زواج سوداناس

قراءة في دفتر التشكيل الحكومي الجديد



شارك الموضوع :

إتجاهات الرأي العام في تعاطيها مع التشكيل الوزاري الجديد، عكستها صحف الخرطوم في اليومين السابقين، وتباينت الآراء ما بين التعويل على ما حدث في أحداث تغيير جوهري في مسيرة السلطة خلال المرحلة المقبلة، وتلك الآراء التي تذهب في إتجاه التقليل من أهميته، بينما ذهبت آراء أخرى إلى الإعتقاد بأن ما حدث من تغيير جاء نتيجة لطبيعة أداء الدستوريين في المرحلة السابقة، والتي لم توهل بعضهم للبقاء في مناصبهم أو إنتقالهم إلى مواقع أخرى، بينما ثبتت بعضهم، أو صعدت بهم إلى مواقع أرفع.

تمركز السلطة
الآراء التي لا تنتظر تحولات كبيرة تحدث في المرحلة القادمة على ضوء ما حدث من تغيير وتبديل في الوجوه، تنطلق من فرضية كون السلطة أصلاً متمركزة في القصر وأن مجلس الوزارء لم يكن أصلاً أكثر من سكرتارية للتسيير، لكن القرارات المهمة سوف يتخذها الرئيس ونائبيه، وليس منتظراً من ما تبقى من مؤسسة الرئاسة بتكوينها المعروف أن تلعب دوراً مهماً أو حتى ترغب في ذلك.. ويذهب فريق آخر من هذه الطائفة الأولى إلى أن ما لا يبعث الآمال في حدوث تغيير هو أن من تم إختيارهم للمواقع الدستورية في المركز والولايات جلهم من غير أهل التجربة وليس لهم سابق خبرة في الإستوزار، وإن كان لا ينقصهم التأهيل الفني، في حين تم وضعهم على رأس وزارات ينتظر منها أن تقود قاطرة البرنامج الخماسي للإنتاج مثل وزارتي النفط والزراعة حسب خطاب السيد الرئيس، كما يشيرون إلى غياب برنامج التغيير حتى تتم المطابقة بينه وبين قدرات الشخص الذي تم إختياره للتنفيذ.

الدبلوماسية في خدمة التنمية
لكن فريق آخر من أهل الرأي لا يتفق مع ما تقدم ويعتقد أن ما حدث يعتبر تحولاً حقيقياً وترجمة فعلية لخطاب الرئيس أمام البرلمان في الإعلاء من شأن الإنتاج والإنتاجية ومحاربة الفساد وتقويم أداء الأجهزة العدلية، وأن التغيير في الوزارات السيادية خاصة الدفاع والخارجية يشير بوضوح إلى التزام السودان بتعهداته الإقليمية والدولية والتي أثمرت إنفتاحاً إقليمياً بتحسين العلاقات مع السعودية والخليج ويعول أصحاب هذا الرأي على شخصية (غندور) في إحداث نقلة نوعية في العلاقات مع الغرب ورفع إسم السودان من قائمة الحظر الأمريكية لما يتمتع به الرجل من قدرة على الإنفتاح على الآخر المختلف كما راج عنه أثناء وجوده في القصر وتوليه ملف التفاوض مع الحركة الشعبية، ويبدو أن الإنقاذ من خلال هذا التغيير قد وضعت الدبلوماسية في خدمة التنمية وأنها تأمل أن تنعكس علاقاتها الخارجية على العملية الإقتصادية برمتها وعلى رأسها الزراعة، ويربطون بين هذا وإختيار والي مثل محمد طاهر أيلا لولاية زراعية وإعلان الحرب على الفساد كرسالة موجهة لرأس المال العربي بسلامة البيئة الإستثمارية والعدلية بالبلاد.

أهمية الصحافة
لكن الآراء التي ترى فيما حدث تحولاً إيجابياً تضيف بأن ما ينقص تضافر الجهود التي تقود للنهضة من سياسة خارجية وبيئة داخلة جاذبة هو حرية الصحافة، ولعل هذا النقص قد وجد تغطية له في حديث السيد إبراهيم أحمد عمر من مناصرة للصحافة وسعى من شخصه لرفع الحظر عن بعض الصحف المتوقفة، تكامل هذه الجهود هو القادر على تحضير الجيش السياسي والإجتماعي القادر على محاربة الفساد وجعل البلاد جاذبة للإستثمارات، لأن صراع مركز القوى بين أهل السلطة أنفسهم والذي تنسب إليه تلك الآراء تأخير إعلان الحكومة لن ينتهي بأداء الحكومة للقسم وسوف يأخذ أشكالاً أخرى ولابد من التحسب له، فالفساد أصبحت له أنياب وأظافر والحرب معه ليست أمراً سهلاً، ويلمس أهل هذا الرأي جدية في خطاب الرئيس وصدق في التوجه بإتجاه إنفاذ الأهداف المعلنة لجهة أنها الطريقة التي تزيل ما علق بسمعة السودان في مجال الإستثمار والتي عوقتها السياسات والممارسات السابقة والتي جعلت الكثير من الرساميل تحجم عن الإستثمار في السودان وتتجه إلى بيئات أكثر جاذبية، فالسودان لن يستطيع أن يستقطب ودائع من غير قفل المنافذ التي يتسرب منها المال العام والذين يقدمون تلك الودائع يعلمون ذلك جيداً لذلك جاء التعديل الوزاري مطمئناً لهم وفي مواقع مهمة.

إستفادة من الأداء السابق
ومن هذا المنطلق تأتي آراء الذين يعتقدون أن التشكيل الوزاري نفسه جاء مرتبطاً بالأداء في المرحلة السابقة وأن الحكومة التي كانت قائمة بالبلاد قد حظيت بإنتقادات واسعة في إجتماع المكتب القيادي الأخير مما تسبب في تأخير إعلانها، قد واجه السيد عبد الرحيم محمد حسين نقداً عنيفاً لأداء وزارته في الفترة السابقة، وكذلك وزير العدل الذي حظيت وزارته بنفس الإنتقادات، ويبدو أن إنتقادات أقسى ووجهت لآخرين حسب متابعة الأداء خاصة في مجال الفساد لكنها لم ترشح في الإعلام، فمن خلال متابعتنا لأداء الحكومة في الماضي أن الإتهامات لم تقتصر على وزارة العدل وحدها وإنما طالت جهات أخرى لم يظهر القائمون عليها في التشكيل الوزاري الحالي، ويعزز أصحاب هذا الرأي وجهة نظرهم بأن الدستوريين الذين كان أداؤهم جيداً قد بقوا في مواقعهم مثل أحمد هارون والي شمال كردفان، فالرجل إلى جانب الإنجازات المشهودة في الولاية عانت الإهمال خلال عقود من الزمان فهو أيضاً يشغل منصباً آخر هو رئاسة اللجنة الأمنية لكردفان الكبرى، مما يشير إلى توجهات الحكومة في المرحلة المقبلة فيما يلي الملف الأمني، خاصة بعد تحول نشاط الحركات من إقليم دارفور إلى جنوب كردفان إضافة إلى وجود الجيش الشعبي بها، كما أن بعض القيادات ذات الأداء المشهود قد تم الدفع بهم إلى مواقع جديدة وتتناسب وتوجهات الدولة الجديدة في جعل الزراعة تقود قاطرة البرنامج الخماسي، ولعلها إختارت (أيلا) لموقع والي الجزيرة لهذا الغرض لما عُرف عن الرجل من إنجازات في ولاية البحر الأحمر.

خارج معادلة الأداء
لكن وجهة النظر التي تربط التعديل الوزاري بالأداء في المرحلة السابقة تقلل من أهميتها حقيقة وجود وزراء خارج التشكيلة الجديدة وقد كان أداؤهم جيداً في المرحلة السابقة مثل علي كرتي الذي شهد العمل الخارجي في عهده تطوراً مشهوداً مثل إحداث إختراق في العلاقات الخارجية خاصة مع المملكة العربية السعودية وضبط الأداء المؤسسي للوزارة بمواجهة الآراء المتفلتة و(المشاترة) التي تصرح في أشياء لا تعنيها وتفسد على الرجل عمله، لكن تلك الفئة تتمسك بوجهة نظرها وترد بأن حدوث الإنفراج في العلاقات الخارجية جاء بدفع رئاسي، وأن الرئيس عمر البشير نفسه قد لعب دوراً مهماً في تحسين العلاقات مع السعودية والخليج في زياراته الأخيرة، كما كان للسيد غندور جهوداً مقدرة في تحسين صورة السودان خارجياً لقيامه بزيارت لدول الإتحاد الأوروبي وأمريكا عمل من خلالها على فك الحظر عن السودان وإزالة إسمه من القائمة السوداء، ولعل هذا ما جعل الرئيس يدفع به لوزارة الخارجية.

جدية واضحة
خلاصة القول إن التشكيل الوزاري الجديد قد حظي بجدل كثيف وإختلاف في وجهات النظر وسط الرأي العام الداخلي، كما تعكس ذلك صحافة الخرطوم الصادرة في الأيام التي تلته، وهذا يجعل منه تغييراً مختلفاً عن سابقيه، والتي لم يعرها الناس إهتماما ًوكانوا يعتبرونها تحصيل حاصل، وما يجعل هذا التشكيل مختلفاً هذه المرة هو أنه جاء في ظل إحتقان سياسي غير مسبوق ومواقف متباينة من السلطة عكستها نتائج الإنتخابات الأخيرة وإشتداد المواجهات العسكرية والأداء الحكومي المتعثر وتفشي الفساد، كما أن الخلافات قد تفشت داخل السلطة نفسها وكثرت الإنتقادات لها من داخلها وخرجت عليها قيادات مهمة وزادت عزلتها الخارجية وجف ضرع الموازنة العامة وفرغت الخزانة من النقد الأجنبي وإتضح جلياً لأهل السلطة خاصة مؤسسة الرئاسة إرتباط السياسة الخارجية بالإقتصاد وتكاملها مع السياسة الداخلية وكان لابد من التقدم في الإصلاح وبخطوات محسوبة، ولذلك من غير المعقول الحديث عن أن ما حدث ليس مهماً ولا يعكس جديداً يذكر في طبيعة السلطة والتي لم يبقَ فيها من رموزها الذين إبتدرت بهم عهدها وظلت تقدمهم في كل مرحلة خلال مسيرتها التي إمتدت لأكثر من ربع قرن من الزمان غير عمر البشير وبجانبه عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.

عكس الحمولة الأيدولوجية
وعلى الرغم من أن البلاد تحتاج لمجهودات كبيرة في مجال العلاقات الخارجية، لكن التقليل من شأن ما حدث لا يساعد على التعاطي الإيجابي مع ما هو متوقع من أحداث في المرحلة المقبلة، وأول الأخطاء التي يمكن أن يرتكبها من يقعوا في فخاخ التقليل من شأن ما حدث هو إتخاذ مواقف ليست مفيدة لعملية التأييد أو المعارضة للسلطة، فالتفكير في العلاقات الخارجية قد تخلص من حمولته الأيدولوجية وأصبح ينطلق من مفهوم الدبلوماسية في خدمة التنمية وتلك تقاليد فارقتها وزارة الخارجية منذ أن خرج من مكاتبها منصور خالد مغاضباً الرئيس الأسبق جعفر نميري.

لدواعٍ أمنية
حديث الإنقاذ عن تنظيف إقليم دارفور من التمرد ليس عارياً تماماً من الصحة أو حديثاً للدعاية السياسية، كما يعكس ذلك التعديل الوزاري الذي لم يختار للإقليم ولاة من العيار الثقيل، أو ولاة بفقه التوازانات القبلية فقط.. وإن في إنتقال أنشطة الحركات المسلحة إلى جنوب كردفان، دليل آخر على صدقية الحكومة في إنجازها لمهمة تنظيف إقليم دارفور من نشاط الحركات المتمردة، فالقوات التي إنهزمت في خور برنقا كانت قادمة إلى دارفور من خارجها، ولازالت تلك الحركات تحتفظ بقواتها في جنوب كردفان وهذا ما يجعل حاجة الحكومة ماسة لأحمد هارون في كردفان الكبرى.

 

 

السياسي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        حسين عبدالله

        التعيير فى محلو والمواطن مرتاح للتغيير نتوققع انفتاح كبير

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *