زواج سوداناس

حرب المياه


شارك الموضوع :

بينما كنت أتجول في حوش منزلنا ممنياً النفس بـ (باغة) من ماء تثير نشاطي وكبريائي بين الأمم، حدجني أخي الأصغر بنظرة تحمل كثيراً من الشك في تحركاتي، وما إن رآني اقترب من (باغة) مخفية خلف جوال في ركن قصي من ذلك الحوش إلا واحمرت عيناه بالشك، وأصبح يراقبني عن بعد، وهو يضمر في نفسه شيئاً.

حينها تأكدت وساوسي بأن حرب المياه قد حلت علينا دون ريب. تظاهرت بالبراءة وابتعدت عن مكان النزاع المحتمل ثم بت أراقب المكان عن بعد فتأكد حدسي..

باغة مملؤة بالماء الزلال مخفية خلف جوال من الخيش حتى لا تلفت الانتباه لقد بدأت علاقاتي الأسرية تتدهور شيئاً فشيئاً. إنهم (يدسون) الماء للاستحمام في الخفاء! يا له من شرخ يهدد علاقات الأسر! ثم شاهدته بأم عيني عن بعد يسرع ناحية الكنز ويزيح الجوال عن عمد، وهو يتلفت ذات اليمين وذات اليسار ثم يخرج الباغة ويحملها مسرعا إلى مكان مجهول. إنها إذن حرب المياه التي كنت أسمع عنها في قناة الجزيرة، وفي أحاديث القذافي، وأظنها على بعد عقود وقرون، لكنها جاءت بأسرع مما كنت أتوقع.

مرت لحظات عصيبة وساعات توترت علاقتي بأخي الأصغر ثم رويدا رويدا اكتشفت أن كل أفراد الأسرة يخونونني مائياً. ذاك يخفي جكا مملوءً أسفل الشباك، وتلك تحتفظ بكل كوز مياه لتصبه من حين لآخر في جردل مخفى خلف جهاز التلفزيون، وما ذاك إلا قليل من كثير.

توجهت فورا إلى جاري كرار الثرثار أشكو له قلة الماء وسوء المنقلب، وفي الطريق سمعت الناس كلهم ينهون كلماتهم في الحديث بحرف (الغين)، سمعت بعضا من حديثهم، فكان كله ينتهي بغا غا غا حتى تبينت أن كل جملة يقولون كانت تنتهي بعبارة باغة.

باغتي ما باغتك

لقينا باغتين مليانات

الباغة فضل فيها نص

وتأملت في كلمة (باغة) يا الهي ما الذي أقحمها في حياتي هذه الأيام بكثرة?! وهل لها علاقة بعبارة البغي والعدوان في خضم حرب المياه هذه؟

طردت وساوسي وجلست قبالة كرار الثرثار

ربت على كتفي ودعاني للاشتراك في صندوق المياه في الحي الذي كان لدهور لا يعطش أهله أبداً.

سألته عن ماذا يقصد بصندوق المياه فأومأ لي برأسه الغليد هامسا بأن دستة من رجال الحي قد أسسوا صندوقا للمياه أي (خته) وما علي إلا أن أجلب جكا كل صباح إلى أمين الصندوق مثل بقية الأعضاء، فيجمع هو حصيلة الماء ليمنح صاحب الصرفة باغة كاملة يتصرف فيها كيفما يشاء استحماماً كان أو بيعاً أو هبة أو أي من أنوع التصرفات الناقلة للملكية.

راقتني الفكرة لكني اشترطت أن تكون صرفة الغد من نصيبي نسبة لمشوار ظللت أؤجله حتى بات لا يحتمل التأجيل جراء عدم الاستحمام أومأ الرجل برأسه متفهما ظرفي في عطف، لكنه قال إن ذلك يتطلب موافقة عبد الباقي لأنه صاحب صرفة الغد واصطحبني لمنزل عبد الباقي الذي كان بحوزته بعض الضيوف الثقلاء مما جعلنا ننتظر ردحا من الزمان حتى تبدأ المفاوضات.

تمهل عبد الباقي في جلسته وهو ينظر بعمق إلى الأرض ويفكر في ما طرحناه عليه، لكنه كان خائفا وينتابه التردد ما إن يوافق على طرح إلا ويطلب إذنا لمشاورة زوجته ثم يتصل لساعات عبر الهاتف بابنه المغترب بالمملكة العربية السعودية دون أن نتبين حقيقة ما يجري من مشاورات أصبحت أفقد الأمل شيئا فشيئا لكني تمسكت بروح معنوية عالية ورباطة جأش قلما تراودني في مثل أمور مدلهمة كهذه.

وحين قارب الليل الانتصاف لاح في الأفق ثمة اختراق تفضل عبد الباقي بطرحه على الملأ، إذ تعاهدنا أمام الرجال على أن نتناصف صرفة الغد، بحيث يتشطف كل منا ما شاء له على أن اقتسم صرفتي القادمة معه.. يا الهي كم كان كريما وعبقريا ذلك الرجل الهمام شكرته، وكل أفراد أسرته، وأكدنا عمق الروابط الأسرية بيننا وهرعت مسرعا إلى المنزل في انتظار صباح سعيد وحدجت أخي الأصغر بنظرة اكتفاء وتحدٍّ ونمت غرير العين هانيها.. هكذا الحياة دائما هنالك ضوء يشع منها في آخر النفق ولا يزال الخير والتضحية في نفوس الناس وقلوبها وتذوقت طعم الوفاء الجميل ورائحة الوطن العزيز المستحمي!

*طارق اللمين

تلويح:

هذه تأملات في الباغة والغاغا والفرناغة.. كتبها المبدع طارق بأسلوبه الساخر، فيخلط الدمعة بالابتسامة وبقدر الألم.. يزرع الأمل.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *