زواج سوداناس

ثلث للمثقفين والمفكرين


عبد الجليل سليمان

شارك الموضوع :

في قصيدته الثلث الخالي من البياض كتب الشاعر المغربي الفذ (المهدي أخريف): “عندما أفقت وجدت الصفحة طارت/ ويدي تمسك بالريش كما كانت/ وأنا ببابِ الصفحة عرّاف منحوس يحضر أشباحا طلعت من بئر منحوسة / ووجدت اليقظة عالية ومضببة وحوالي مرايا عشر لا سبع / إذ تهرب من ظلي تعكس كل وجوهي الممحوة في الصفحة”.
وكأني به يصور حالنا مع (مثقفينا ومفكرينا)، وجل هؤلاء لم يُقاربوا بنقدٍ يجعلهم يفكرون ألف مرة قبل أن يكتبوا أو يتحدثوا، لا أحد (وكزهم) كي يفيقوا من غفواتهم السرمدية، إذ أن (الناس) منشغلون عنهم بالسياسيين، وأخشى أن يتم اكتشاف أدوارهم (السالبة) في الفضاءات السياسية والإبداعية متأخراً جداً – وهذا بالفعل ما يحدث – لجهة أننا نكاد لا نرى نتائج آثارهم كونها خفّية وبطيئة التأثير، لكنها ومع مرور الوقت (السنوات) تصبح جارفة وعاصفة كاليقين تماماً.
لن يستعصي على أحد أن يلحظ – لو أراد – أن من معظم من ظلوا يطرحون أنفسهم – أو يروج لهم – كمفكرين ومثقفين في هذه البلاد، هم في الحقيقة عكس ذلك تماماً، فالقليل منهم- أو ربما ليس هناك (قليل) أصلاً – من يملك مشروعاً فكرياً، ثقافياً نهضوياً متكاملاً، للأسف كثيراً ما يجتر هؤلاء مقولات (قديمة) مستعارة من مفكري الشرق والغرب، ويعيدون إنتاجها بطريقة مختزلة و(مبتذلة) ظانين أن لا أحداً هنا يراقبهم ويرصدهم، وأن من ينشطون في آليات الرقابة و(النقد) – كالصحف – مثلاً، ليسوا إلاّ (رجال على رؤوسهم قنابير)، وعلى قلوبهم خشية وخوف وتردد.
واقع الحال، إن جل من نطلق عليهم هذه الصفات ونمنحهم تلك الألقاب العظيمة عبارة عن (سياسيين فاشلين)، اعتزلوا ذلك الفضاء وولجوا الفكر والثقافة بآليات السياسة، فملأوا هذه الساحة الهادئة الرصينة، ضجيجاً وزعيقاً ونعيقاً كي يشوشوا على قلة حيلتهم المعرفية وكسلهم الذهني و(سرقاتهم) الفكرية، وهذا دأب (عربي) قديم، استعرناه بطريقة فجة وغير ذكية، فقد ظل ما يسمون بالمفكرين العرب – عدا القليل منهم – يسلكون هذا المسلك، خاملين يقتاتون فتات غيرهم ثم ينسبونهم إلى أنفسهم على طريقتهم المعتادة (نحن أول من فعل واكتشف و.. و..) وكانت (أوروبا ظلاماً ضل سالكه)، وهكذا إلى آخر الأفاعيل البهلوانية المسماة (معرفة وفكر).
ومن غرائب ذلك نشير هنا إلى أن المستشرق البريطاني آرثر أربري هو أول من اكتشف نصوص النفري في قسميها (المواقف والمخاطبات) ونشرها في العام 1934 م، في القاهرة، ثم روج لها الشاعر أدونيس بأن أخرجها إلى الضوء الضوء وأدرجها في قلب المشروع الشعري الحداثي منذ العام 1965 عندما اكتشف بالصدفة الكتاب الذي حققه أربري في مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت.
الآن، ينبغي أن نهتم بهؤلاء، وأن نحدثهم بصوت عالٍ ونكشف أثرهم السالب في الثقافة السودانية، وكيف أنهم تماهوا مع السلطات الحاكمة والسياسيين منذ فجر استقلال البلاد وإلى اللحظة الماثلة، فأججوا القبلية والعنصرية، وساهموا بفعالية في التردي الماثل، رغم أنهم يثرثرون ويكتبون عكس ذلك، لكن ما أن يوضعوا في المحك حتى (تبين) حقائقهم، ولدينا من هذا (النوع) ما لا يحصون ولا يعدون، هؤلاء ينبغي أن لا ندعهم يواصلون (خدعتنا)، لا بد أن نأخذهم لنضعهم في الثلث الخالي من البياض، وسنفعل منذ اللحظة.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *