زواج سوداناس

ما وراء عودة الوعي بين الخرطوم وجوبا!!



شارك الموضوع :

تجددت الحرب الكلامية والصراعات بين القطبين (المهدويين) السيد الإمام “الصادق” والسيد “مبارك الفاضل” لإعادة إنتاج الصراع القديم بين السجادة والسياسة حينما (اصطرع) السيد الإمام الراحل “الهادي المهدي” وابن أخيه الشاب “الصادق المهدي” الذي كان يتطلع لقيادة حزب الأمة وفق رؤى حديثة متجددة تخرج حزب الأمة من عباءة الطائفية والقداسة التي كانت تضفى على الإمام “الهادي” حينذاك.. وحصد حزب الأمة ثمرة ذلك الصراع أن (سلم) “عبد الله خليل بك” الأمين العام للحزب السلطة ومفاتيح البلاد إلى (العسكر) في أول انقلاب يستفيد فيه (العسكر) من خلافات وصراعات السياسيين.. وبعد نحو تسعة وأربعين عاماً أي نصف قرن إلا عاماً واحداً، يعود الإمام السيد “الصادق” للعراك مجدداً ويخوض معركته الأخيرة مع ابن أخيه “مبارك الفاضل المهدي” الذي يتطلع لقيادة حزب الأمة وإزاحة الإمام “الصادق” من القيادة تحت غطاء الهيئة الشعبية لتوحيد حزب الأمة.. وخرج “مبارك الفاضل” من صيامه الطويل عن الحديث وابتعاده (التكتيكي) عن الساحة واستغلال الفرصة التاريخية التي واتته اليوم لتوجيه ضربة موجعة للإمام “الصادق المهدي” تعيد حزب الأمة إلى الساحة السياسية بعد أن (غاب) بغياب الإمام في رحلته الحالية وأصبحت الأمين العام للحزب تعلن جهراً على صفحات (المجهر) عن نوع جديد من النضال لم نسمع به من قبل، وهي تعتزم إسقاط النظام من خلال انتفاضة يكون حزب الأمة قائدها وحادي ركبها، وحينما سألها الزميل “عقيل ناعم” وهو صحافي حاذق: هل ستخرج جموع الأنصار للشارع لإسقاط النظام؟ قالت (الأميرة) “سارة”: لا.. سيبقى الناس في بيوتهم حتى تسقط الحكومة.. طبعاً إذا لم يخرج الناس من بيوتهم لمدة ثلاثة أيام وأضربوا عن شراء الخبز وركوب المواصلات، فالحكومة حتماً (سيرق) قلبها وتتمزق أحشاءها من الداخل لأنها حكومة (حنينة) ولن ترضى برؤية الشارع خالياً من حبيبها الشعب وتقبل على التنحي عن السلطة.. إذا كان الأمر ليس كذلك فلتحدثنا (الأميرة) “سارة” كيف تسقط الحكومة بنضال البقاء في (البيوت) وقد أغرى مثل هذا (التفكير) السيد “مبارك الفاضل” ليعود مجدداً لعراك الإمام “الصادق” بعد تصحيح خطأ الانشقاق السابق وتأسيس حزب الأمة للإصلاح والتجديد الذي خرج قوياً من عباءة الحزب (فتمزق) شمله ما بين طموحات “بابكر نهار” ومغامرات “مسار” وتربص آخرين.. ومنذ إعلان عودة “مبارك” لحزب الأمة ومعه رهط من القيادات الشابة توجس الإمام “الصادق” من تلك العودة.. واستشعر خطورة الأوضاع.. وأغلق أبواب دخول “مبارك” لهياكل الحزب وأماناته خوفاً على مقعده ومخطط (توريث) الأبناء مقاعد الآباء.. ونأي “مبارك الفاضل” بنفسه عن الصراع في السنوات الماضية وظل منتظراً اللحظة التاريخية التي تلوح في الأفق (للإجهاز) على الإمام حتى غادر الأخير الخرطوم غاضباً وهو يستعيد خطى مشاها من قبل ودرباً سلكه سنوات وهو معارض في المنافي القريبة والبعيدة، ولم يحصد الإمام “الصادق” من تجربة المنافي إلا تمزق الحزب داخلياً وانفضاض الجماهير من حوله لتبدد الأيام شعار (الصادق أمل الأمة) ويصبح (الصادق فجيعة الأمة).
عاد “مبارك” أخيراً بعد سنوات من الغياب واستغل غياب “الصادق” لزعزعة القواعد وحملها على الانفضاض من حول الحرس القديم.. وتعبئتها لعقد مؤتمر عام للحزب ينتخب أجندة جديدة، ورئيساً جديداً.. لكن “مبارك الفاضل” الذي نجح الأسبوع الماضي في استقطاب قيادة حزب الأمة بولاية جنوب كردفان التي تعدّ من المناطق مرتفعة الحرارة.. وبفضل “حسين قمر حسين رحمة” الأمين العام لحزب الأمة و”عبد الجليل الباشا” اتكأ “مبارك” على قيادات صلدة لها مواقف في مسارات المعارضة.. وأخذ الزحف على النيل الأبيض وشمال كردفان والخرطوم لمحاصرة “الصادق المهدي” بالولايات التي تشعر بغياب الحزب عن الساحة وسوء تقديراته وضمور نشاطه، و”مبارك الفاضل” أخذ يعيد تجربة محاصرة الشيخ “حسن الترابي” للرئيس “البشير” قبل قرارات الرابع من رمضان، حينما نجح في تعبئة قواعد الإسلاميين في الولايات لهد القصر فوق رؤوس ساكنيه، إلا أن “البشير” حينما شعر بالمياه تتسرب من تحته وجد الجنرال “بكري حسن صالح” و”عبد الرحيم محمد حسين” وشيوخاً مخلصين “أحمد إبراهيم الطاهر” و”إبراهيم أحمد عمر” و”صلاح قوش” والمعلم “علي عثمان” فأجهض “البشير” مخطط “الترابي” بوضع الدبابات في قبة البرلمان وإعلان الطوارئ وتحصين السلطة بالقوة المادية.. ولكن أين لـ”الصادق المهدي” برجال يشدون أزره ويحمون عريشته من السقوط، وقد انفض من حوله المخلصون ولم يبق إلا “فضل الله برمة” وابنتيه “مريم” و”رباح” والأستاذة الجامعية “سارة نقد الله” داعية إسقاط النظام من خلال الاعتكاف في البيوت ومقارعة النظام بالصمت؟؟
وفي خضم المعركة التي اشتعلت الآن وبروز تيار المقاومة الذي وصفه “مبارك الفاضل” بالحرس القديم، فإن حزب الأمة بات مشغولاً بقضايا نفسه أكثر من انشغاله بالشأن العام.. وقد أصدرت الأمانة العامة للهيئة الشعبية لتوحيد حزب الأمة بياناً يكشف عن عمق الهوة السحيقة التي تردى إليها الخلاف، ويقول البيان: (عقدت قيادة حزب الأمة القومي المنتهية الصلاحية مؤتمراً صحافياً في السادس من يناير الجاري كالت فيه السباب للهيئة الشعبية ودعت لحشد جماهيري مضاد لمؤتمر وحدة الحزب الذي أعلن عن قيامه في نوفمبر الماضي في ذات الموعد.. بل دعت أجهزة الأمن والشرطة للتدخل لمنع قيام المؤتمر مما أقلق العديد من الأحباب في صفوف الحزب والكيان خوفاً من الفتنة، ولذا رغم هذا الموقف الذي يتنافى مع الديمقراطية والأخلاق السودانية نؤكد لجماهير حزب الأمة والأنصار والشعب السوداني كافة أننا ماضون في تحقيق الأهداف التي من أجلها قامت الهيئة الشعبية لتوحيد الحزب وإعادة بنائه حسب الموجهات التالية:
(1) المصالحة الشاملة التي لا تستثني ولا تقصي أحداً.
(2) توحيد الحزب في أجهزة وفاقية انتقالية تقود العمل في الحزب إلى قيام المؤتمر الثامن.
3. إعادة بناء تنظيم الحزب على أن يبدأ البرنامج مراجعة الوثائق الأساسية كالدستور وهيكلة الحزب التي تنظم عمله).
ومضى البيان يقول: (كما نطمئن الأحباب بأننا سنلتزم ممارسة عملنا الوطني هذا وفق إرث أخلاقي سوداني عريق فلن نستجيب للاستفزاز ولن ننجر للفتنة رداً على قيادات الأجهزة فاقدة الشرعية رغم استنصارهم بجهازي الأمن والشرطة والتدخل لمنع أنشطة الهيئة، وعليه تمت إعادة ترتيب برامج الهيئة الشعبية لتوحيد حزب الأمة وإعادة البناء لتبدأ بعقد مؤتمر صحافي يوم 26 يناير لطرح رؤية قيادات الحزب بجنوب كردفان حول السلام ومواصلة فعاليات البرنامج بزيارة الولايات للتشاور مع قيادات الحزب، على أن يختم البرنامج بعقد مؤتمر توحيد حزب الأمة خلال فبراير القادم ببيت “الإمام المهدي” بأم درمان)، والإشارة الأخيرة تعني أن رمزية بيت الإمام “المهدي” تعني دخول كيان الأنصار أيضاً طرفاً في الصراع الحالي، خاصة وقد أعلن نجل الإمام “أحمد المهدي” عن خروجه للعلن ووقوفه إلى جانب “مبارك” الذي استطاع فعلاً زعزعة استقرار حزب الأمة مما قد يعجل بعودة الإمام “الصادق” لا من أجل الحوار ودعوة “البشير” لكن لإنقاذ ما تبقى من حزبه حتى لا يعود ويجد (الفريق قد أصبح خلا) وجلس “مبارك” على قيادة الحزب وأزاح “الصادق” لرصيف المراقبة، والجلوس على كرسي من قماش عند الأمسيات في (جناين) السقاي.
{ عودة الوعي للجار القريب
فاجأ الجنرال “سلفا كير ميارديت” المراقبين بإعلان موقف جديد أمر فيه قواته بالانسحاب من الحدود المشتركة مع السودان مسافة (5) أميال جنوباً، في خطوة ما كانت متوقعة أصلاً بعد إعلان وزير المالية السوداني رفضه لتعديل الاتفاقية الخاصة بتقاسم عائدات النفط التي يستفيد السودان من نحو (14) دولاراً عن كل برميل يعبر أراضيه لميناء التصدير في بورتسودان، وبعد انخفاض أسعار البترول أو انهيارها عالمياً ووصول سعر البرميل لـ(25) دولاراً فقط وجد جنوب السودان نفسه خاسراً بتصدير بتروله الذي يذهب عائده للشركات الأجنبية والدولة التي تستأجر له أنابيب البترول وميناء التصدير.. وحينما رشحت أزمة النفط العلاقة (المأزومة) أصلاً لمزيد من التعقيدات و(الفتور) بسبب مواقف الموظفين هنا في الخرطوم حيث رفضوا تعديل نسب الرسوم وهدد الموظفون في جوبا بوقف ضخ البترول، كان الرئيس “البشير” أعمق رؤية من وزير ماليته وأكثر إدراكاً لمغزى أن يتبادل السودانيون من (الوطنين) المنافع، فأصدر توجيهات بقبول التنازل عن الرسوم الحالية وأمر بمراجعة الملف بما يحقق مصالح الدولتين والشعبين، وجاءت تحية “سلفا كير” لقائده السابق في سلاح المظلات بأن أمر قواته بالابتعاد عن الحدود وإعلان رغبة جوبا في التطبيع الكامل مع الخرطوم وإعادة إحياء اللجان المشتركة التي تم تشكيلها بعد الانفصال، وجاء في بيان “سلفا كير”: (لديّ قناعة أن أخي الرئيس السوداني “عمر البشير” سيستجيب لرسالتي الهادفة إلى التطبيع من أجل تحسين العلاقات المشتركة، وأنا أثق أنه سيقوم أيضاً بفتح الحدود المشتركة مع بلادنا أمام حركة التجارة والمواصلات من أجل شعب البلدين).. لقد عاد الوعي إلى القيادة في الدولتين كما يقول “توفيق الحكيم”.. وبدأت ملامح مرحلة جديدة من العلاقات بين الخرطوم وجوبا بعد سنوات من القطيعة غير المبررة، وتوهم جوبا أنها تستطيع إسقاط الحكومة في الشمال وتنصيب قيادات قطاع الشمال حكاماً على السودان حتى تستطيع جوبا أن تقرر مصير دولة الشمال، وتصبح الخرطوم تابعاً ذليلاً يجري خلف جوبا.. وفي ذات الوقت كان هناك من يعتقد أن “سلفا كير” سيسقط إذا أمسك السودان ببلعوم الجنوب الاقتصادي وحرمه من التنفس الطبيعي، وظلت الحدود بين البلدين (مغلقة) تماماً بذريعة أن هناك خلافاً حول ترسيم الحدود مع أن (80%) من الحدود قد اتفق عليها وتبقت الـ(20%)، لكن طغيان النظرة العسكرية على الرؤية السياسية قد (أعمى) البلدين عن رؤية حقائق الجغرافيا مجردة.. أرض مشتركة، وشعب واحد واقتصاد من الصعب (فصله)، ونيل يجري من الجنوب إلى شمال، وبترول يطعم الجنوب والشمال بالغذاء.. وقد كان السفير د. “مطرف صديق النميري” من دعاة تطبيع العلاقات بين البلدين، لكن حينما تصبح الدولة (أسيرة) لشعارات العامة المأخوذين بجهلهم وتسيطر على النخب والقيادات المرارة الشخصية تعمى البصائر والقلوب.
إن جنوب السودان دولة (مغلقة) في وسط القارة الأفريقية بعد انفصالها أو استقلالها.. أشاحت بوجهها عن الشمال، وانكفأت على جيرانها من كينيا ويوغندا وإثيوبيا الذين جعلوا الجنوب سوقاً وحديقة خلفية، ولم يرث الجنوب إلا الحرب التي طحنت الشعب طحناً، والاستغلال السيئ جداً للعلاقات التجارية بفرض الشروط المجحفة عليه، ولم يرق للشعب في الجنوب العيش والصلاح في كمبالا ونيروبي.. وتوالت هجرة المثقفين والطلاب والتجار إلى الدولة الأم، وقد أحسن الرئيس “عمر البشير” حينما رفض اعتبار الجنوبيين لاجئين يشرف على غذائهم المجتمع الدولي ويصبح الجنوبي حاملاً لبطاقة اللجوء الإنساني، وغير مسموح له بالعمل في سوق المقاولات ولا زراعة الفول في كردفان وحصاد القصب في كنانة.. لذلك عاد الوعي للقيادة الجنوبية وهي تدرك أن “ياسر عرمان” و”مالك عقار” لا يمكن الرهان عليهما، وأن جوبا قد أعياها الصرف المالي على قوات قطاع الشمال وحينما دخلت الخرطوم بثقلها ضمن دول الوساطة لإصلاح ما أفسدته السياسة بين “سلفاكير” و”مشار” وجدت رؤية الخرطوم القبول من الطرفين المتنازعين، ولعب الجنرال “الدابي” دوراً مهماً في اتفاق أديس أبابا.
أما الخرطوم، فقد كان لانتقال ملف الجنوب من القصر إلى وزارة الخارجية الأثر المباشر في الوصول لنقاط التلاقي بين البلدين.. وقد ظل ملف الجنوب ضمن (الملفات الخاصة) في القصر، كان يشرف عليه “إدريس محمد عبد القادر” قبل أن يبعد في التشكيل الوزاري الأخير ويعود لمدينة كسلا مزارعاً للبصل والثوم والطماطم والعجور.. ويتم وضع الملف تحت أو فوق طاولة الوزير “الرشيد هارون” وزير الدولة بالقصر.. لكن بعد تعيين البروفيسور “غندور” الذي يعدّ من الوزراء الواقعيين جداً وله علاقات متجذرة جداً مع الجنوبيين بسبب وجوده لسنوات طويلة في ملفات لها علاقة بالجنوب، ولأن وزارة الخارجية نفسها مؤسسة لها خبرات عملية طويلة لا يمكن مقارنتها بخبرة “الرشيد هارون” الذي صعد مسرعاً للقصر ضمن الشباب الذين اختارهم الرئيس لتولي القيادة في السنوات القادمة، ومثلت زيارة وزير الخارجية الجنوبي الأخير (علامة فارقة) في علاقات البلدين بعودة الصفاء وتجاوز أسباب التوترات السابقة، وللخرطوم مصلحة حقيقية في علاقات جيدة مع جوبا بحسبان أنها مستفيدة من السوق الجنوبي.. ومستفيدة من التجارة المشتركة ومن فتح الحدود والمعابر لإنعاش التجارة وجعل المصانع المتعطلة في الشمال تعمل بطاقتها القصوى من أجل توفير احتياجات الجنوبيين من المشروبات الغازية والصابون والسكر والزيوت والأقمشة وكل الأطعمة.. لذلك يمثل التطور الأخير في العلاقات بين البلدين خطوة نحو المصالحة والصفاء.

المجهر السياسي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *