زواج سوداناس

واشـنــطــن والخــرطــوم.. الحـــــــوار الأخــــــيــــر



شارك الموضوع :

لا شيء يشغل الساحة السياسية السودانية أكثر من مشروع الحوار الوطني الذي أعلنته الخرطوم في مطلع العام الماضي، في الخطوة التي لم تقل في حجمها ومباغتتها للإستراتيجية الأمريكية عن مفاجأة ثورة الربيع العربي، التي أطاحت بحلفائها الإستراتيجيين في شمال إفريقيا، الأمر الذي أحدث إرباكاً كاملاً لإستراتيجيتها في المنطقة، ولم يكن أمام مستشارها في الشرق الأوسط إلا أن يتقدم باستقالته إعترافاً منه بالفشل في قراءة التحولات التي تدور في مجتمعات هذه المنطقة وضيقها من الكبت السياسي وتأذم الوضع الاقتصادي، ومثل إعلان مبادرة الحوار الوطني في هو الآخر مفاجأة أدت إلى إقالة السفير الأمريكي بالخرطوم، ولم تفصح الخارجية الأمريكية حتى الآن عن الأسباب الحقيقية وراء الاقالة، بينما أرجع بعض المحللين الأمر إلى إعتناقه للاسلام.

الحوار الأمريكي:
الاستراتيجية الأمريكية بعد أن نفذت خطتها الاولى عبر ضغطها المتواصل لإنفاذ إتفاقية نيفاشا للسلام والتي أدت إلى إنفصال الجنوب عن الشمال إنتقلت الى إنفاذ الخطة (ب) من الإستراتيجية الكلية تجاه السودان وهي تمكين الحركة الشعبية من الوصول للسلطة عبر الآلية العسكرية، وقد مثل الاعتداء على هجليج ومن ثم الاعتداء التالي على شمال كردفان البداية الحقيقية لهذه الخطة، ولكن مثل التصدي العسكري والالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة أعطى إشارات واضحة بصعوبة هذا الأسلوب وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد عبرت عن تراجعها عن العمل العسكري كآلية لتغيير المعادلة السياسية في السودان عبر مقال كتبه المبعوث الامريكي الأسبق للسودان ليمان وأكد فيه علينا أن لا نستفز العنصر العربي الاسلامي في السودان علينا ان نقوم بتأهيل الجبهة الثورية سياسياً ونحشد لها تحالفات سياسية مع منظمات المجتمع المدني والمجموعات السكانية التي تحمل حنقاً على النظام وبدأ هذا واضحاً من خلال التحركات التي يقوم بها القائم بالأعمال الامريكي في الخرطوم مع قيادات الطرق الصوفية والتي كانت لها صلات مع الحركة الشعبية إبان الفترة الانتقالية .
حيث أصدر مركز أبحاث السلام الامريكي ورقة قام باعدادها المبعوث الأمريكي السابق بريستون ليمان أوضحت بجلاء تغيير التكتيك الأمريكي للتعامل مع الخرطوم حيث أمنت الورقة على إقامة مؤتمر حوار سوداني بالخارج وأوصت بإقامة حكومة انتقالية لمدة عامين كما اوصت بضرورة ان يفهم الاسلاميون انهم جزء من هذا الحوار وافردت مساحة واسعة لكيفية تطوير وتأهيل الحركات المسلحة بجانب الخطاب السياسي وضرورة العمل على توحيدها في كيان او تيار سياسي عريض يكون اكثر استعداداً للدخول في الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية هذا وقد كانت الورقة قد دعت بتأجيل الانتخابات التي جرت في العام الجاري إلى عامين ولأمريكا عدد من التجارب في مثل هذه المؤتمرات التي تعيد ترتيب الاوضاع السياسية وتعدل موازين القوة العسكرية والاقتصادية بحسب ما ترتضي مصالحها حيث كانت تجربة افغانستان والعراق حيث تم عرض مؤتمرات لكل منهما في دولة المانيا برعاية وتخطيط واشراف امريكي كامل حيث كانت اهم مخرجاتها بالنسبة للعراق حل حزب البحث وتسريح القوات النظامية العراقية الامر الذي احال العراق الى فراغ امني مازالت آثاره السالبة تتسع عاماً بعد آخر.

إلتقاط الإشارة:
استقبلت الخرطوم ورقة ليمان التي تعبر عن الخطة الامريكية استقبلتها بكامل الجدية مع ادراكها التام بأن الحوار اذا ادير بالخارج فإن اجندة الخارج ستطغي على الاجندة الوطنية فسارعت باطلاع مبادرة الحوار الوطني عبر خطاب الوثبة حيث ألجمت المفاجأة واشنطن وقامت باقالة سفيرها بالخرطوم حيث كان احد مهندسي تفكيك حكومة حزب البعث العراقي منحت التحولات في شمال افريقيا والشرق الاوسط الخرطوم فرصة للافلات من التركيز الامريكي عليها حيث تحول إلى مناطق اكثر حساسية، وأخذت الخرطوم خبرة في الحوار مع الولايات المتحدة وامتدت لاكثر من عشرين عاماً كان نظام الخرطوم وقتها يمتاز بالرصانة والتماسك مع امتلاكه لعناصر بالغة التأهيل والدراية ساعدها فوق كل ذلك وعيها الاستراتيجي لأهمية الموقع الجغرافي للسودان وأهميته في معادلات السياسة الاقليمية والدولية فدخلت الخرطوم وواشنطن في عدد من الحوارات غير المباشرة فلم تكن اتفاقية نيفاشا حواراً بين جوبا والخرطوم بقدر ما كان حواراً بينها وواشنطن وينطبق ذات الامر على اتفاقية ابوجا . اتفاقية الشرق هي الوحيدة التي افلتت من السند التفاوضي الامريكي حيث ساهمت حالة القطيعة السياسية بين ارتريا وواشنطن في ذلك والجهل الامريكي باهمية الشرق استطاعت الولايات المتحدة أن تقوم بصياغة عدد من الاتفاقيات عالية الكلفة السياسية والاقتصادية والامنية على الخرطوم كان واضحاً ان امريكا تعمل من خلالها لاصابة الخرطوم في حالة من الانهاك الأمر الذي يجعل من قبولها للتسوية السياسية الشاملة وفقاً للخطة الامريكية الكلية خياراً وحيداً امامها وهذا الامر تجلى في العقوبات الاقتصادية الجديدة كلياً في عرف المجتمع الدولي والتي تمثلت في منع التحولات المالية من والى السودان حيث لجأت امريكا لهذه الخطوة بعد ان فشلت كل العقوبات السابقة خصوصاً بعد ذهاب النفط الجنوبي حيث اكدت عدد من مراكز الدراسات الاقتصادية الغربية ان حكومة الخرطوم ستواجه بالانهيار بعد الانفصال ولكن بعد ان تكيفت الخرطوم على هذه الوضعية جعلت واشنطن تذهب في هذه الخطوة المباشرة في فرض منع التحولات البنكية.

الحوار الدولي:
اخذ جانب الحوار السوداني الامريكي بعداً دولياً حيث مثلت الامم المتحدة اهم ساحات الحوار بين البلدين فقد اتخذت واشنطن عدد من القرارات ضد السودان ووقفت عدت مرات مناهضة لرئاسة السودان لأي من رجال المجلس وكان اشهرها رفضها ان يمثل السودان افريقيا في مجلس الامن الدولي كانت غالب الحوارات في مجلس الامن في العقد الماضي لصالح امريكا ولكن بعد التحولات الكبرى في ميزان القوي الدولية التي تلت الازمة الاقتصادية الامريكية وبعد دخو الصين لسوق شراء السندات الأمريكية والاوربية منفردة وارتفاع اسعار النفط الذي ساهم في عودة التعافي للاقتصاد الروسي حدث تحول كبير في مجلس الأمن واضحى منهج القيادة من الخلف هو الأمر المتاح لامريكا بعد ان كانت المتحكم الاوحد لمجلس الامن الدولي لاكثر من خمسين عاماً استطاع السودان أن يقوم بالرد على كل الصفعات الأمريكية في عدد من القضايا التي اثيرت في هذه الفترة كان اهمها تصويته لصالح روسيا بخصوص الاستفتاء في اقليم القرم حيث كان السودان من اول الدول التي اعلنت اعترافها بنتائج الاستفتاء التي اجريت به. مثلت ايضاً علاقات السودان بايران احدى لغات الحوار مع واشنطن وكانت اقوى عباراته قد تمثلت في زيارات السفن الايرانية لميناء بورتسودان.

العودة من بعيد:
ازداد الاهتمام الروسي بالعلاقات الخارجية بعد حالة التعافي الاقتصادي لها والازمة الاقتصادية التي لحقت بامريكا من جانب آخر. حيث عملت روسيا على استعادة حلفائها عبر التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري حيث تشكل مبيعات الاسلحة جزءاً كبيراً من الموازنة العامة الروسية عمل السودان بعد الفتور العابر في علاقاته مع بكين بعد انفصال الجنوب على ترسيخ علاقاته مع روسيا صادف ذلك خطة روسية باستعادة الدور العالمي ترجمت روسيا هذا الاهتمام بتعيين مبعوث رئاسي لشئون السودان قام بعدت زيارات للخرطوم أعلنت روسيا دعمها لمبادرة الحوار الوطني جاء ذلك عبر زيارة وزير الخارجية الروسي (سيرجي لابروف) بالخرطوم واعلن ايضاً استعداد بلاده لدعم السودان عسكريا بشكل يحفظ التوازن في المنطقة.
تنظر روسيا الى الحوار الوطني في السودان بمنظار تحالفاتها ومصالحها المستقبلية وتفرد له اهتماماً اكبر كلما اقتربت واشنطن من الاجندة التي يتناولها قدمت روسيا دعوة لوزير الخارجية ابراهيم غندور حيث زارها بالاسبوع الماضي المؤشرات تؤكد ان الحوار الوطني والعلاقات بين جوبا والخرطوم تمثل اهم موضوعات الزيارة فالحوار الوطني الذي يعتقد البعض أنه بين الحكومة والحركات المسلحة ما هو إلا حوار بين واشنطن والخرطوم اطرافه ليس الاحزاب التي فقدت جماهيرها ولا الحركات التي تقطعت بها السبل عبر انقساماتها الاميبية بل هو مشروع اكبر من ذلك بكثير فالخرطوم التي دخلت في حوار انتج اتفاقيات مع الحركات المسلحة كان غالب مصيرها الفشل وهذا لا يعود لعدم جدية الحركات ولا الحكومة في تنفيذها ولكنها صممت اصلاً بحيث يستحيل تطبيقها فالاتفاقيات التي تلزم الخرطوم بدفع مئات الملايين من الدولارات مثل اتفاقية الشرق والدوحة مع علم الحكومة والحركات وصناع الاتفاقيات بحجم الاقتصاد السوداني والازمات التي يواجهها والعقوبات المفروضة على السودان تجعل امر الوفاء بهذه الالتزامات ضرباً من الخيال الأمر الذي يستبقي حالة اللا استقرار لدعوى عدم انفاذ الاتفاقيات كل ذلك يعود للدور الامريكي عبر تدخله المباشر في صياغة مطالب الاطراف المعارضة للحكومة فالحوار الوطني في السودان ساحة لصراع الكبار لم يقف الامر على روسيا والصين حيث ينظر لاهتمامهم بأمر طبيعي نتاجاً لاستمرار التواصل بينهم والخرطوم وحالة التنافس بينهم وواشنطن ولكن المتغير الجديد هو الاهتمام البريطاني حيث قدمت دعوى لوزير الخارجية لزيارتها ولكنه يأتي منسجماً مع منهجية بريطانيا في اطار تعاملها مع امريكا حيث تتجنب الاصطدام معها ولكن ما ان تتأكد من ان حليفتها تتجه لتطبيع علاقاتها من احدى الدول التي كانت تحت لائحة العقوبات حتى تسارع للتواصل معها قبل انتهاء التسوية الامريكية مع هذه الدولة حدث ذلك مع ليبيا وايران حيث وقعت بريطانيا ابان رئاسة توني بلير اتفاقيات بعشرات المليارات من الدولارات مع القذافي بعيد اعادة علاقاته مع واشنطن وذات الامر تقوم به الآن مع ايران حيث استبقت ميعاد رفع العقوبات الغربية عن ايران بزيارة وزير خارجيتها لايران حيث قام بمناقشة كيفية اعادة الاستثمارات البريطانية وتوسيعها فالدعوة التي قدمتها بريطانيا لوزير الخارجية السوداني تعد ايضاً مؤشراً بأن الحوار الامريكي السوداني هو الأخير والذي يليه انفتاح السودان في علاقات عالمية جديدة ولكن هذا لا يعني إلا أمراً واحداً هو ان الصعوبات التي كانت تواجهها الخرطوم في اتفاقياتها السابقة وتسوياتها التي كانت تعقدها مع الحركات المسلحة ستكون هذه المرة اكبر واعقد من كل الصعاب السابقة وهذا مما يفسر تسابق الكبار على الخرطوم فواشنطن التي اعادت علاقاتها مع ايران نظراً لاستراتيجيتها الجديدة القائمة على تحويل اهتمامها العسكري الى منطقة جنوب اسيا حيث الصراعات الاكثر خطورة على امنها القومي وقامت أيضاً باعادة علاقاتها مع كوبا حيث لا تشكل اي تهديد اقتصادي أو عسكري على امريكا ولكن امريكا تنظر لموقع كوبا الاستراتيجي وتأخذ بحسبانها استخدام الاتحاد السوفيتي السابق لها كقاعدة عسكرية وتتخوف من تكرار هذا الأمر وهي تدرك حجم الخلافات غير القابلة للتفاهم بينها من جانب وروسيا والصين من جانب آخر وكان مرشح الرئاسة الامريكي (بادن) قد صرح بوضوح قائلاً : علينا عدم التخفي ودفن الرؤوس في الرمال علينا العمل باستعداد لمواجهة الخطر الروسي عسكرياً فهناك تحولات حتمية تجعل واشنطن تعمل بجدية وسرعة في اعادة علاقاتها مع السودان وهنا تكمن المعضلة فامريكا تريد السودان وفقاً لنظرتها وتريد هندسة قواه السياسية بما يتوافق مع استراتيجيتها في اطار الصراع القادم بينها وبين دول كبرى فالحوار الوطني الذي اعلنته الخرطوم وتحاول امريكا ان تنقله للخارج لا تدور جلساته في الخرطوم أو اديس ابابا والحوار الامريكي السوداني ليست هو الذي يدور بين الادارة الامريكية والحكومة السودانية ولكن اهم محاور الحوار الامريكي السوداني يتم التعبير عنها في عدد من المواقف بعدد من العواصم العالمية والاقليمية فهل تدرك القوة السياسية السودانية والحركات المسلحة والحكومة اهمية هذه المرحلة وخطو،رة عدم التحلي بالنظرة الاستراتيجية والروح الوطنية المطلوب توافرها للخروج من مخاض الحوار بنتائج تحقق مصالح السودان اولاً هل تستند الحكومة على مراكز دراسات تبصرها باختيار من افضل الخيارات في خارطة التحالفات العالمية وكيفية ونوعية النقاط التي تستوجب الثبات والاخرى التي يمكن عبرها تقديم التنازلات، هل اطلعت الخارجية السودانية على مسار الحوار الايراني الامريكي وكيف عبر المطبات نافذاً الى تحقيق المصالح المشتركة للطرفين . أم مازال بذات مكونها القديم الذي استجاب للاستدراج الغربي في عملية افضل بالسودان إلى دولتين.

اصلاح مجلس الأمن:
ظلت الخرطوم تنادي ومنذ سنوات بضرورة اصلاح مجلس الامن الدولي وهذا الحديث الذي لم يسجل التاريخ لواشنطن انها تحدثت عنها مطلقاً وبعد التحولات الكبرى التي حدثت على المشهد السياسي العالمي دعا الاتحاد الاوربي لقيام ورشة حول اصلاح مجلس الامن حيث كان من اللافت أن الدولة الافريقية الوحيدة التي قدمت لها الدعوى للمشاركة هي السودان حيث شارك بقيادة وزير الخارجية السابق علي كرتي، والتحولات في شمال افريقيا والحرب التي انطلقت في جنوب السودان جعلت امريكا تعدل في استراتيجيتها للتعامل مع الخرطوم حيث شكل اصول الاسلاميين للحكم في مصر وسقوط القذافي خطراً اكبر على مصالحها في المنطقة من نظام الخرطوم التي لها معه تجارب في الاختلاف والتعامل عملت واشنطن للاستفادة من الخرطوم في صلاتها مع اطراف الصراع في جميع الدول ولكن يبدو ان الخرطوم قد علمتها التجارب وأن واشنطن لا تفي بوعد ولا تصدق في عهد معها كان هذا الامر ملاحظاً في سلوك الخرطوم تجاه كل المبادرات الامريكية ولكن اضحت الخرطوم تعلن هذا جهراً عبر عدد من الجهات المعنية بالحوار مع واشنطن وقد تعمدت الخرطوم أن تقفذ للتعامل المباشر مع دول اخرى لها مصلحة في استقرار هذه الدول فكان الاتحاد الاوربي هو الآخر قد استشعر خطر السياسات الامريكية في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا على امنه القومي وكان هذا واضحاً في ردة الفعل السريع تجاه الاحداث في ليبيا حيث سارع بالتدخل العسكري دون انتظار واشنطن واخذ الاختلاف بين الاتحاد الاوربي وامريكا يأخذ بعداً عالمياً بعد رفض غالب الدول الاوربية دعوة امريكا للتدخل العسكري في سوريا حيث كانت اول الدول التي اعلنت رفضها للخطة الامريكية الحليف الاوربي الاوثق لامريكا بريطانيا كان هذا ايضاً وللمفارقة نتاجاً لذات الاسباب التي جعلت الخرطوم لعدم الثقة بالوعود الامريكية فقد شاركت غالب الدول الاوربية في غزو العراق وافغانستان مساندة لامريكا والتي حرمتها لاحقاً من كافة عقودات الاعمار والنفط العراقي وحاولت ترضية اوربا عبر مواذرتها دعوة جورجيا للانضمام للاتحاد الاوربي ولكن روسيا التي ردت بحسم وقامت بعملية عسكرية كبرى فانسحبت امريكا وجعلت اوربا تقف وحيدة في مواجهة روسيا النووية فبعد حالة الجفوة الاوربية الامريكية والمواقف الاوربية تجاه الازمة السورية عادت امريكا لذات التكتيك فقامت بحملة سياسية واعلامية ضد روسيا فيما يتعلق بالازمة الاوكرانية وردت روسيا بذات الاسلوب الاول الحزم والحسم عبر التدخل العسكري حيث قامت بالتدخل لاقليم القرم واقامت استفتاء انتهي بانضمامه رسمياً الى دولة روسيا الاتحادية ومرة اخرى انسحبت واشنطن وتركت اوربا وحدها الاحساس الاوربي لخطورة الاتحولات التي جرت على حدوده الجنوبية جعلته يتجاوز التحفظات الامريكية فابتدرت ايطاليا الحوار مع الخرطوم في الشأن الليبي واستضافت الخرطوم اجتماعات دول الجوار الليبي ولكن واشنطن التي ظلت بعيدة عن الآثار المباشرة لحالة الفوضى بالمنطقة حيث تدفع ايطاليا وجميع دول الاتحاد الاوربي الآن هذا الثمن باستقبالها بمئات الآلاف من اللاجئين السوريين والليبيين قامت واشنطن بقطع الطريق امام المساعي الاوربية لانجاز التسوية السياسية بليبيا حيث قامت باضافة لاعب جديد في المشهد الليبي ليقوم بتنفيذ رؤيتها في ليبيا المستقبل حيث شكل ظهور اللواء حفتر ليست نهاية للدور السوداني في ليبيا بل وحتى الدور الاوربي لقد عبر الاتحاد الاوربي في عديد المرات عن امتعاضه عن الاشتراطات التي يدفع بها حفتر.

الصين وروسيا:
قامت الصين بدور البديل المناسب للخرطوم لمقاطعة امريكا حيث وفرت الدعم المالي والاقتصادي والتكنولوجي طوال العشرين عاماً الماضية وكان وفقاً لمعادلة المصالح ان تتخلي الصين عن السودان بعد الانفصال حيث اضحت غالب استثماراتها في الجنوب وبدأ هذا الامر اقرب للحقيقة بعد ان اوقفت الصين تمويلها لعدد من المشاريع التنموية الممولة وفقاً للغرض الصيني الذي كان يتم سداده من صادرات النفط ولكن سرعان ما اتفقت الخرطوم وبكين على تجاوز الامر واكدا على الاستمرار في العاون في كافة المجالات حيث قامت الصين بمجهودات كبيرة ابان أزمة الصراع العسكري بين جوبا والخرطوم وبدور اكبر في الوصول لاتفاق رسوم عبور النفط الجنوبي عبر الشمال فكانت الصين اول من رحبت بمبادرة الحوار الوطني واكدت دعمها لكل ما يؤدي لاستقرار السودان وازدهاره، وقام الرئيس البشير بزيارة للصين حيث وقع على عدد من الاتفاقيات تعد هي الأكبر منذ انفصال الجنوب وكانت سفن حربية صينية قد استبقت وصول البشير لبكين برسوها على السواحل السودانية على ميناء بورتسودان في سابقة هي الأولى لزيارة سفن صينية حربية لدولة افريقية وبمثلما مثل السودان مدخلاً للصين بافريقيا في مجال الاستثمار والاستكشاف النفطي فإنه يعمل عبر هذه الخطوة الى ادخالها في اطار التعاون العسكري الأمر الذي يشكل أمراً هاماً لافريقيا في خارطة التحالفات العالمية استوعبت واشنطن الرسالة وقدمت انتقاداً للصين لاستقبالها للبشير بالرغم من أنها كانت قد مارست الصمت التام ابان زيارة البشير لجنوب افريقيا وهذا يؤكد ادراكها ان الزيارة للصين تأتي في اطار الحوار بينها والخرطوم فأمريكا تتبع ذات المنهجية التي اتخذتها مع ايران حيث قامت بتشديد العقوبات لتأتي ايران الى الطاولة بلا أوراق ولكنها لم تتحسب لأوراق طهران الخفية التي استخدمت نفوذها في سوريا والعراق واليمن هذا بالاضافة الى تحريك المعارضة البحرينية عوضاً عن تهديدها باغلاق مضيق هرمز الذي يمر به غالب النفط الخليجي تجاه الغرب .

حوار الجنوب:
حاولت امريكا ان تقوم بتسوية النزاع الجنوبي عن الخرطوم ولكن اكتشفت صعوبة هذا الامر نظراً لتعقيدات الواقع الاجتماعي والبدائية السياسية في الدولة الجديدة طلبت واشنطن رسمياً من الخرطوم ان تقوم بمساعدتها للوصول لاتفاق سلام في الجنوب ، الخرطوم لم تكن تنتظر امريكا فقد قامت بجهود مباشرة ووقع اتفاق الحرب بالخرطوم بحضور وزير الخارجية الصيني ولكن ايضاً لم تتح له واشنطن العبور فتطور الصراع مخلفاً اوضاعاً انسانية واقتصادية كارثية الأمر الذي جعلها تتغافل عن تحفظاتها تجاه الخرطوم وتطلب دعمها في حل الصراع الجنوب، مثل الحوار الأفريقي هو الآخر احدى ساحات الحوار الامريكي السوداني استطاع السودان بالنظر لامكانياته الدبلوماسية الخرطوم بأقل الخسائر جراء محاولة واشنطن الحاق عدد من القرارات بحقه حيث حاولت واشنطن منع اقامة قمة الاتحاد الافريقي للخرطوم في العام 2005م ولكنها لم تستطع الامر الذي جعلها تلقي بثقلها لتحول دون رئاسة السودان للاتحاد في تلك الدورة وفي آخر قمة للاتحاد الافريقي تم انتخاب الرئيس الزمبابوي رئيسا للاتحاد الافريقي بدعم من السودان وشكلت مواقف الاتحاد الافريقي ضد المحكمة الجنائية اكبر الانتصارات الدبلوماسية السودانية تجاه واشنطن فقد كانت امريكا في السابق تحاول استخدام الاتحاد الافريقي في حوارها الجزئي مع الخرطوم ولكنها الآن تريد استخدامه في الشوط الأخير من الحوار مع الخرطوم التي تعمل واشنطن عبره لوضع هندسة نهائية لسودان المستقبل وفق رؤيتها الكلية لاعادة ترتيبها للمنطقة والاقليم فالقرار الاخير الذي اتخذه الاتحاد الافريقي بالاستماع للمعارضة السودانية والتي تعد سابقة في تاريخه تأتي في اطار استخدام امريكا لكافة الاوراق في اطار حوارها مع الخرطوم فبعد ان قطعت الخرطوم الطريق على واشنطن بالدعوة للحوار واصرارها علي اقامته بالداخل تعمل واشنطن على ادراج مطالبها في اجندة الحوار قبل انطلاقه لتضمن ان مخرجاته هي الأخرى لا تمثل مفاجأة غير سعيدة بالنسبة لها.

الوان

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        طارق عبداللطيف سعيد

        ***خارطة طريق للحزب الحاكم ، إلى مزبلة التاريخ ، ده هو الحوار الآخير
        ***تحية إجلال وإحترام وعرفان وتقدير … للولايات المتحدة الأمريكية
        ***شكرا جزيلا

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *