زواج سوداناس

منى عبد الفتاح : صحافة بألوان الطيف



شارك الموضوع :

تواجه الصحافة السودانية تضييقاً غير مسبوق، وكبتاً للحريات يتزايد بشكل تصاعدي. يُضاف هذا إلى داءٍ آخر أخذت تردده الأوساط الثقافية السودانية بأنّ لكل صحيفة سودانية أصلا ترجع إليه، عقائديا مذهبيا، طائفيا أو حزبيا ولا وجود ولو من بعيد للصحف المستقلة.

ليس هذا بالأمر المستحدث فكأنّه شيءٌ من نوع رد الأشياء إلى أصولها، وعندما يكون الأمر مختصاً بالصحافة يصاحبه نوع من التجريم إذ أنّ طبيعة الصحافة هي أن تكون أصلاً غير تابع حتى تحقّق رسالتها في رعاية الحق والفضيلة والخير والجمال.

يتحدث الناس وحديثهم العابر يكون أكثره أحكاماً جزافية فلا يستطيع رأيٌ عابرٌ أن يرد مسألة عدم استقلالية الصحافة والمؤسسات الإعلامية الأخرى إلى مجرد مؤسسات تصدر عنها، ولا إلى موالاتها أو معاداتها للنظام الحاكم، ولا إلى تاريخ نشوء الصحيفة المعينة وهامش الحرية الممنوح لها. ففي ظل غياب البديل المعرفي وهو بديل يُنادي به منذ زمن حتى لا تظل الصحافة مترنحة بين انغلاق قديم وانفتاح جديد صارم وسطحية تناول لقضايا اجتماعية لا تظهر من بين طرحها غير الإثارة والفضيحة، يتعذر الحكم على الصحف كثُر أو قلّ عددها. وهذا البديل من درجة صعوبة الوصول إليه يتراءى سرابه وعيٌ نقدي يتحرك بين ثنايا الانغلاق والانفتاح متحاشياً السقوط في مزالق التمويه والتأليه للمؤسسات والأشخاص.

وعندما يتم سرد كهذا يُظهر الثقافة السودانية خارج سياق منهاج الحضارة الكوني، فبوصفها جزءا يموج داخل هذا السياق وحاملة أساسية لتراث وحضارة المجتمع، فهي تضع الصحافة على تماس مع أيديولوجيات وأحزاب وجماعات لا تستطيع الخروج أو الحياد عنها، ولو فعلت ذلك فإلى حين. أما في صحيفة الاتهام والدفاع والحكم على الصحف الملونة بألوان الطيف السياسي، فيكون ذلك بدافع الشعور الوطني الموجود داخل كل منا وهو شعور محتف بالثقافة الوطنية، وعلى عظمة هذا الشعور فهو لم يتمكن من إظهار الثقافة السودانية بمعزل عن إدانتها كواقع شكّل خطرا ولا يزال على الترابط بين بني الوطن، وعلى جلال هذا الشعور أيضاً فهو لم يحتفِ بالتنوع كدليل تميز وإنما كدليل قياس بين رفعةِ قوم وحطٍّ من قدر قوم آخرين.

فكرة الصحافة التابعة هي فكرة مريضة، ففضلاً عن كونها لسان حال فهي لا تملك الشجاعة لأن تدعي التجرد والبحث عن الحقيقة خارج إطار الحقيقة الكبرى وهي الجهة التابعة لها، فهي تدنس ما حولها وتقدس ما يعيش تحت سقفها، ولعل نظرة خاطفة إلى تاريخ الصحافة لهي كافية لتأكيد أنّ ظاهرة النشوء والتطور والاندثار ذاتها تتكرر رغم تعاقب المراحل ما يعني أنّ العقل السوداني في سكونه هذا ماضٍ في هذيانه الاستنساخي، فما معنى أن تُبعث صحيفة من العدم بعد أن قُبرت، وما هي مقومات النجاح الموجودة الآن ولم تكن موجودة سابقاً.

في عقدة الواقع الصحفي هذه، لا الكثرة المختلف عليها أفادت، ولا مؤشرات النجاح والفشل سهل قياسها، ولا هامش الهامش من الحريات المكسور مفهومه يشجع على إصدار صحف جديدة ليتحقق كمًّا تنوء أجساد باعة الصحف النحيلة وأرفف المكتبات عن حمله.

وفي خضم الانكسارات في مكانة الإنسان حدث انكسار موازٍ في قيم الإنسان السوداني وحكمه على الأشياء ومن ضمنها الصحافة. ففي الحكم عليها لم نبارح مكاننا بالنظر لاتجاهين متضادين، اتجاه يمجد الماضي ويرى فيه مجدداً للحاضر واتجاها ينظر إلى المستقبل ويرى فيه تحقيق حلمه، وهذه الأرضية لم تنبت غير كثير من أدب الهجاء والتطرف يميناً ويساراً ولا مجال فيه لأحلام الوسط، أحلام المستقلين في التغيير.

وحتى لا نذهب بعيداً فالحال هذه ومعكوسها أيضاً واضحة ومتحققة في العلاقة بين الصحافة والحكومة. والأعباء المالية الملقاة على كاهل المؤسسات الصحفية مثل سحب الصحف من المطبعة وإيقافها كعقوبة، تكبد ميزانيات الصحف مبالغ طائلة. وصعب جداً في هذه الحالة إقناع العقلية الجبائية والانتقامية، بأنّ ما تنتهجه من أسلوب عقابي لم يسبقها عليه أحد في أشدّ عصور التاريخ ظلامية.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        صابر محمد صابر

        أين انتي يا أستاذه من قرار وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الخاص بتعديل معادلة القبول لطلاب الشهادة العربية ؟؟؟؟ والذي حدد 80% من إمتحان التحصيلي و 20% فقط من الإمتحان المدرسي !!!! ألم تسمعي به ام انه قرار هامشي لا ضرر منه ؟؟؟ أم انك تدرين ولكنك تغضين الطرف عن كااارثة حقيقة ستلحق بابنائنا الطلاب ؟؟

        القرار صدر منذ فترة وكتبنا فيه ما لم يكتب مالك في الخمر فلماذا لا تتحركون بأقلامك وتقفون مع أبنائكم طلاب الشهادة العربية يكفيهم ما يعانونه في بلاد المهجر فما أقل من ان تبدو لهم حسن النية وتبذلوا لهم كل مساعدة ممكنة لدرء هذه الكارثة التي ستدمر مستقبلهم لا محالة !!!

        إنهضي انت ومن معك و تحركوا بشكل إيجابي واوصلوا صوتنا الى الوزيرة (( سمية أبو كشوة )) بدلا من هذه الكتابات الهامشية!

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *