زواج سوداناس

حكايتي مع ماسح الاحذية (سادومبا)



شارك الموضوع :

أسمه (سادومبا) ؛ لا اعرف عنه سوي مقعد تحت مظلة بموقف الشهداء الشهير بامدرمان ؛ لشهور ظللت امر عليه ؛ ارتمي منهك الاطراف مغبر القدم والحذاء ؛ يجلس هو عند زاوية المكان الذي تتراص فيه مقاعد خصصت لماسحي الاحذية ومن يتعهدونها بالرتق واعادة التأهيل لتحمل احدهم او احداهن ؛ أجلس اليه وعادة لا يتحدث ؛ يجري حوار بلهجة رطانة اظنها لاحد قبائل دارفور مع العاملين بالمكان ؛ بدأ من سنه – حسب تقديري- في الاربعينيات ؛ لكن بجسم (صبي) اصلع براس كامل الاستدارة جري عليه الموس فجعله لامعا بغير زيت ! أخذ حذائي قلبه يمنه ويسره ومسحه باعين خبيرة ؛ جر فوطة خشنة الاهداب فازال غبار المسير ؛ فتح علب تراصت امامه وانكب يرشق هنا ويصب هناك ؛ جري بفرشاة علي المزيج المسال علي اسطح الحذائين فبدت ملامح العافية تلوح علي حذائ الصيني الردئ الصنعة ؛ كلما استضاء لمعان السواد تهلل وجهه ؛ اخرج سيجارة اشعلها بعود ثقاب رماه مشتعلا فلحقه وطء زبون جلس الي جواري يطلب خدمة لسد ثغر في حذائه ؛ كان رجلا علاه الشيب والهموم من خلال تمدده بصره بذهول متابعا حركة العابرين ؛ حتي انه تجاهل مرتين الحاح الصبي بشأن مطلوب الصيانة وهل هو بالخيط (دائر ما يدور) ام رتقا لفتق الحذاء ! اجاب وهو يرص عملات معدنية علي راحه يده بكم اجاب الصبي ثلاث جنيهات ؛ اجري عملية حسابية عجلي فهب واقفا ؛ يبدو ان اثر ترك الامر يحس الصبي بالحرج فيستدرك خلاص يا حاج نصلحو ليك ولمن امورك تتهيأ تعال واحضر ما عليك انا سبيل قال الفتي معرفا باسمه ولم ينتظر اجابة فانهمك في الرتق ..دائر ما يدور ! كان (سادومبا) يتابع النقاش بفضول واشفاق مستحسنا فعل الصبي فخاطبه بقول لم افهمه من لهجتهم القروية لكن جرس الكلام كان يحمل اشادة قياسا علي ابتسامة عريضة شدت فك الفتي راسيا ؛ كنت اثناء ذلك قد وضعت قدماي علي (سفنجة) تمنح للزبون ؛ تقيه اثار الغبار وعمار سوائل الورنيش علي جولات الخيش التي مدت تحت اقدامنا مثل بساط ملوكي ؛ لحظت وانتبهت وانا اتصدع من الغيظ ؛ كنت قد ارتديت (فردة) جورب بلون اقرب للسواد فيما كان الاخر ازرق داكن برز فيه ثقب قرب الكعب ! احسست اني احمق ومتعجل بقدر لم افرز فيه الالوان ! ثم انصب همي علي اخفاء عورة كعبي ؛ صرت اخلط القدمين وانا اجرهما تحت المقعد ولكن هيهات كان (سادومبا) قد لاحظ اضطرابي لكنه تجمل بسلوك رصين مفاده التجاهل ؛ قر عزمي حينها علي ان اشغله بالانس والثرثره ؛ كان قد جلا لون حذائي بدربة جعلته لامعا صقيلا مثل مراة قلت له كيف العمل والحياة معك يا سادومبا هل هذا اسمك ؟ أجاب الحمد لله واضاف (بنجازف) ! حينها لحظت للوهلة الاولي انه يضع علي متكأ خلفه ملصقات من صحف رياضية كلها زرقاء هلالية غالبها تحوي حوارات وصورا لمحترف الهلال السابق الزيمبابوي سادومبا ؛ كانت الصور نسخة حية من الرجل الجالس امامي كان يشبهه كتؤام ! ادركت سر التسمية ؛ قلت له انت هلالابي ؛ تحمس للمرة الاولي للحديث ؛ واقسم انه يحب الهلال حد الموت ؛ ثرثر وتوعد وتعهد واجزل الحديث خاصة بعد ما عرف اني مريخابي ؛ قال وهو يضحك كاشفا عن اسنان ناصعة البياض مكتملة انه ان كان يعلم اني مريخي لما استلم خدمتي ؛ ثم اعتذر بلطف بانه يمزح ؛ كان يعمل لكنه في الوقت نفسه يقرع بين الفينة والاخري صبيا بالجوار تاخر في الحضور ويلوم اخر لانه لم يرسل لاخيه (مصاريف) ويحذر ثالث من التسكع والتلكؤ في مواقيت العمل ؛ بدا لي (عمدة) في المكان ؛ كان قد انتهي وسلمني حذائي وجيها يضج بالحيوية ؛ دسست فيه قدماي كامانة تحفظ في حرز امين ؛ اخرجت قيمة الخدمة وانا انهض شاكرا ؛ عبرت من المكان مزهوا كان حذائي قد صار وفد مقدمة لمسيري .. فسرت مزهوا !!

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


2 التعليقات

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *