زواج سوداناس

بناء إنسان



شارك الموضوع :

هذه واحدة من القصص التي لا أمل استعادتها وتكرراها لأنها في رأيي توضح، وإن بشكل مبسط المعنى الحقيقي لكلمة “تنمية”، لا سينما إن ربطناها بالمصطلح الاقتصادي – الاجتماعي “تنمية بشرية”. والقصة تقول باختصار، إن زوجين شابين قبل ربع قرن تقريبا، وهما في بداية حياتهما، سكنا في أحد الأحياء الحديثة في ذلك الوقت، استأجرا بيتا تقليدياً صغيراً، بدأت تنتشر من حوله بشكل متدرج عمارات حديثة أخذ في تأسيسها مغتربون عائدون من الخليج وأبناء أثرياء ورجال أعمال تزوجوا حديثاً. وسط هذا الحي البرجوازي الجديد ربى الزوجان الشابان طفليهما إلى أن التحقا بالروضة، وخلقا بعض الصداقات مع جيران العمارات الأثرياء، ومن ضمنهم ابن أحد رجال الأعمال أحب الزوج وصادقه وكان يأتي لزيارتهما كثيراً لفراغه الكبير ووقته المنتفخ بلا طائل.
نقل الزوج إلى إحدى مدن السودان البعيدة، فسافر ومعه أسرته وظلوا هناك إلى أن التحق الأبناء بالجامعات – أصبحوا أربعة – وتخرج بعضهم منها، ثم ولدواعي النقل عادوا مرة أخرى للعاصمة وللمصادفة الجميلة وجدوا بيتا مقاربا لبيتهم القديم معروضاً للإيجار فآثروا السكنى فيه إحياء لذكريات (الزمن الجميل). المهم في يوم ما زارهم الجار القديم، ابن رجل الأعمال صاحب الوقت الفائض، وقد بدأت تظهر عليه آثار تقدم العمر والسهر وتعب الحياة الأسرية والزوجية الفاشلة؛ فقد أخفق في تربية أبنائه وصاروا تائهين مثله في دوامة الوقت؛ كما دخل في صراعات مريرة مع زوجته – الأولى – انتهت بالطلاق ودخل في دائرة مشاكل جديدة مع الزوجة الثانية. زارهم وجلس متأففاً وهو يحدق بجدران المنزل الطوبي الصغير، وفجأة التفت للزوجة وسألها: “إنتو كنتو بتعملوا في شنو لغاية هسي بتأجروا في البيوت وما بنيتوا ليكم واحد؟؟” في رد سريع وحاضر ومفحم أجابته: “كنا بنبني في ناس”.
تنتهي القصة البسيطة هنا، لكني أعتقد أنها محملة بإشارات عظيمة لمن يتوقف عندها، فهذه الأسرة المكافحة الصبورة بالفعل بنت (ناس)؛ درسوا وتعلموا وتخرجوا من الجامعات وامتلكوا الأدوات التي تتيح لهم كيفية إدارة “الوقت” والقبض عليه وتدويره بحيث يصبح منتجا ومفيدا لهم وللجميع، وهو ما حدث بالضبط خلال سنوات قلائل.
ربع قرن تكفي لبناء إنسان، وإعداده بالصورة اللائقة ليكون فاعلا في مجتمعه ومسهما في بناء بلده، ربع قرن تكفي لمنح ميلاد جديد لمجتمع كامل لو أننا استثمرناها بالشكل العلمي الصحيح.
لكن، الوقت ما يزال فائضاً وكبيساً لدى الكثيرين.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *