زواج سوداناس

هل كان موقفنا صحيحاً؟!



شارك الموضوع :

> الشأن الداخلي، عبارة تشبه تلك التي أطلقها رئيس وزراء لبنان السابق ميقاتي عند انفجار الحرب في سوريا، وتداعي التحالفات الدولية المختلفة حولها مؤيداً للنظام ومعارضاً له، عندما حفر عميقاً في القاموس السياسي ليستل عبارة (النأي بالنفس) للتعبير عن موقف بلاده الحيادي عن ما يجري في سوريا وهو أقرب البلدان للبنان، إذا عطست دمشق أصيبت بيروت بالزكام، فلا يمكن تصور الانعكاسات المتبادلة لأحداث ما بين الشام ولبنان على مر التاريخ في تجسيد للارتباط العضوي الذي لا انفصام له ..!
> لكن ما بال حكومتنا تتخذ موقفاً غامضاً حول الذي يجري في جارتنا الشمالية مصر، التي نتأثر بما يجري فيها مهما كانت الظروف. فمنذ الانقلاب على الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، اتخذت الحكومة موقفها الذي كانت ديباجته المرقشة المزركشة (إن ما يحدث في مصر شأن داخلي)، ومن يومها صارت هذه العبارة إنجيلاً مقدساً للدبلوماسية السودانية، كلما تصاعدت التوترات وبلغ السيل الزبى في أرض الكنانة.
> فهل هذا الموقف صحيح..؟ وهل هو المطلوب أصلاً وينبغي له أن يكون..؟ في تقدير كل قارئ لتطورات الأوضاع في مصر والمنطقة، يجد أن حكومتنا ما كان لها أن تبتعد من الأزمة المصرية إلى درجة النأي بالنفس عن مضاعفات ما جرى فيها وما يتوقع له أن يحدث، لو لم تتخذ موقفاً مع طرف ضد آخر، كان عليها أن تكون ناصحاً أو وسيطاً يجنب جارتنا الشمالية، المنزلق الخطر الذي تتجه إليه، وأن تقود مبادرة ذات جدوى لتجنيب مصر الانقسام السياسي والمواجهات التي راح ضحيتها الآلاف، وربما تصل الأمور بعد حين إلى ما لا يحمد عقباه إذا أقدمت السلطة القائمة الآن على إعدام الرئيس محمد مرسي وقيادات الإخوان المسلمين.
> مهما حاولنا البحث عن مبررات كافية ومقنعة حول وضع التطورات المصرية ومشهدها المؤلم في خانة الشأن الداخلي، لم نجد، إلا إذا كانت الحكومة قد اختارت طريق تأييد السلطة القائمة في مصر وناصرتها ظالمة ومظلومة دون أن تكف عن الآخرين ظلمها..
> ثم أنها -أي حكومتنا- تجتهد في الابتعاد والنأي والانسلاخ عن كل ما هو مصري، وتنسى أن واجب الجوار دون وجود اية مقيدات أو سوء فهم، هو أن يلعب السودان دوراً في تقليل خسائر المواجهات في مصر ومنع سقوطها بالكامل في حمامات الدم المرتقبة، وحكومتنا تعلم أن المعتقلين وحركة الإخوان المسلمين هي جزء مقدر من الشعب المصري، وعنصر من عناصر كيميائه السياسية والاجتماعية، لا تملك أية قوة كانت أو أية سلطة جاءت في مصر أن تلغيها وتزيحها من المشهد السياسي وتلغي وجودها، وقد ثبت منذ وقوع الانقلاب أن الهدوء لم يعد ولم يتحقق، ولم تتوقف التظاهرات ولم تختفِ حركة الإخوان من وجه الحياة، فرغم الدماء والشهداء، وألوف المعتقلين، لم يتحقق لمن دبروا الانقضاض على ديمقراطية مصر الوليدة ما أرادوه، ولن يتصور أن الأوضاع ستعود إلى طبيعتها ما لم تُعالج الحالة الراهنة، وسيزداد الأفق قتامة في حال إعدام الرئيس مرسي والمرشد العام للإخوان وبقية القيادات. فمنذ متى كانت الأفكار تقتلع وتموت وتذبل بقتل أصحابها والتخلص من وجودهم..
> إذا كانت حكومتنا تتعامل بحسابات تقديرية تتحسب فيها من نتائج غير مضمونة، وهناك توزانات للتأثير السياسي المتفاوت للقوى في المحيط العربي مع حساب نوع وحجم التحالفات الذي قام في المنطقة قبيل الانقلاب وبعده، ثم تنظر في مصالح عليا للسودان ألزمته الصمت حيال الدماء التي سالت وستسيل في مصر، فإنه في المقابل سيكون الربح ضئيلاً ولن تكسب على المستوى الاستراتيجي في نهاية الامر إلا قطمير..
> لقد كان الموقف الصحيح منذ البداية عدم النأي بالنفس والتعامل مع ما حدث عند جارتنا الشمالية بأنه (شأن داخلي)، فعلاقتنا مع كل الاطراف السياسية المصرية ودورنا في حل مشاكل مصر في دول حوض النيل والملف الليبي وغيرها من الملفات، تجعلنا نتوالى مع الجميع والإسهام في حل المشكل المصري دون الحاجة إلى سفك الدماء وجعل الأوضاع تتعقد أكثر وتقف في فوهة البركان.. ولا نحتاج هنا للتذكير بالعلاقات التاريخية والأزلية ووحدة الموقف والمصير، وهذه تفرض علينا فرضاً ألا نعطي الشعب المصري ظهورنا ونبتعد عن قضاياه.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *