زواج سوداناس

د. عارف عوض الركابي : القاسم المشترك بين (الشيوعيين) و(الفكر الجمهوري)


شارك الموضوع :

في شهر يناير من كل عام يحتفل من «بقيَ» من أتباع «الفكر الجمهوري» بذكرى قتل زعيم فكرتهم محمود محمد طه، ومما يلفت الانتباه اهتمام كثير من «الليبراليين والشيوعيين والعلمانيين» بهذه المناسبة، وتمجيدهم لمحمود محمد طه صاحب الدعوى الكاذبة: «الرسالة الثانية»، بل رأيتهم في بعض مواقع الإنترنت أكثر عناية بهذا الحدث، وأشد حرصاً على إظهاره، من الجمهوريين أنفسهم، رغم اندثار الفكر وأفوله ونفرة الناس عنه وإدراك الكثيرين لحقيقته التي تناقض الإسلام. قد يستغرب كثيرون لهذه الصلة «الحميمة» بين هذين الفكرين، خاصة والجميع يعلم أن محموداً ادعى أن دعوته إسلامية!!! وأنها استهدفت أناساً يريدون الانتصار للدين الإسلامي فيما أظهروا!!! وارتبطت في بعض أفكارها انطلاقاً من نصوص من القرآن الكريم حسب فهم صاحبها ومؤسسها.
ومن ينظر في حقيقة دعوة محمود محمد طه ونتائجها وثمرتها ينجلي له سبب هذه الصلة وهي الارتباط بين الفكر الجمهوري والشيوعية والليبرالية والعلمانية بل سيجد أن الأمر طبيعي ولا غرابة فيه!! كيف ذلك؟!
إن الشيوعية تريد: التحرر من الدين، وعدم التقيد به، وعدم الالتزام بالشريعة، وهذا بعينه نجده في حقيقة فكرة محمود محمد طه، الذي ادعى أن المخلوق يصل بأمور معينة لأن يكون «أصيلاً» ومن ثم يخاطبه الله تعالى مباشرة!! وتسقط عنه بعض التكاليف، ويترتب على ذلك أمور هي ليست من هذه الشريعة، ولذلك فإن موقفه من الصلاة معلوم ومن الزكاة كذلك، وهذه جزئيات مثبتة بأدلتها في هذه الدعوى «الهالكة». ويرى كثير من الشيوعيين مثلاً أعلى في جرأة محمود محمد طه على التصريح بعدم التقيد بالشريعة من خلال ما طرحه.
فلا غرابة إذاً بما نشاهده من إحياء ذكرى المرتد محمود محمد طه في كل عام من قِبَل الشيوعيين.. طالما اتضح القاسم المشترك بينهم!!! وبهذه المناسبة فإني أضع بين يدي القُراء الكرام جزءاً مما جرى بين محمود محمد طه والدكتور/ محمد أمان بن علي الجامي «المتوفى 1416هـ». وكان مدرساً بالمسجد النبوي الشريف، وأستاذاً بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية لسنوات طويلة. وقد زار السودان سنة 1383هـ تقريباً 1963م، أي قبل اثنين وعشرين عاماً من الحكم بردة محمود محمد طه.
ويحكي لنا قصته مع محمود محمد طه، عبر الرسالة المطبوعة: «المحاضرة الدفاعية عن السنة المحمدية».
وأقتبس منها هذه الجزئيات:
ومما قال في مقدمة الكتاب: «وبعد أن أقمت معهم يومًا واحدًا عزمت على السفر إلى الخرطوم لإجراء اللازم في شأن السفر إلى الحبشة بواسطة السفارة الأثيوبية بالخرطوم حيث كنت على عزم لدخول الحبشة لو أراد الله. وجعلت أسأل عن أمهات المدن فيما بين بورتسودان والخرطوم فوصف لي بعض من سألته مدينة عطبرة ورغَّبني في النزول بها إذ وصفها بطيب المناخ وجمال المنظر وكثرة الورشات حتى إنهم يسمونها عاصمة الحديد، فقطعت تذكرة السفر إليها في طريق الخرطوم، ونزلت بها فعلاً صباح يوم الجمعة، وفور نزولي توجهت إلى أحد الفنادق. وفي طريقي إلى الفندق أوقفني إعلان جذاب وقد كُتب بخط عريض ملون ونصه كالآتي: «دار النشاط الإسلامي» تقدم مساء يوم الجمعة محاضرة للأستاذ محمود محمد طه تحت عنوان: «المستقبل للإسلام» وراعني الإعلان وسررت به كثيرًا».
إلى أن قال: «وأخذوا يحدثونني عن المحاضرة التي قرأت عنوانها وطلبوا إليَّ حضورها وأجبت دعوتهم فحضرتها فإذا بمحاضرة «الحادية» أكثر ما فيها تمويه وتلبيس ولم أملك نفسي عن المشاركة في مناقشتها على الرغم من أني غريب في الدار بل رأيت أن الذمة لا تبرأ إلا بالمناقشة ومحاولة الدفاع حسب الإمكان وقمت بذلك فعلاً بعد أن أذن لي رئيس النادي ولما طالت المناقشة بيني وبين المحاضر اقترح رئيسا النادي إجراء المناظرة إلا أن صاحبنا اعتذر ولم يقبل، وفي آخر المحاضرة أعلنت فما محاضرة دفاعية للرد والتعقيب على بعض النقاط الحساسة التي جاءت في محاضرته وجعلت أسجل في مذكرتي بعض النصوص التي حرَّفها للمناقشة حولها وقبل موعد محاضرتي حضرت له محاضرة أخرى وناقشته كما ناقشه غيري. ولكن بدون جدوى لأنه لا يحاول الرجوع عن فكرته مهما كلفته الحال لأنه ليس من طلاب الحق. ولما أعلنت محاضرتي في الشوارع كالعادة المتبعة بادر بالسفر إلى أم درمان، وعلى الرغم من غيابه قمت بإلقاء المحاضرة وحضرها عدد ضخم ونوقشت كالعادة». ثم قال: «ومن أخطر ما جاء في كلامه – هداه الله – قوله بأن العبد يترقى حتى يسمى بالاسم الفرد «الله» بدعوى أنه يسمو ويعلو روحيًا بالرياضيات الروحية وبالخلوة فيترقى إلى درجة الألوهية والربوبية فيسوغ له آنذاك أن يقول هو «الله» «سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ» وهذه النقطة هي حجر الأساس في دعوته، وهي هدفه الأول والآخر، لأنه يستطيع بمقتضاه أن يسقط عن الناس جميع التكاليف ويصبح الإنسان حرًا مطلقًا لا يخضع للأوامر والنواهي وهذا ما يريده ويدعو إليه وما عدا ذلك من النقاط الكثيرة التي سوف تسمعونها فكل وسائل غير مقصودة إلا أنه سلك في دعوته إلى هذه النقطة مسلك اللف والدوران والعتمية على الناس، وكان يحلق في أجواء بعيدة لا يدركها عوام الناس وفات المسكين «محمودًا» أن الإنسان إذا بلغ تلك المرحلة وسمي «الله» لا يقف عند الحرية المطلقة التي يشهدها «محمود» بسقوط تكاليف الدين فقط، بل يكون معبودًا لأن الله هو المألوه المعبود وبذلك يورط نفسه في أوحال الشرك من حيث لا يشعر».
إلى أن قال: «النقطة الثانية: هي سقوط الصلاة عن خواص العارفين على حد عبارة الملحدين، من يسميهم «محمود» بالعارفين – وهم في الواقع هم الجاهلون – كانوا يتدرجون في هذه المسألة…. إلا أن محمودًا لجرأته ولظنه أن الجو صاف قابل لكل ما يلقى فيه، صرح بالمرحلة النهائية من أول وهلة بدون تدرج فلا يشك طبعًا من في قلبه مسكة من الإيمان ولديه أدنى معرفة أن هذه الطريقة لا صلة لها بهدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم كما يعلم الجميع يصلي بأصحابه في سفره وحضره، صلى بهم بمنى ومزدلفة وعرفة وفيما بين مكة والمدينة ولا يعلم أنه قال ذات يوم لأصحابه. «صلوا أنتم هاهنا. وأنا أصلي بمكة أو المدينة إذا كان خارجهما وهو سيد ولد آدم».
هذه مقتطفات من هذه الرسالة القيمة والتجربة الموثقة عن هذه الفكرة المنقرضة بفضل الله تعالى، ومن يتأمل شأنها وحقيقتها لا يجد غرابة في أن يكون للشيوعيين دور بارز في الاحتفال بذكرى مقتل صاحب هذه الفكرة فالنتيجة والثمرة للفكرين واحدة وإن اختلفت الوسيلة واختلف الهدف!!! ولقائل أن يقول: إن كثيراً من الشيوعيين يصلون ويصومون ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأقول: إذًا لماذا يتبعون الفكر الشيوعي؟! فمبادئ الشيوعية وأصولها الماركسية اللينينية معروفة وترى أن الدين أفيون الشعوب، وإن قالوا نحن شيوعيون في جانب الاقتصاد وسياسة المال وفلسفته فقط فنقول لهم: وقد تبين فشل النظرية الشيوعية في هذا الجانب بجدارة!! بل باتت الدول الغربية الرأسمالية في الفترة الأخيرة خير ملاذ للشيوعيين!! فرفض التدين هو السمة الواضحة في «الفكر الشيوعي»، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره من كره.. وأسأل الله الهداية للجميع.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *