زواج سوداناس

ثورة النفايات



شارك الموضوع :

تشهد لبنان هذه الأيام مظاهرات واحتجاجات ضد السلطة الحاكمة، ورفعت هذه الاحتجاجات شعار (طلعت ريحتكم)، وهو شعار يشير إلى التراكم غير الطبيعي للنفايات والأوساخ في العاصمة بيروت ومدن لبنانية أخرى، وعجز الحكومة عن احتواء هذه المشكلة حتى تفاقمت وأصبحت مؤرقة للشعب مما دفعه للخروج احتجاجا. وبلا شك أن مشكلة النفايات تمثل جزءا من أزمة سياسية واجتماعية أكبر ولم تكن سوى مفجر أوَّلي دفع (الشعب) للثورة على حكومته وممثليه السياسيين ومطالبته برحيلهم ورحيل حكومتهم؛ فلبنان يعاني كأغلب بلدان المنطقة من إشكالات سياسية وطائفية معقدة خلفت واقعا اجتماعيا معقدا بدوره يعاني أفراده من البطالة والانقسام و(القلق)..!
النفايات علامة تشير إلى المستوى الحضاري لأي بلد، فهي تعطي صورة واضحة جدا عن شكل الخدمات التي تقدمها الحكومات لشعبها، وتقدم أكوام النفايات وحجمها ونوعها وطريقة جمعها تصورا متكاملا عن الأحوال المعيشية والأوضاع الاقتصادية وربما حتى الأمنية لدى كثير من الشعوب. ويمكن للنفايات أيضا أن تعطينا فرزا دقيقا لطبيعة أنواع الأطعمة المفضلة عند شعب دون الآخر، وعن شكل وطبيعة الولائم من بلد إلى آخر، وعن الثراء المتفشي هنا في شكل التراكم التبذيري التفاخري الأجوف، والجوع المتفشي هناك في صورة الشح المتكون في شكل سخام، واحتراق، وطفيليات دودية، وإنبات ممرض للطحالب والكائنات الميكروبية والفيروسية.
والنفايات قد تكون منتجا دوليا عابرا للقارات، يتنقل من مكان إلى آخر إلى أن يحط في بلد لا يعبأ حكامه لمواطنيه كثيرا، فيهبون أرضا من بلادهم الشاسعة أو الضيقة لسمسار النفايات حتى يتخلص من البقايا النووية أو الأوساخ الكيماوية في حين يقبضون هم الثمن ويمارسون حكمهم الازدرائي لشعوبهم التي ترزح تحت أكوام النفايات الرسمية: الطبية، والخريفية، واليومية وتلك التي مرّ على تكونها ربع قرن كامل.
تواجه بعض البلدان الثرية (جدا) مشكلة حقيقية في التعامل مع أكوام النفايات، ورغم أن هذه الدول توفر آلاف العمال لمهمة جمع النفايات – غالبا يستورد العمال من بلد آخر فقير (جدا) – إلا أنها تعجز عن السيطرة على التدفق اليومي الهائل لفائض النفايات المنتج بوساطة أفراد المجتمع؛ الذين هم في الغالب ذوو ثقافة استهلاكية كسولة ميالة إلى الأكل والشرب والإسراف فيهما بصورة ترهق (حاويات) النفايات المنتشرة في كل شبر من البلاد!
دراسة (ما) أكدت أن بقايا الأطعمة التي تتحول إلى نفايات (هائلة) في بعض البلدان تكفي تماما لإطعام جوعى العالم، الذين يمثلون أغلبية سكانه؛ لكنهم وللأسف محصورون في زوايا ضيقة كأنهم أوساخ.
ثورة لبنان ضد نفايات الشارع وضد نفايات الحكومات، هذا أكيد.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *