف بينهما يمكن علاجه بسهولة، ونقول للشباب الآن تزوجوا بسرعة لتكونوا سعداء.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *