زواج سوداناس

ظلت محظورة بعد تعليمات “صوّب لتقتل” التجارة الحدودية مع الجنوب… منجم الذهب المطمور



شارك الموضوع :

اتحاد أصحاب العمل: لا نتوقع نجاح التجارة الحدودية مع الجنوب
ديفيد ديشان: حكومة جوبا تستهدف التجار الشماليين بمزاعم أنهم يدعمون المعارضة الجنوبية
استيفن لوال: إغلاق الحدود أضر بجنوب السودان وأدى لتصاعد المجاعة وانعدام المواد الغذائية في بعض المناطق
البشرى إيدام: المواطن الجنوبي يثق في البضائع الشمالية بدءاً من السكر وحتى الاسمنت

في ظهر يوم الإثنين 23 أبريل من العام 2012م وقف النائب الأول لرئيس الجمهورية – حينها – علي عثمان محمد طه أمام البرلمان بوصفه رئيس لجنة التعبئة لتحرير هجليج التي احتلتها قوات جنوب السودان وأصدر أوامر مباشرة تقضي بإغلاق الحدود بين السودان وجنوب السودان ومعاقبة من تسول له نفسه محاولة تهريب المؤن للجنوب بالضرب المميت بالرصاص، فقد قال طه “لن نسمح بعد اليوم لأحد أن يمد عدواً ولو بشق تمرة والتعليمات الآن للأجهزة الأمنية والأجهزة التي سيتم اختيارها لمنع التهريب هي Shoot to kill فالمنطقة كلها منطقة طوارئ”.
حقائق جديدة
ومنذ ذلك الحين والحدود بين الدولتين مغلقة بشكل رسمي رغم تحديد 10 منافذ تجارية من خلال اتفاقيات لاحقة إلا أنها لم تنفذ، ليظل واقع الحال كما كان، إغلاق للحدود مع نشاط كبير لعمليات التهريب، التي تجعل خزينة الدولة تفقد عائدات كبيرة كان يمكن أن تكسبها عبر القنوات الرسمية إن كانت هناك قنوات مفتوحة.
وبالأمس وقف وزير الدولة بوزارة الخارجية كمال إسماعيل على ذات المنصة التي أطلق منها طه تعليماته القاطعة بإغلاق الحدود، وتصويب النار على من يقترب من تلك المناطق.. وقف كمال ليؤكد تضرر البلاد بصورة كبيرة من إغلاق الحدود مع دولة جنوب السودان، وكشف عن محاولات تجريها وزارته مع الجانب الجنوب سوداني بغية الاتفاق على فتح الحدود بين البلدين، وقطع بأن البلاد خسرت (7) مليارات دولار من إغلاق التجارة بين البلدين.
دولة بلا منافذ
ربما تكون التقديرات السياسية هنا وهناك سبباً رئيسياً في عدم ترسيم الحدود بين البلدين والتي تصر الخرطوم على ترسيمها وتحديد الخط الصفري كشرط لفتح المعابر بينما ترى جوبا أن الحدود لن تكون مشكلة خاصة في ظل فتح النقاط الحدودية خاصة وأن جوبا دولة بلا منافذ وتعتمد بشكل كبير على مواردها الغذائية على السودان. فقد دعا وزير خارجية دولة جنوب السودان برنابا بنجامين، خلال مؤتمره الصحفي بالخرطوم السبت الماضي إلى فتح الحدود بين البلدين وتحريك التجارة وحل القضايا العالقة، وقال: “نحن جيران إلى يوم القيامة، ولابد من ترابط العلاقات لتكون نموذجاً في العالم وبناء صلات قوية مبنية على الصداقة والتعاون التام فنحن شعب واحد في دولتين”.
من ينظر للعلاقة التجارية بين السودان وجنوب السودان يجد أن المستفيد الأول منها هو السودان باعتباره سيكون مصدرًا لدولة الجنوب خاصة وأن الجنوبيين يستهلكون الذرة في غذائهم مما يجعل الجنوب أكثر حاجة لاستيراد غالبية احتياجاته الغذائية من السودان وليس من شرق أفريقيا وخاصة وأن جنوب السودان لايزال مرتبطاً بالطرق البرية والسكك الحديدية والنقل النهري مع السودان أكثر من ارتباطه بالدول الأخرى المجاورة له، إذ يحتاج بناء طرق تصلح كممرات ومعابر من وإلى تلك الدول وهو أمر يزيد الأعباء على خزينة الدولة الوليدة التي أرهقتها الحرب.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن النشاط التجاري في دولة الجنوب اعتمد على الأنشطة التي يديرها تجار من السودان منذ زمن بعيد. وأيضاً على ما يرد إليهم من عروض التجارة من السودان خاصة الأجزاء الشمالية من دولة الجنوب، أعالي النيل الكبرى وبحر الغزال الكبرى التي تمثل العمق التجاري بين البلدين حيث السلع الواردة لتلك المناطق من السودان في غالبها سلع استهلاكية كانت أو منتجات صناعية تكون مصنعة في السودان أو واردة إليه من الخارج مما ساعد في تنشيط حركة النقل بين البلدين.
إغلاق جديد
وإن كان العام 2012 قد شهد إغلاق الحدود وتم إيقاف التعامل بين البلدين لتعود القبضة للارتخاء لاحقاً، إلا أن وزارة التجارة الخارجية عملت على إغلاق المنافذ مرة أخرى. ففي العام 2014م أعلنت إيقاف نظام التجارة الحدودية مع جنوب السودان، على أن يسري نظام التجارة الدولية بين البلدين فور استقرار الأوضاع الأمنية بالجنوب، لافتة إلى أن هذه الإجراءات تم اتخاذها لتفادي الإشكاليات الكبيرة التي قد تحدثها التجارة الحدودية على دولة الجنوب الوليدة والمتمثلة في إغراق الأسواق بالسلع وعدم وجود عائدات لخزينة الدولة. وقالت وزارة التجارة وقتها إن تجارة الحدود تحدث تطوراً في المناطق والأقاليم التي تمارس فيها بينما التجارة الدولية تكون عبر اعتمادات مصرفية وعائدات للبنوك المركزية في كلا البلدين، وهي ذات فائدة وعائد على اقتصاد البلدين كما أن السودان لديه إشكالات في عائدات الصادر.
تجارة بلا قيود
ويفضل وكيل وزارة المالية الأسبق الشيخ المك في حديثه لـ”الصيحة” أن تكون التجارة مع دولة الجنوب عادية ودون قيود معتبراً أن الأوضاع الأمنية تلقي بظلالها على الوضع التجاري بين البلدين، ويرى أن مصير الجنوب والشمال التجاري مشترك الأمر الذي يحتم الوصول إلى صيغة توافقية بين الاثنين فيما يتعلق بأمر التجارة الحدودية أو التجارة الدولية معتبراً أن الجنوب دولة خصبة لكل السلع السودانية خاصة وأن الثقافة الغذائية واحدة هنا وهناك، وأشار إلى أهمية السودان لدولة الجنوب خاصة وأنها دولة مغلقة لا تطل على ساحل أو ممر مائي وميزة السودان أنه يوفر لدولة جنوب السودان كل البضائع والسلع الهامة التي تتطلب أن تمر بالسودان معتبراً أن تلك ميزة نسبية للسودان كما أنها للجنوب أيضاً فمن الضروري تكامل الأدوار في هذه الحالة.
صعوبة المراقبة
ولكن أمين أمانة السياسات باتحاد أصحاب العمل سمير أحمد قاسم يرى في حديثه لـ”الصيحة” أمس أن حدود السودان مع دولة الجنوب كبيرة ومن الصعب التحكم فيها او على التجارة خلالها سواء كانت تجارة حدودية أو تجارة عالمية، ويرى أهمية عمل مناطق حرة في مواقع مختلفة في الحدود تكون ثنائية وفي نفس الوقت تكون هنالك مرونة تجاه المواطن الجنوبي لشراء البضائع من السوق الحر ولو بكميات قليلة لمعرفة احتياجات الجنوب حتى تستطيع الجهات توفير السلع التي يحتاجها المواطن الجنوبي إضافة الى أن ذلك يعمل على توفير السلع للجنوب وتفادي الهجرة من الجنوب للشمال وهذه الوفرة تعزز الأمن والاستقرار في الجنوب والشمال وتحقق الأمن المجتمعي ودعا سمير إلى أهمية إفراد مساحة لخصوصية التعامل مع الجنوب وقال إن التجارة الدولية تتطلب وجود مصارف وإجراءات، وأضاف: لا أعتقد إمكانية نجاح التجارة الدولية مع الجنوب فالمناطق الحرة الحدودية يمكنها التعريف بالإيجابيات والسلبيات التي تنجم من التجربة. أما التجارة الدولية ستفرز بعض المشاكل في ظل الحدود الطويلة فمن الصعب أن تعمل القرارات الإدارية على وقف النشاط التجاري بين دولتين حدودهما طويلة. وقال سمير: يجب البدء بنقاط تجارية صغيرة ثم يتم تقييمها ومن ثم نعزز الإيجابيات ومعالجة السلبيات.
موسم الهجرة جنوباً
ويذهب محللون إلى أن إغلاق الحدود مع دولة جنوب السودان ساهم بشكل كبير مع الحرب في جنوب السودان وتدني عائدات النفط في انهيار اقتصادي تام في الدولة الوليدة، وبخاصة الولايات المتاخمة للسودان والتي تعتمد بشكل أساسي على البضائع التي تأتيها عبر الحدود وبسبب توتر العلاقات بين البلدين وإيقاف حركة التجارة بالحدود الجنوبية، في العام 2012م.
ويقول الخبير السياسي الجنوب سوداني استيفن لوال لـ(الصيحة) إن بلاده تضررت جراء إغلاق الحدود والمعابر بدرجة كبيرة جدًا إذ أدى ذلك إلى تصاعد المجاعة وانعدام المواد الغذائية في المناطق الحدودية والمناطق الأخرى خاصة وأن السودان يمثل المصدر الرئيس لتوفير المواد الغذائية لشعب الجنوب إضافة إلى أن البضائع السودانية تناسب المزاج الجنوبي بسبب الثقافة الغذائية المشتركة بين الشعبين.
ويرى لوال أن المزاج الجنوبي والذي يميل للمواد الغذائية التي تأتي من السودان يعتبر من أهم الأسباب التي تدفع التجار الجنوبيين إلى الهجرة شمالاً خاصة أن الشعب الجنوبي يؤمن تماماً بجودة المنتجات السودانية.
الانكفاء شرقاً
وبمثلما هاجر التاجر السوداني جنوباً طلباً للربح، هاجر المزاج الجنوبي قسرًا نحو دول شرق إفريقيا تعويضاً للفاقد السوداني من البضائع بعد الإغلاق. وبحسب المحللين السياسيين فإن كلاً من أوغندا وكينيا اهتبلتا فرصة غياب السودان عن المسرح الجنوبي من أجل توسيع امبراطورياتهما التجارية في الدولة الوليدة وكعادة المارد الأوغندي الذي حصل على نصيب الأسد فى كيكة انفصال الجنوب احتلت أوغندا المرتبة الأولى من قائمة المستفيدين اقتصادياً في الوليدة إذ يمثل جنوب السودان أهم سوقٍ على الإطلاق للصادرات الأوغندية، ومعلوم أن 45% من جملة صادرات أُوغندا للعام 2012 كانت إلى دولة جنوب السودان التي تشكلت حديثًا.
وفي الجانب المقابل فإنّ جنوب السودان يعتمد إعتماداً كبيراً على وارداتهِ من أوغندا بنسبة فاقت الـ 60% لنفس العام بينما فاق حجم التبادل التجاري بين الدولتينِ الجارتين 1.2 مليار دولار في العام 2009م غير أن هذا الرقم تضاعف إلى أرقام أكبر عقب اندلاع الحرب والتي حالت دون إيجاد إحصائيات دقيقة هذا فضلاً عن التمدد الكيني المصرفي والاستثمارات الضخمة التي ضخها المستثمرون الكينيون بدولة الجنوب بتشجيع من الحكومة.
وعملت الحكومة الكينية بشكل رئيس في مجال التبادل التجاري وتطوير البنية التحتية من طرق وملاحة جوية وغيرها من الأنشطة.
فرص مرفوضة
ويرى الخبير السياسي الجنوب سوداني استيفن لوال أن غياب السلع السودانية عن الجنوب ترتب عليه ملء الفراغ من المنتجات الكينية والأوغندية إلى السوق الجنوبي بكثرة إلا أن هذه المنتجات تأتي في شكل معلبات يرفضها المزاج العام الجنوبي كما أن كمية كبيرة من البضائع التي تأتي من هناك تكون غير مطابقة للمواصفات الأمر الذي أدى إلى إغراق السوق الجنوبي بالسلع الفاسدة ومنتهية الصلاحية، وقد يكون ذلك بدون علم السلطات المختصة هناك. ويمضي لوال قائلاً: لعل أهم السلع التي تضرر المواطن الجنوبى منها سلعة الزيت والتي تسببت في الإصابة بكثير من أمراض المعدة وأمراض التيفويد كونها ملوثة وغير مطابقة للمواصفات”. ولفت لوال الى أن معظم المأكولات الطارجة بدءاً من الباسطة والطماطم وانتهاء بالبصل تأتينا من ولايات الجزيرة والنيل الأبيض وولايات دارفور وأعتقد أن إغلاق الحدود عمق الركود الاقتصادي بدولة الجنوب إذ أن انعدام السلع وندرتها أدى إلى ارتفاع أسعارها ومن ثم إحجام المواطنين عن شرائها الأمر الذي دفع التجار إلى هاوية الإفلاس وتسبب في ركود اقتصادي عميق.
وقريبًا من حديث لوال فإن القيادي الجنوب سوداني الدكتور ديفيد ديشان، يرى أن السلع التي تأتي من شرق افريقيا ملوثة ومنتهية الصلاحية، وهو ما يمكن أن يكون عامل دفع لإنعاش التجارة بين السودان ودولة جنوب السودان.
ثقة في البضائع السودانية
الدعوات المتكررة إلى تنشيط التجارة بين السودان ودولة جنوب السودان، وخاصة التجارة الحدودية، تجابهها الكثير من الحقائق على الأرض، فقد ظل عدد من التجار الشماليين يتهمون حكومة جوبا وأيضاً يتهمون المواطنين باستهدافهم ونزع متاجرهم. يقول التاجر الشمالي بدولة الجنوب البشرى إيدام الشهير بدينق ملوال، إن المواطن الجنوبي يثق في البضائع الشمالية بدءًا من السكر وحتى الاسمنت، لأنه ذاق الأمرين بسبب البضائع المغشوشة والتزوير والنصب من تجار شرق أفريقيا. وأضاف البشرى في حديثه لـ(الصيحة) بأن خسائر إغلاق الحدود بين البلدين تفوق الرقم الذي ذكرته وزارة الخارجية مؤكداً ان السودان يمكنه الحصول على 40 مليار دولار من المعابر الحدودية وذلك لأن دولة الجنوب ليست لديها بضائع لتصدرها للسودان وهي تعتمد كلياً على البضائع التي تأتي من السودان وخاصة الدواء.
ونفى البشرى وجود استهداف ممنهج ضد التجار السودانيين هناك، وقال إنهم محبوبون من قبل أشقائهم الجنوبيين.
وفي ذات السياق دافع الخبير السياسي الجنوب سوداني استيفن لوال، عن الجنوبيين، ونفى عنهم تهمة استهداف التجار الشماليين وقال لـ(الصيحة) إن التجار السودانيين بمختلف إثنياتهم محبوبون من قبل الشعب الجنوبي ويحظون باحترام وحب أخوي صادق وأن الحرائق التي طالت متاجر بعض التجار الشماليين في أسواق الملكية وكونج كونج في جوبا وغيرها من المدن لم تكن بفعل فاعل بناء على تقارير الشرطة التي كنت لصيقًا بها آنذاك واطلعت عليها إضافة الى أن قضية التجار الشماليين الذين تم نزع متاجرهم قد تمت متابعتها من قبل السفير مطرف صديق الذي كان سفيراً للسودان بدولة جنوب السودان آنذاك والذي صرح بأن نزع المتاجر جاء بسبب رغبة الحكومة في تطوير الأسواق بالعاصمة وأنه سيتم تعويض التجار الذين تم نزع متاجرهم وأضاف أن التجار الذين تم استهدافهم وبخاصة الذين ينتمون إلى ولايات دارفور كانوا موجودين في الولايات التي يسيطر عليها التمرد وقد وثقت التقارير الدولية والأممية لحالات استهداف قام بها التمرد بحق التجار السودانيين والمواطنين السودانيين في المناطق التي يسيطرون عليها.
ولكن هذه الفرضية لا تروق للقيادي الجنوب سوداني الدكتور ديفيد ديشان، معتبرًا أن هذا الاتهام غير صحيح، قائلاً إن الحكومة هي من تستهدف التجار الشماليين بحجة دعم المتمردين وإمدادهم بالبضائع.

الصيحة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *