زواج سوداناس

فقدناك فقدان الربيع وليتنا..



شارك الموضوع :

> اليوم..وبكل هذا الحزن والفجيعة.. كأن قصيدة الفارعة بنت طريف في أخيها الوليد بن طريف بن الصلت بن طارق الشاري، لم تكتب إلا في فقيدنا العظيم صلاح ونسي رحمه الله..ألم ترَ إن مرثياتنا القلائد اللائي برقن ولمعن ثم صعقن أسمعن.. عبر تاريخ الرثاء الطويل، يتقاصرن اليوم دونه ويتواريْن كما الندى وراء الزهر..
> وألم ترَ..أن صفات الكرماء من قيلت فيهم المراثي وسودت في فقدهم الصحائف، قد وضعت في قلب هذا الرجل وعلت سمته وكست إهابه وتفيض كالبشر الرقيق من وجهه وتتدلى مثل الثريات المذهبة من فؤاده ولسانه وصفاء النفس العزيزة الكريمة الشهباء..
> وألم تعلم.. أن رجلاً مثله.. يحق فيه البكاء.. وتستحي فيه الأعين النجل أن تُبقي بعض دمعها، فالدمع مسفوح فيه وممنوح.. قيل ما قيل في الرجال، وأجاد من قال.. لكن صلاحاً تستعصي في فقده الكلمات، كأنهن عند فضائله ومحاسنه ضئيلات الجوى عديمات الشجى يحبسهن نهر من أدمع ونحيب..
> ألم تدرك.. يا قلب بعد..أن مثل هؤلاء الناس ومن صلاح ونسي.. خلقوا ملائكة بلا أجنحة.. عاشوا بين الخلق في الدنيا بروح السماء الصافية لا بخلال أهل الأرض وشيمهم وقيمهم وأخلاقهم، فقد كان فضاءً لا يُضاهى من الفضائل لو قسمت لأهل الأرض جميعاً لوسعتهم، يعرف الله ويصدقه، يحمل إيماناً طافح في قلبه فيصدقه بالعمل، ليس بينه وبين ذُرى السماء وأهلها إلا فراسخ قليلة ربما جررناه للخلف نحن لو تركناه لبلغها وأناخ راحلته فيها وارتاح ونام ملء جفونه عن شواردها.. وليس بينه وبين فجوات التاريخ الكثيفة الضوء التي يتلألأ فيها أقمار من الصالحين والمصلحين، إلا حجاب رقيق وغُلالة شفافة صنعناها نحن وهو بيننا بخلافاتنا وتنافسنا الدنيا ولهاثنا نحوها وعراكنا حولها.. وهو سادر عن ذلك ولاهـٍ وساهـٍ لا هم له إلا سيفه الذي به يقاتل وثغرته التي يقف عليها، لا تطرف عينه ولا تغمض عن مهمتها.. لذلك كان بيرقاً من أعلى البيارق، وسهماً من أصلب السهام، ونصلاً من أحدَّ النصال..
> كان سيفاً بلا غمد، ورصاصة لا تطيش.. حين احتاجته أيام الجهاد والنزال، وكان قائداً وموجهاً ومدبراً فريداً حين تفرغ للعمل التنظيمي والسياسي، وتنفيذاً من الدرجة الأولى وهو يتلقى التكليف تلو الآخر في إدارة شؤون الحكم والدولة، فلم تبطره المناصب ولم ينخدع لها، هو.. هو. جمع في قلبه معادلة بسيطة.. فهو في قمة السلطة لم ينسَ أنه منحدر من الضعفاء والبسطاء الأنقياء الطاهرين من ريفهم ومدنهم البعيدة ومجتمعاتهم الصافية الصادقة، تربى في منزل عِلم وورع وتقوى.. فلم ينسلخ أبداً من ما تربى فيه.. لا تنكَّب درباً أو مسيراً، ولا ترجَّل خائباً أو تراجع مندحراً ومهزوماً.. عمَّر حياته بالصلاح ونشر الصلاح أينما حلَّ.. وعاش صلاح ومات صلاحاً..
> قالت الفارعة ترثي أخاها كأنما صوتها ينطلق من القرن الثامن الميلادي ليستقر في قلب القرن الحادي والعشرين في عشريته الثانية يرثي الفتي صلاح:
بتلِّ نهاكـي رسمُ قبـرٍ كأنـهُ٭ على جبلٍ فوق الجبال منيف
تضمّن مجداً عدْ مليـاً وسؤدداً٭ وهمةَ مقـدامٍ ورأسَ حصيف
فيا شجر الخابورِ مالـكَ مورقا!٭ كأنك لم تحزنْ على ابن طريف
فتى لا يحب الزادَ إلا من التق٭ ولا المـالَ إلا من قنـا وسيوف
ولا الذخر إلا كلَّ جرداء صلـدمٍ٭ مُعـاودةٍ للكرتين صفـوف
كأنك لم تشهـدْ هناك ولم تقـمْ٭ مقاماً على الأعداء غيرَ خفيـف
ولم تستلمْ يوماً لردّ كريهةٍ٭ من السرْدِ في خضراءَ ذاتِ رفيف
ولم تسعَ يوم الحربِ والحربُ لاقحٌ٭ وسمرُ القنا ينكْزنهـا بأنوف
حليفُ الندى ماعاش يرضى به الندى٭ فإن مات لايرضى الندى بحليف
فقدناكَ فُقـدانَ الربيعِ وليتنــا٭ فدينـاكَ مـن فتياننـا بألـوف
ومازال حتى أزهق الموتُ نفسه٭ شجاً لعدوٍّ أو نجـاً لضعيف
ألا يا لَقومي للنوائـبِ والردى٭ ودهـرٍ ملـحٍ بالكرام عنيـف
ألا يا لقومي للنوائـب والردى٭وللأرضِ همّـت بعده برجوف
وللبدرِ من بين الكواكب قد هوى٭ وللشمـس همّتْ بعده بكسوف
وللَيث كـلّ الليـثِ إذ يحملونه٭ إلى حفـرةٍ ملحودةٍ وسقيـف
ألا قاتلَ اللهُ الحشى حيث أضمرت٭ فتىً كان للمعروف غير عيوف
فإن يكن أرداهُ يزيدُ بـنُ مزيدٍ٭ فربَّ زحوفٍ لفّها بزحـوف
عليـه سـلامُ الله وقْفاً فإننـي٭ أرى الموتَ وقّاعاً بكلِّ شريف

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *