زواج سوداناس

مطاردة الساحرات



شارك الموضوع :

كتاب (مطرقة الساحرات) ألفه راهبان متعصبان عام 1486م, ويحوي كل ما يمكن وما لا يمكن من اقتراحات بما فيها ما سمياه التعذيب الضروري من أجل انتزاع الاعترافات من الساحرات، ثم محاكمتهن التي غالباً ما تكون إعداماً بالحرق.
في الواقع لم يمارس الراهبان تعذيب الساحرات وحرقهن – لكنهما – وضعا الأسس والأطر النظرية لذلك، فيما بعد اشتهر لاحقاً المحامي والفيلسوف الفرنسي (جان بودان) كواحدٍ من أهم وأقسى ملاحقي الساحرات, حتى إنه كان يأسف بأن عملية حرقهن كانت تتم بسرعة ولا تستغرق إلا (نصف ساعة) فقط، وكان يطلب دائماً تمديدها ساعة أو أكثر، كما عذّب الرجل بيديه أولاداً صغاراً وأشخاصاً مرضى لينتزع منهم بعض الاعترافات، ثم يحرقهم.
بطبيعة الحال لم يكن (بودان) وحده من يستمتع بحرق الساحرات والسحرة، فقد بزّه في ذلك مُعاصره (نيقولا ريميه) وكان يعمل محققاً في مقاطعة اللورين الفرنسية، وقد أعدم خلال سني تسنمه منصبه (15) عاماً ما يقارب الـ900 شخص. ويحكى عنه أنه عندما توفي ابنه البكر سنة 1582, شك في أن وفاته كانت بسبب السحر واتهم متسولة وحكم عليها بالموت، لاحقاً انسحب ريمي من الوظيفة, وألف كتاباً عبر فيه عن أسفه أنه لم يقتل ما يكفي من السحرة.
لكن يظل الألماني (بيتر بنسفيلد) أشرس القتلة بين مطاردي الساحرات, حيث لاحق الساحرات دون هوادة, وقتل نحو 6500 شخص ما بين رجل وامرأة وصبي وطفل. وكان القاضي الفرنسي (هنري بوغيه) يصدر أحكاماً بالإعدام على بعض الناس باعتبارهم سحرة حتى فيما لو لاحظ عيباً صغيراً في مسبحة صلبانهم باعتبار ذلك دليلاً قاطعاً على أنهم خُدّام للشيطان.
رغم مأساوية القصص أعلاه، إلا أنني اخترت إيرادها هنا، لأُقارب بينها وبين المُصطلح السياسي الذي سُك في عصرنا الراهن بناءً عليها، تحت اسم (مطاردة الساحرات)، وهذه السياسة تستهدف تفتيت مراكز القوى وبؤر الفساد التي تستشري عادة في ظل الأنظمة الاستبدادية، وذلك بتكوين جهاز رقابي وقضائي وتنفيذي فعّال من أجل مكافحة هذه الظواهر، يدأب على مطاردة (السحرة) أعني الفاسدين واللصوص ممن (لهفوا ولهطوا) المال العام ولا يدع هذا الجهاز أحدا من هؤلاء ينجو ولو كان على صليب مسبحته فساد صغير.
سياسة مطاردة الساحرات هي الأنجع في محاربة الفساد، وقد اتبعتها دول كثيرة أبرزها نايجيريا التي ظلت سنيناً طوالا على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، لكنها ما إن مضت في تنفيذ هذه السياسية بكفاءة حتى تراجعت نسبة الفساد كثيراً، ومن ثم بدأ اقتصادها ونظامها السياسي في التعافي والانتعاش.
وبناءً عليه، لماذا لا نجرب مثل هذه التدابير في بلادنا، ونُنشئ جهازاً أو مفوضيِّة تُسميها (محاربة الساحرات)، يكون على رأسها قاضٍ كـ(هنري بوغيه) يساعده محقق مثل (نيقولا ريميه)، حينها لن يستغرق أمر (حرق الفساد) سوى نصف ساعة فقط.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *