زواج سوداناس

الذكري الـ (34) لرحيل الشريف حسين الهندي ..



شارك الموضوع :

في مثل هذا اليوم «9» يناير من عام 1982م، رحل عن الدنيا المناضل الجسور الشريف حسين يوسف الهندي، بعدما ادى حجته السابعة التي كانت حجة الوداع بالنسبة له، ومن ثم مكث في مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم، واحتفل بالمولد النبوي الشريف في رحاب المدينة مع رفاقه واحبابه، يتلو من الذاكرة فصولاً من (المولد). وبعد ذلك شدّ الرحال الى أوربا ليواصل رحلة الكفاح والنضال، وحطت به الطائرة حاضرة اليونان (أثينا) حيث كان الحزب الاتحادي الديمقراطي يعقد أكبر ملتقى للاتحاديين ــ ضم شملهم قيادة وقاعدة وشباباً وطلاباً، وكان من المقرر ان يخاطب الشهيد البطل الشريف حسين هذا المؤتمر في جلسته الختامية، ولكن إرادة الله في تلك الليلة ارادت ان يكون بجواره مع الصديقين والصالحين والشهداء، وصعدت روحه الطاهرة الى بارئها من جسده المسجى على أريكة داخل الغرفة (222) إحدى غرف فندق الملك مينوس بمدينة أثينا.
ولد الشريف حسين الشريف يوسف الهندي في شهر اكتوبر من عام 1924م، ولنا ان نتأمل صرخة الميلاد مع هذا التاريخ العظيم اكتوبر 1924م في حياة الأمة السودانية، حيث جاءت ثورة اكتوبر بعد ميلاده بنحو اربعين سنة ــ وفي سنة ميلاده اندلعت ثورة التحرير (اللواء الأبيض) مع ميلاد البطل المغوار. ولد الشريف ونشأ وترعرع بضاحية بري احدى ضواحي مدينة الخرطوم، والتحق بالخلوة، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم ذهب مع خاله محمد خير الى مدينة ود مدني والتحق بالمدرسة الاولية، ونسبة لنبوغه وتفوقه أُلحق مباشرة بالصف الرابع ومن بعد امتحن الى المرحلة الوسطى، والتحق بمدرسة الأميرية من عام 1935م، وقبل ان يكمل المرحلة الوسطى رحل الشريف حسين الى مصر وتلقى دراسته الثانوية بكلية فكتوريا بالاسكندرية.
عرف الشريف حسين منذ طفولته الباكرة بالتفوق وحدة الذكاء وسرعة الحفظ، وكان دائب الحركة.. جم النشاط، يحب العمل ويكره الخمول، وكان إنساناً ودوداً دمث الأخلاق، يألف ويؤلف، وهو صوفي بطبعه.. لم يستمتع في حياته بطعام أو نوم، وكان يأكل قليلاً ويكتفى أحياناً بوجبة واحدة في اليوم أو اليومين.
لقد كان إيمان الشريف حسين الهندي بالمؤسسة الديمقراطية إيماناً مطلقاً ليس فيه مزايدة او مساومة او جدل او نقاش.. كما انه كان يؤمن بأن الديمقراطية هي النهج الوحيد الصالح لتحقيق حكم راشد وعادل للمجتمع، ولقد كان حماسه وانتصاره للديمقراطية احدى العلامات المميزة في سيرة حياته، منذ ان نشأ الى ان استشهد صريعاً في ساحة معاركها.
بعد ان قضى الشريف مدة أربع سنوات في كلية فكتوريا، عاد الى لسودان ليزداد احتكاكاً بالعناصر الوطنية خاصة خاله أحمد خير المحامي، الذي كان آنذاك في قلب الحركة الوطنية، ولما برز حزب الاشقاء ولمع اسم المناضل اسماعيل الازهري قائداً له كان الشريف يزداد اقتراباً من المؤسسات السياسية، وشرع يعمل ضمن التيارات الاتحادية، وتمت بينه وبين تلك القيادات صداقات خاصة، مثل المناضل يحيى الفضلي، والشيخ محمد أحمد المرضي، وكان الرئيس اسماعيل الازهري يشد من أزر هذه العلاقة ويمثل نقطة توازنها. واخذت بعد ذلك اتجاهات الشريف السياسية وافكاره الاجتماعية والاقتصادية تزداد عمقاً والتصاقاً بالواقع، ولا عجب اذ بدأ في النصف الثاني من الستينيات يشق خطاً مستقلاً، ضمن إطار الحزب الوطني الاتحادي، ويحرص على اكتساب الوجوه الشابة الجديدة، وتغذية مؤسسات الحزب بأعضاء الجيل الذي ينادي بالتطور، وبلورة المفاهيم ومواكبة العصر وحركات التحرر في العالم، وكان يرى ان التجربة الديمقراطية التي جاءت بها ثورة أكتوبر عقب سقوط نظام الفريق عبود تخللتها الفوضى وسادتها أساليب تكاد تنحرف بها من مسعاها، واتسمت بعدم الاستقرار ووضوح البرامج والرؤية، الأمر الذي اتاح لقوة اخرى النفاذ عبر هذه الاجواء واختراقها للوصول الى السطة، وذلك باسم تحقيق شامل، والغاء صراعات القوة الحزبية، ولذلك دعا للتمسك بالحرية والديمقراطية في ظل توجه وطني قومي صرف، والخروج من حلبة الصراعات والخلافات ذات الطابع الفردي او الطائفي بين قيادات معينة، وطرح آراء الجيل الجديد في عملية تواصل مع كل الأجيال، كما أعطى أهمية كبيرة لمشكلات المزارعين والعمال ومطالبهم، وكان ينادي بإحداث انتقال من الدولة الليبرالية البحتة التي يتجاور فيها القديم التقليدي مع الجديد العصري، الى دولة ارقى ثابتة الأركان تعرف كيف تزاوج بين الديمقراطية الفعلية ووضوح البرامج السليمة، وبين اطلاق المبادرات والحريات الفردية، وتخطط وفق اسلوب علمي للنهوض بالقطاع العام وتشجيع القطاعين «المشترك ــ الخاص».
عمل الشريف حسين بعد ثورة أكتوبر وعودته من مصر في مقدمة صفوف الحزب الوطني الاتحادي بجد واجهاد، واختير وزيراً للري والقوة الكهربائية المائية، ثم بعد فترة وزيراً للمالية، وفي عام 1966م عين الشريف وزيراً للحكومات المحلية، ثم وزيراً للمالية في عام 1967م، وهي الفترة التي جمع فيها الشريف حسين كل خيوط الجهاز الحكومي في يده، وكما قال صديق البادي في كتابه «الشريف حسين»: «منذ عام 1967م كان الشريف حسين هو حاكم السودان الفعلي، لأنه كان يسير وزارة المالية بطريقة مكنته من جمع كل الخيوط بين يديه ليحركها كيف ما شاء ومتى شاء». وقد حير الشريف كبار الموظفين في كيفية تسييره للوزارة وبراعته في حل المعضلات وفك الاختناقات، حتى قال عنه روبرت ماكنمار رئيس البنك الدولي: «خلال عملي لمدة ثمانية اعوام في البنك الدولي، لم يستوقفني ويدهشني محافظ من محافظي البنك، مثلما استوقفني وادهشني شريف السودان في نقده لسياسات البنك الدولي» في اشارة للشريف الهندي.
اهتم الشريف بالزراعة في السودان اهتماماً كبيراً لإيمانه القاطع بأن في القطاع الزراعي يكمن اقتصاد السودان، لذلك وهو وزير المالية كان يتفقد بنفسه مشروعات الإصلاح الزراعي بالنيل الازرق وسنار، ويصدر القرارات وينفذها فوراً، كما وجه جل اهتمامه الى مشروع الجزيرة الذي كان يرى فيه مركز الثقل في اقتصاديات البلاد، وهو الذي استقدم لجنة «مستر رست» من البنك الدولي لتعمير وتحديث مشروع الجزيرة وامتداد المناقل. ومن المشروعات الطموحة التي خطط لها الشريف وجهز لها ونفذت فيما بعد، مشروع كوبري حنتوب، مشروع الرهد الزراعي، مصنع سكر كنانة، مصنع سكر عسلاية، طريق ود مدني ــ سنار ــ الدمازين، كوبري سنجة. وفي مجال الإصلاح الإداري ارتبط تنفيذ مشروع العطالة او بند الإدارة العمومية باسمه، وعرف ببند الشريف الهندي.
على الصعيد العربي والإفريقي يحسب للشريف مشاركته الفاعلة وجهوده المضنية في إنجاح مؤتمر القمة العربية المشهور بمؤتمر «لاءات الخرطوم» عام 1967م، وكذلك جولاته وصولاته في دول إفريقيا، والمشاركة الفعلية في تحرير كثير من الدول الإفريقية.
بعد انقلاب 1969م تولى الشريف تنظيم وقيادة حركة المعارضة السودانية في احرج الظروف، ووحد كل الشعب السوداني على مختلف طبقاته واحزابه، واعلن عن ميلاد الجبهة الوطنية، واتفق مع الشهيد الإمام الهادي عن حزب الامة، والشهيد محمد صالح عمر والشيخ الكاروري عن الإخوان المسلمين، ولم يكن الظن وقتها ان ثمن دماء الشهداء من بعض رفاقهم فيض اموال من بنوك نميري، ولم يرد بخلد الشريف وقتها أنه سيأتي يوم تكون فيه الجبهة الوطنية مطية يركبها انتهازيون ليصلوا بها الى سلطة نميري، ولم يهادن الشريف النظام المايوي حتى وافته المنية.
وختاما ان تراث نضال الشريف حسين الهندي امانة في اعناق كل الاحرار والشرفاء من بني وطني، وهي دعوة لشبابنا في الحزب الاتحادي الديمقراطي اقول لهم فيها لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون.. ضعوا ايديكم في يد بعضكم وانسوا خلافكم وسدوا الثغرة وكونوا على ما كان عليه حزماً وجرأة وثباتاً واصراراً، فالمسؤولية بأكملها انتقلت اليكم بعده، وابقوا على الراية خفاقة والمشعل عالياً، والصوت كما كان جهيراً، بالحق وعلى حق، في اطار المؤسسية، ولا تكونوا مطية لمطامع ومصالح شخصية تزعزع وحدة الحزب، ولتبق ذكرى الشريف حسين الهندي نبراساً نهتدي به في ظلمات الليالي، ونبني الأوطان ونصنع الأحرار الأبطال فرسان الحرب الطويلة ضد الديكتاتورية واعداء الوطن.. اللهم ارحم الشريف حسين واجعل الجنة مثواه مع النبيين والصديقين والشهداء.. آمين.

أ/ ماهر حسن جودة محمد
الانتباهة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


2 التعليقات

      1. 1
        mowafag abdalla

        زماااان غشيتو اهلنا الكبار يالختمية وشلتو اراضيهم وزرعهم وضرعهم لكن ما كل الطير البيتاكل لحمه …وذكر الكاتب ان ارادة اللة ارادت ان تكون روحة مع الشهد والصدييقين ..انت بتعلم الغيب ولا عندك مفتاح الجنة عشان تجزم انة مع الشهدا والصديقين

        الرد
      2. 2
        حسن علي

        كان هو الحاكم الفعلي بالله هل هذا مدح أم ذم إلا يدل ذلك على انعدام المؤسسية فلا عجب أن كان الفشل في السياسة ومن ثم أصبحت حكاوي النضال وكلها ليس لها سند مشروع كنانة والرد والسوري يا جماعة قولوا الحقيقة نمير هو الذي نفذ وخطط وإنجاز أما الحاوي التي ليس لها سند بالله اتركوا ثانيا ذهب الشريف مناضل وكان كما قال غازي صلاح الدين يستغرب من عدم استجابة الاتحاديين للنضال معه في ليبيا لقد كان جيش الجبهة الوطنية 90% من الأنصار و10% من الأخوان راجعوا مذكرات غازي صلاح الدين إذن من خلال الشريف?

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *