زواج سوداناس

حالة مفجعة..!



شارك الموضوع :

هل وصلت الأزمة بين الفرقاء السودانيين والقيادات السياسية في الأحزاب المختلفة، إلى هذا الحضيض من الخصومة والجفاء وعدم الثقة، إلى درجة لا تمكنهم جميعاً من الالتقاء في أية بقعة من أرض السودان الفسيح، وينادي بعضهم جهراً بألا جلوس ولا حوار إلا في الخارج..؟!! إلى هذا المستوى وصل بنا نفورنا من بعضنا البعض واستخفافنا بوطننا وبقدرتنا على طي خلافاتنا وإنهاء تجاذباتنا.. إليس من العار أن ترتفع الأصوات المنادية بنقل اللقاء التحضيري أو الحوار نفسه إلى خارج البلاد هكذا بلا خجل ولا حياء؟ ..!
لم تصل العلاقات ما بيننا إلى مرحلة اللاعودة في خصوماتنا السياسية، ولم يزل السودان بخير، لكن السياسيين هم من يسترخصون وطنهم ويذلونه ويسقونه كأس الهوان. فحن لم نصل مرحلة ليبيا ولا اليمن ولا سوريا والعراق. صحيح بيننا من يحمل السلاح ويحارب الحكومة، ولكن الأبواب لم تُغلق وحسن النوايا لم يتلاشى ويذهب سدى، ولا تزال هناك فرص مواتية للوصول إلى حلول عبر الحوار. فالغريب أن نترك وطننا وترابه وأهله وتاريخه لنبحث عن مكان نتحاور فيه كسودانيين!! هل أصبحنا نتسول الأمكنة للجلوس مع بعضنا والتحاور في قضايا بلدنا؟.. وهل غلبتنا الحيلة حتي في كيف نتحدث إلى بعضنا وكيف نعالج شؤوننا الداخلية وننشر غسيلنا لغيرنا بالخارج لينظر إلى مأساتنا وظلمنا لأنفسنا وتضييعنا لوطن لم نبنه ونحافظ عليه كالرجال؟ ..!!
ما يحدث من السياسيين وأحزاب المعارضة المُطالبين بنقل الحوار الى الخارج أمر يدعو للحزن والفجيعة، يمكن لمن يحملون السلاح ولطبيعة معارضتهم العنيفة وسلوكهم العام وما ارتكبوه في حق الوطن أن يطالبوا بذلك لانخفاض معدل الثقة فيهم وثقتهم في الحكومة. لكن من غير المبرر لأحزاب مسجلة وتنظيمات مدنية تمارس نشاطها وتوجد عضويتها وجماهيرها ودورها بالداخل،أن تهفوا قلوبها لحوار الخارج وتستسهل عرض السودان بكل ما يعانيه على الأرصفة وبين أعين الشامتين والمتفرجين.. مهما حدث وكان، لا ينبغي لسياسي عاقل ووطني غيور وحريص على تجنيب بلده ويلات التدويل، القبول ثم التفوه بهذه الترهات التي تدعو لائتمار السودانيين خارج وطنهم، وكأن بلدهم مسجى على فوهات الحريق والبركان يتعذر معه الكلام والسلام.
«شيخ إدريس بركات»..
عانى طويلاً من المرض ثم ودع الدنيا الفانية وخرج منها مرتاح البال، لم يجنِ على أحد كما قال المعري، كان نظيف القلب صافي الجنان لم يحمل حقداً في قلبه ولا ضغينة كأنه يغسل دواخله في اليوم ألف مرة.. هكذا كان شيخ إدريس بركات، عرفناه في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ثم تزاملنا معاً في صحيفة (السودان الحديث) مع قيام الإنقاذ فقد كان من أعمدتها وكبار محرريها. وجدناه بكل خبرته وتجربته الطويلة وصفاء نفسه وحبه للآخرين، لا يبخل بما يعرفه على أحد، ويهب كل مخزونه من معلومات وذخيرة من مواقف على درب الحياة ويقدمها للآخرين، ولا ينتظر جزاء ولا شكوراً.. عفيف النفس منشرح الصدق بلا عقد ولا ضجر ولا تأفف، يشع وجهه بابتسامته وسخريته المحببة واللاذعة، كان ككبير محررين له يوم في الإشراف على السهرة في الصحيفة وكانت الصحف في ذلك الوقت تتأخر في التوضيب ووقت الذهاب للمطبعة، فيحول السهرة الليلية الى جلسة مؤانسة وإمتاع وذكريات صحافية وحكايات من ستينيات القرن الماضي، والصحف في ذلك الوقت وأقاصيص جيل الرواد الذين عاصرهم، كان حاضر النكتة والتعليق والطرفة.. وخلال ساعات الدوام النهاري تجده حاملاً في يده نظارة القراءة السميكة الإطار يدخل من مكتب الى آخر، ينثر في كل مكان يدخله فكرة جديدة او تعليق ساخر او جملة مفيدة.. يسكب عصارة خبرته الصحافية في نقد وتصويب المعالجات الخبرية والأخبار العالمية والتغطيات..
هكذا عاش شيخ إدريس بركات بقلبه الصادق وقلمه الأصدق، صحافياً نادراً يختزن في ذاكرته الكثير من تفاصيل الحوادث التي عاصرها والأحداث التي عاشها، حتى انسحب رويداً رويداً من مجالاتها وكدها اليومي، وأقعده المرض زمناً طويلاً .. ثم غادر الحياة راضياً مرضياً.. رحمه الله رحمة واسعة ووسع قبره وأنزل عليه شآبيب المغفرة..

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *