زواج سوداناس

حلايب.. محض افتراء.. أم كبش فداء!! (1)..



شارك الموضوع :

تقاطعات المصالح وتجاذبات السياسة تجعل من أزمة حلايب أزمة تراكمية بالغة التعقيد لاسيما وهي تعد الحلقة الأضعف في جسد العلاقات السودانية المصرية ومن ذات المنحى يمكن أن تكون هي كبش الفداء لأزمة أخرى هي أزمة (سد النهضة الأثيوبي) خصوصاً أن السودان الرسمي يتعاطى الأزمة بدبلوماسية (مرنة حد الهشاشة) والإعلام يتناولها بحياء (حد الخجل المشروخ) عكس الإعلام المصري المهول الذي بلغت لهجته التفسيرية حد الشطط.. ولكي نخرج من عنق الزجاجة لا بد لنا بدءاً أن نحلل الأزمة بشكل تاريخي وقانوني ونفند هذه الإدعاءات بالحجة والمنطق ثم نسلط الضوء على دفوعات السودان للإدعاءات المصرية.
أولاً: التحليل القانوني لأزمة حلايب
إن نزاعات الحدود من النزاعات الدولية التي يهتم فيها التحكيم والمحاكم الدولية بالبحث في تطور التاريخ القانوني للحدود بين الدول المتنازعة ورغم أنه من الثابت أن المحاكم لا تتدخل لتحديد مدى قانونية أي أمر أو مرسوم أو إقرار سابق ينظم مسار الحدود، مهما كانت درجة إخلاله بالعدالة لأن في ذلك مدعاة لعدم الاستقرار إلا إذا طلب الطرفان المتنازعان إليها ذلك تحديداً. ومع ذلك فإن المحكمة تأخذ موافقة الطرفين أو السلطة التي أصدرته مأخذ الجد للاستدلال على قانونيته. فالتحقيق عن أهلية هذه السلطة مسألة مهمة بالنسبة للمحاكم الدولية حتى تستيقن من مدى قانونية التغيير، كما حدث ذلك في الفصل في النزاع بين جمهورية بوركينا فاسو وجمهورية مالي. وعلى العموم فإن للتاريخ والخرائط الجغرافية القديمة درجات متفاوتة من الأهمية تساعد القضاة في سبر إجراءات القضية والمحكمة في تحليل الفصل في النزاع كما أنها تضيف بعض الأبعاد التي من شأنها ترجيح أو تقوية بعض المبادئ القانونية المطبقة في مجال النزاع.
أما بالنسبة لموضوع الدراسة أي النزاع الحدود السودانية المصرية فإن هنالك حقائق ثابتة لا يستقيم لأي محكم أو محلل التغاضي عنها بسهولة. فحقائق التاريخ القانوني تشهد أن حدود مصر منذ عهد الفراعنة وحتى نهاية العهد التركي المصري في السودان لم تمتد جنوب خط عرض 24 درجة شمالاً. رغم أن مصر نجحت في مد حدودها جنوباً في سنة 1899 حتى خط 22 درجة شمالاً فإنه يجب أن لا نغفل أن هذا المد رغم أنه تم حسب وفاق 1899م فإنه صورة غير قانونية فالمفروض أن تستأذن الحكومة المصرية من الحكومة التركية قبل تعديل حدودها المعروفة «القديمة» والوارد مسارها حسب الخرائط العثمانية كما كان الحال مع غيرها من حدود مصر الإدارية. والأغرب من ذلك عدم جرأة الحكومة المصرية على تغيير حدودها مع ليبيا بالإدارة المنفردة، بل وأكثر من ذلك عدم استطاعتها تغيير حدودها مع سيناء التي كانت منطقة إدارية اتبعت لمصر مثلها مثل السودان منذ عام 1892م وذلك بالقيام بتحديد أو تعيين الحدود الشرقية لسيناء قبل الرجوع للسلطان العثماني كما حدث في سنة 1906م والحقيقة أن سيناء لم تصبح بنص القانون جزءاً لا يتجزأ من مصر إلا في سنة 1922م مع الاعتراف لتركيا باستقلالها وعدم الاعتراض البريطاني آنذاك. أما التعديل في حدود مصر الغربية فلم يتم إلاّ بعد استيلاء إيطاليا على ليبيا. فإذا افترضنا جدلاً أو الوفاق محل التحليل هي اتفاقية دولية بين دولتين ذات سيادة بغرض تحديد الحدود بينهما فإن القول المصري بعدم جواز تعديل الحدود التي قررتها هذه الاتفاقية الدولية بمراسيم إدارية صادرة عن وزير الداخلية لهو منطق يبدو أنه لا يمكن مغالطته من الناحية القانونية لكن النقطة الغائبة عن الكثيرين هي أن هذا المنطق القانوني صحيح فقط في حالة أن يتم هذا التغيير بواسطة مرسوم وزاري صادر عن وزير الداخلية في الحكومة السودانية لأنها ليست طرفاً في وفاق 1899م وزير الداخلية السوداني سيكون عندئذ قد اقتطع أو عدل من مسار وتعيين الحدود بين الدولتين بإرادة منفردة أو بغير سند قانوني واضح.
ما دام المرسوم الإداري صدر عن مصر التي ادّعت السيادة على السودان حينها ومن الوزارة المسؤولة عن تنظيم وتحديد حدود المديريات والمراكز إضافة إلى أن وزير الداخلية هو نفسه رئيس مجلس الوزراء والذي جمع بين الحقيبتين حتى عام 1892 مما تناقض مع الإدعاء المصري بعدم عرض التعديلات على مجلس الوزراء والذي كان قد أرسل صورة من القرار، بل واستشار قبل إصدار المرسوم وزارة الأشغال العامة ووزارة المالية ووزارة الحربية بالإضافة إلى وزارة العدل. وبما أن رئيس الوزراء هو نفسه وزير الداخلية فإن ما تبقى من الوزراء ممن لم يستشاروا في المرسوم هو وزير الخارجية فقط. ويظهر التناقض حيث إن وزير الخارجية هو الذي تفاوض مع كرومر في وفاق 1899م وعدم إعلامه أو عدم اعتراضه على المرسوم يعني أن الحكومة المصرية لم تعتبر حينها أن وفاق 1899م اتفاقية سيادية دولية تنقص من حقوقها الإدارية على السودان كما أن عدم اعتراض باقي الوزراء رغم علمهم بهذا الإجراء يرقى إلى عرض الموضوع على جلسة مجلس الوزراء والموافقة عليه لا على أساس أنها حدود دولية ولكن حدوداً إدارية تحد اختصاصاتهم الإدارية والقضائية المباشرة ولا تمس السيادة العثمانية.
وحتى إذا افترضنا أن خط الحدود 22 درجة هو خط دولي فإن التناقض في الموقف المصري يتبين أيضاً عندما نعلم أن مصر اعترفت صراحة بعدم امتداد سيادتها واختصاصها الإداري لتشمل قبائل البشاريين قبل توقيع وفاق 1899م فكما هو معلوم فقد ذكر وزير الداخلية المصري في مرسومه الصادر في 4 نوفمبر 1902 أن الهدف من تعديل الحدود في منطقة حلايب المتنازع عليها هو تنظيم إدارة قبائل البدو الرحل وتحديد تبعيتهم والاختصاص الإداري الذي يخضعون له بصفة نهائية في مصر أو السودان وذلك نسبة لأن الأمر السابق الصادر في 2 مايو 1895م والذي ينظم الاختصاص الإداري للبدو في أسوان لا ينطبق على هذه القبائل رغم أنها تقع في شمال خط 22 درجة. ما يؤكد أن هذه القبائل والمنطقة نفسها كانت خارج الإدارة المباشرة لمصر ولم تكن تخضع للسلطة المباشرة لأوامر وزير الداخلية. بل كانت واستمرت جزءاً من ولاية البحر الأحمر والسودان بصفة عامة حيث الإدارة المصرية كانت غير مباشرة لأن هذه الأخيرة كانت جزءاً من ولاية الحجاز العثمانية منذ القرن السادس عشر.
* الباحث والناشط المتخصص في أزمة مثلث حلايب

د. نصر الدين ميرغني لقمان
الانتباهة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *