زواج سوداناس

زواج (عوض توماس) كان الحي كان السودان كله هناك، عرسا للوحدة وكرنفالا غير مصنوع



شارك الموضوع :

خواتيم الاسبوع الماضي كان حفل زواج (اخي) الاصغر (عوض توماس) واقول اخي برابطة الجوار والسكني ؛ فتحت عيناي علي الدنيا والعم (توماس) جارنا في الحي بشارع خلفي ؛ رجل من عموم اهل السودان هو الاستقامة تشرئب قائمة بين نصوص الشرف ؛

بعض الكلمات مثل النزاهة والكغاح تكتمل معانيها حينما تتراص الحروف فتنشئ كلمة ذات معني ولكنها عند (توماس) كانت تتجلي فيه فكأن سمته حرف ولكأن سلوكه معني دال عليها ؛ كان سائق بمؤسسة او شركة ما ؛ لطالما طاردنا في نهارات الحي الضاجة بالحياة عفار تراب سيارته حين يدخل الحي فيهدئ من سرعته وبهبط يزجرنا بالضحك والممازحات؛

كان مهابا في غير ضجيج بساما يشرق وجهه باسنان بيضاء لم تقربها السنين بعطب او فتور لون ؛ لا يزال شابا (عيني باردة) لم تمس وجهه تجعيدة او تهز قامته عارضة ارتخاء ؛ انتقل بعدها بسنوات للسكن (لصقنا) تداخلت اسرنا ؛ اكلنا الملح والملاح وتشاركنا الماء والنار والكلأ واحزاننا وافراحنا وبعض حلف الجوار في نسخة الاحياء الشعبية القديمة ؛ بات الرجل في مقام الوالد والعم والخال وكنت اخا لعوضية ويوحنا وامهم تلك السودانية الوقورة ؛

مضت السنوات وتفرقنا في جوف المدائن وبقينا جمعا في جوف مقامات القربي وان قالت تدابير الزمان اننا وطنيين لا وطنا واحدا ؛ كنت اتتبع اخبار (يوحنا) الذي رايته طفلا ينوح ويبكي ووجهه نحيل ثم صار صبيا وشابا لاعب كرة ماهر ارتقي حتي رديف المريخ فكان ان احرز هدفا اقيم في داخلي مهرجانا وافتخر ( دا اخوي انا) لذا حينما هاتفني شقيقي ينقل لي ميقات عرس (عوض) كانت علي الموعد في صالة قرطبة ذهبت ووجدت ابناء حيي ورفاق الصبا كالعهد بهم واهل الحي ؛ كان عرس الجميع ارتدوا احسن ما عندهم غسلوا وجوههم ببرد المودة وثلج الاخاء النبيل ؛

وقف الشباب يستقبلون الضيوف وينظمون المجالس حتي لكأنك تظن ان العرس لمن حضر ؛ وقف عمنا توماس عند المدخل ؛ يا الهي قلت لنفسي هذا الرجل حاز اكسير الحياة هو ذاته ذات الوضاءة والسكون والسكينة وملامح هي السلام ينير مساحات العتمة ؛ قلت عم (توماس) نظر لي مليا ثم التهمني ، ودفعني للامام ثم ضمني كأب يسبغ علي طفل له افانين وشآبيب الرحمة ثم رجني حتي ان شعرت بقلبي يهبط الي اسفل وصاح (محممممد) كنت قد كضمت وانسربت منه اذ خشيت ان يفقد الرجل جأشه في يوم عريض امواج المشاعر عنده ؛

دخلت لوسط الصالة العريضة تناثرت الصبايا مثل الازاهير وطاف ولدان بحيوية الحياة حولي يرقصون ذاك زاهر وهناك زهير وهناك عمر خروف وطارق شقيقي الذي لم اعرفه بدا جزلانا طربا مع مطرب وسيم الملامح ماتع الصوت والاختيارات من حديقة انتحل منها لعثمان حسين وابوداؤؤود ووردي ؛ كان يمد يديه – المغني- كطائر يحلق فوق الحاضرين فينهض له الحضور من اصدقائه فترتفع وتيرة الاجادة عنده فيتجلي ناقلا حماسته للفرقة الموسيقية التي تلهب المكان بدف الموسيقي ؛

كان الحي كان السودان كله هناك ؛ من انتقلوا لمناطق اخري حضروا من كان بهم اذي من مرض تجاسروا عليه وحتي من كان به عذر حزن ترفع عنه ؛ حضروا كلهم لزواج ابنهم عوض ؛ الذي نبشت الجهات والزوايا عنه فعلمت انه في معتقل الكوافير او ما شابه فتقدمت ليقوم لي حدث صغير عن مكانه وقد ارهقت من استقبال (المسالمين) واعتلاء اعناق (المقالدين).

عوض توماس1
بعد مسافة حضر (العريس) يوزع البسمات والتحايا ويلتقط اغطية الداعين له بالمباركة ؛ كانت العروس بشارة لي بان هذا البلد امين طيب وان السودان الحقيقي هناك بين الناس وعروض حياتهم البسيطة وان الحب اقوي من عزائم السياسة وخطوط الجغرافية واجمل ما في الحفل انه كان عرسا للوحدة وكرنفالا غير مصنوع للحقيقة الابدية ان هذا البلد تقاس فيه الاشياء بالعفوية لا الاصطناع
مبروك ومبارك يا عوض توماس ؛ انت رجل تفوق عمرك وزمانك ؛ عشت للطيبيين فكانوا لك ومنك

الخرطوم: محمد حامد جمعة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


5 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

      1. 1
        meen

        يا سلام سبحان الله زمن مبروك يا اخ عوض والله زمن الود كان ود حلتي بس شمار العروسه منو كمان طلعت دي ههههههههعع
        الاخ كاتب المقال محمد حامد لك التحيه ايضا ود حله والله زمن

        الرد
      2. 2
        ساخرون

        جذبتني كتاباتك من يوم كشفت حقيقة وفاة بهنس المأساوية

        وتابعت تعليقات القراء فكانت تأكيدا للتميز

        أما مقال اليوم فقد خنقتني العبرات وأنا أقرأ التفاصيل
        هذا السودان الدي نعرفه

        روابطنا حميمية لدرجة الالتحام
        كنا نعيش بمبدأ لكم دينكم ولي دين ….ثم …..

        الرد
      3. 3
        sidiqali

        مقال اليوم فقد خنقتني العبرات وأنا أقرأ التفاصيل
        هذا السودان الدي نعرفه …. احسست نفس احساسك يا ساخرون

        الرد
      4. 4
        زول جبنة

        نبارك لعوض توماس الزواج، و نتمنى له حياة زوجية هانئة .. و نشيد باسلوب الكاتب الرائع .. لدرجة أنو لو بتشرب في شاي أكيد ح يبرد …

        لكن السؤال هو : الكاتب و المعليين (بما فيهم) أنا .. ماذا سيكون ردنا .. لو دق توماس بابنا طالب يد احدى بنات الأسرة .. علي سنة الله و رسوله ..

        آسف لافساد البهجة .. بس قليل جرعة صراحة لعلاج انفصام الشخصية لا يضير !!

        الرد
        1. 4.1
          ود مكسر

          اخي “زول جبنة”، تحياتي لك
          أرى اجابتك لعين سؤالك في مضمون ظنك بان حديثك يفسد البهجة، وإلا فأرجوا ان تجيب انت اولا على السؤال.

          الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *