زواج سوداناس

تفاصيل تهريب جثمان القرشي من المشرحة


شارك الموضوع :

(التاريخ ذاكرة الأمة) عبارة تحفر نفسها عميقاً في وجدان الشعوب العظيمة وهي تنقل لأجيالها جيلاً بعد جيل حجم التضحيات وتدرسها كم من دماء أهرقت في سبيل الحرية والديمقراطية، فتنضح الأجيال فخراً واعتزازاً وانتماء..

بدر الدين يوسف أحمد مواطن وشاهد عصر، جاء مترعاً بتاريخ حفزته أبنته على روايته لأنه حق الأجيال، فقصد (ألوان) بعد 50 عاماً من الصمت المطبق، لينقل مشهد الشرارة التي سطرت ربيع الخرطوم الأول، والربيع العربي الأسبق في 1964م ليحكي مؤكداً(نحنا شعب أسطى) و(شعب معلم)..

سيرة بطل:
ابن الحلفايا البار عاكسه قدره في إكمال تعليمه الثانوي في عام الثورة بوفاة والده تاركاً له أشقاءه وحلم التعليم والصحة، ويومية الأكل والشرب، فركل سنته الأخيرة بالقسم العلمي الى غير رجعة، مراهناً على تعويض أحلامه في أبنائه، وقد كان..

بدر الدين يوسف أحمد من مواليد حلفاية الملوك عام 1944م، تلقى تعليمه بالمدرسة الأولية حلفاية الملوك مدرسة الشعب الإعدادية الخرطوم بحري، ومدرسة جمال عبد الناصر الثانوية الخرطوم القسم العلمي. جدته لأمه هي أم الفقراء الشيخ عبد الرافع.. هو من أبناء المزارعين البسطاء في أرض السودان..

* كيف علمتم بالنبأ؟
في صباح يوم 21 أكتوبر حضرنا إلى المدرسة صباحاً كالمعتاد حوالي (السابعة والنصف) ونما إلى علمنا أن ثمة مشكلة في جامعة الخرطوم وان طالباً قتل برصاص العسكريين، فإبتعثنا طالبين أو ثلاثة لتأكيد المعلومة من جامعة الخرطوم ووجدوا الجامعة مغلقة ومطوقة بالأجهزة العسكرية، في ذلك الوقت كان وزير الداخلية محمد أحمد عروة ووزير الدفاع حسن بشير خضر.

* لكن مشهد الجامعة محاصرة لا يؤكد شيء؟
لا.. كنا سنعرف من شكل الجامعة وأحاديث الزملاء بداخلها وتفاعلتهم.

* هل يعني ذلك أن المعلومة التي تبحثون عنها جاءت من خارج التنظيمات، اي هل يعني ذلك أنكم غير منظمين ؟
نعم.. لم يكن لدينا أي اهتمام بالسياسة بل ولم يكن لدينا إتحاد بحكم إننا مدارس بعثة تعليمية مصرية بالسودان.

* بعد أن تأكدتم من المعلومة ماذا حدث؟
تحركت أنا ومعي زميلي ودفعتي زكي وهو من أبناء كوبر الى المستشفى لاستطلاع حقيقة الأمر، وكان ذلك كله قبل الثامنة موعد الطابور الصباحي، وبعد أن وصلنا للمستشفى، سألت أحد الممرضين عن جثمان طالب ولم نكن نعرف أسمه، فقال لنا الممرض نعم هناك جثمان لطالب أتى أمس وموجود بالمشرحة.

* وماذا حدث بعد ذلك؟
عدنا إلى المدرسة فوراً وبدأنا في تمليك المعلومة للطلاب، بأن جثمان الطالب في المشرحة، واتفقنا على ألا ندخل الفصول ونذهب إلى الشارع لأخذ الجثمان من المستشفى، وكان هدفنا من ذلك تحريك الشارع بالجثمان لتندلع ثورة، لكن الناظر وجه بالدخول إلى الفصول وقال( للفصول در)، ولكننا عكسنا الأمر وهتفنا(للشارع در)، وخرجنا للشارع من البوابة الشرقية المطلة على شارع علي عبد اللطيف، وفي هذه الأثناء داهمتنا مجموعة من رجال الشرطة، وعلمنا فيما بعد بأن الناظر هو الذي اتصل بالشرطة، ما يهم بعد مداهمة الشرطة تفرقت جموع الطلاب واتصلنا ببعضنا كنفير بالتواجد أمام المستشفى والتحرك، بلا تجمعات حتى لا تلاحقنا الشرطة، ووصلنا إلى البوابة الرئيسية في الجانب الشمالي للمشرحة، ووجدنا مجموعة من جنود الشرطة بين (10-15) وقفوا أمامنا لمنعنا من الدخول وكنا حينها قرابة عددهم، وحاولنا اقتحام المشرحة لكنهم تصدوا لنا بالسلاح وحينها كان (أب عشرة) ووجهوه على صدورنا، وكنا نتصدى لها فعلاً بصدورنا للبندقية حتى يسحبها العسكري، وهكذا حتى تفرق العساكر، وخلال كل ذلك تزايد عدد الطلاب حتى بلغ قرابة الـ 50-60 طالب، في هذه الأثناء انشغل العساكر بكمية الطلاب والإصرار على الدخول، فدخلنا أي المجموعة الأولى، وكنا أول المقتحمين لباب المشرحة حوالي عشرة طلاب. في هذه الفترة تجمع جنود الشرطة والجيش وامتلأ الشارع بالعتاد العسكري.

داخل المشرحة ماذا وجدتم ومن التقيتم؟
لم نجد أحداً لأن الجميع هرب خوفاً من إن يقوم العساكر بضربنا داخل المستشفى، والتقينا بأحد الممرضين، الذي عرفنا على الجثمان فحملناه وحاولنا الخروج من ذات الباب أي الشمالي..

* هل كشفتم وجه الشهيد؟
كشفنا وجه الجثمان الذي كانت تغطيه آثار دماء، وذلك بعد أن هرب جميع الأطباء واخبرنا الممرض عنه.

* الرصاصة هل كانت بالفعل في رأسه؟
الوجه كان مغطى بالدماء فلم نتبين، كما أن تلك اللحظات من كان سيفكر في ذلك.

* كيف خرجتم إذا؟
كما قلت وجدنا الباب الشمالي مستحيلاً، عقب تكاثر القوات النظامية وإحضار دبابتين وتحليق طائرات هليكوبتر، فلجأنا إلى البوابة الجنوبية المطلة على كبرى المسلمية، فخرجنا إلى الشارع حيث كان الجنود بسيطين، واحتمينا بعربات السكة حديد واتخذناها ستاراً بيننا وبين العربات الناقلة للجنود والدبابات والعساكر الراجلين، وبعد تكاثر أعداد الطلاب وتلاحمنا مع بعضنا تحركنا بالجثمان حتى الشارع الجنوبي المطل على ميدان عبد المنعم، واتفقنا قبل التحرك من السكة حديد على وضع قضبان و(كمرات) السكة حديد في الشوارع، لمنع اقتراب عربات العساكر في المناطق المجاورة للميدان، وهو ما عرف بالمتاريس.

* بوصولكم الى الميدان.. هل كان هناك سياسيين؟
لا.. وصلنا ميدان عبد المنعم والذي يعرف حالياً بـ(الأسرة) ووجدنا فقط أهل الطالب قادمين لحمل جثمان ابنهم على عربة لوري هوستن، وحينها سألناهم عن أسمه فقالوا ( طه القرشي) وقتها تجمع الكثير من المواطنين والطلاب، ولم يحضر في تلك اللحظات سياسيين حتى أكملنا الصلاة على الجثمان أو ربما حضروا وتغلغلوا وسط صفوف المصلين.

* كم كان التوقيت الذي صليتم فيه على القرشي؟
قبل منتصف النهار بساعة أو ساعتين.

* بعد الصلاة ماذا حدث؟
بعدها حمل أهله الجثمان وتحركوا عائدين، أمنا نحن فتفرقنا في الشوارع نطالب بإقالة الحكومة، ولم نكتفي بذلك بل نحرق عربات الحكومة ( اللا ندر وفرات) ونقلبها ونأخذ منها البنزين ونملأ به الزجاجات لعمل الملتوف.

* لكنك قلت إنكم غير منظمين.. من أين تعرفون الملتوف؟
ـ بعض زملائنا الطلاب طرحوا الفكرة وكان أحدهم يدرس كيمياء، ما يهم إن الثورة عمت الخرطوم كلها، وسمعنا بالتطورات لكننا لم نكن نفهم في السياسة بقدر ما أثارنا وأرقنا مقتل زميلنا الطالب .

عمرو شعبان
صحيفة ألوان

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


3 التعليقات

      1. 1
        عزالدين

        دا كلام جديد

        الرد
      2. 2
        جار الزمان

        ربنا يرحم طه القرشي رمز الثورة والحرية وربنا يرحم الرئيس عبود عاش فقيراً ومات فقيراً

        الرد
      3. 3
        فارس عبدالرحمن

        اسمو احمد القرش وليس طه القرشى
        له الرحمة والمغفرة والدرجات العليا من الجنة

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *