زواج سوداناس

نافذة دردشة



شارك الموضوع :

انتصف الليل. ساعات النهار انصرمت سريعاً في دوامة العمل المتصل، أما المساء فعبر دون أن يحس به السيد (سين) في الأصل. إنه الآن يواجه ليله، بطيء الحركة، ثقيل الوجود، بوحشة ظلامه وقسوة وحدته وألم ذكرياته؛ وفضائحية حقائقه المعرية لواقع الحياة المتقلصة والمتدهورة التي بات يحياها منذ انتقاله إلى هذه البلاد في رحلة هجرة عنيفة، عد نجاحها فتحا وانتصارا مدويا على الأعداء في الوطن، الفاسدين والظالمين والفاشلين، وعلى الذين يحاربونه في الضفة الأخرى – حيث عبر – باحتقار وازدراء. لكن الليل، الثقيل الموحش، في كل يوم، يقتنص الروح، يبدد نشوة هذا الانتصار الكذوب، فها هو معتصر ومقهور، نهاره لظى الاستعباد، وليله جحيم الوحدة والأسى والأشواق المستحيلة. في كل ليلة يقول: بلا حبيبة، أو سماء تقيني وجع النبذ والنفي! في كل ليل.
في هذه الليلة، أحس السيد (سين) بحنين مهلك إلى حبيبة، إلى أنثى، إلى ضفة أخرى؛ حقيقية، آمنة وعطوفة، تحتضنه بحب لا رياء أو مراء فيه، بصدق عاطفي يحقن كل عروقه وشرايينه العطشى للدماء الدافئة الفوارة في حيوية وحياة. شرع أمامه – كعادته – صفحة الفيس بوك. قرر ألا انتظار اليوم لرسائل لا تأتي، لا ترقب اليوم، لدردشات تضيع في مماحكات الليل الطويل، لا رغبة لديه – تماما – في الشروع ببناء علاقات متسلخة تبدأ متساقطة وتموت قبل أن تقوى على ساعديها، لا رغبة لديه – تماما – في مناوشات جسدية إسفيرية ضائعة في الذبذبات المتشظية لهذا الوقت الدهين؛ الثقيل.. اليوم سيحقق – بضربة واحدة – تكونه الآخر، أنثاه التي ينادي وتنادي، ضفته التي لا تتحول أو تتلون أو تطفح بالكراهية وتمور بالأنانية والتقوقع الذاتي المقيت.
انتفض السيد (سين) منتشيا بفكرته، تجول في غرفته الضيقة، وأبصرها في هذه اللحظات القلائل المضيئة وقد اتسعت وأصبحت بحجم وطن، فتح للقمر وإضاءات النجوم مسارا للتسلل إلى الداخل؛ لأول مرة منذ مقدمه إلى المنفى/الضفة المهجر، يترك النافذة مشرعة هكذا دون قلق أو وجل، هواء الليل خفيف بعكسه، بارد ولذيذ، أنعشه ونسماته تضرب صفحة وجهه المكتسي بعلامات السعادة والانتصار الحق، ليس الزائف المتقشر والخائن.. هنا نبتت حبيبة، ونمت فروعها واستطالت شجرة خضررررراء.. قال السيد (سين) وقبضة يده تعتصر أضلعه الغائصة خلف لحم بدأ يترهل للتو!
انكفأ السيد (سين) على حائطه في الفيس بوك، افترع نافذة جديدة للدردشة، بعث أولى رسائله إلى الحبيبة المفترضة.
كتب إليها: تعالي إلى هنا، نعم، تعالي إليّ.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *