زواج سوداناس

د. أمين حسن عمر: لماذا لا نصالح اسرائيل



شارك الموضوع :

لماذا لا نصالح اسرائيل ( 1 )
د. أمين حسن عمر

الفسحة التي أتاحها الحوار الوطني بلا سقوف، أخرجت للعلن ولأول مرة أصواتاً عالية وإن تكن محدودة تتحدث عن تطبيع ضرورى مع اسرائيل لاصلاح علاقات السودان مع الأمم المتنفذة في أمريكا وأوربا . ولقد سمِعت الساحة السودانية من قبل أصواتاً خجولة تدعو لذات الأمر ولكن مظلة الحوار الوطني أتاحت هذه المرة غطاءً كافياً لبروز مثل هذه الأصوات، بل والزعم أن هذا الإتجاه هو الغالب في أروقة لجنة العلاقات الخارجية في مؤتمر الحوار الوطني وهو زعم لا تصدقه الوقائع والمضابط.

أين تكمن الحكمة؟
تعاظم الضجيج حول مسألة التطبيع مع اسرائيل ووجدت له أصداءً في الصحافة العالمية عندما نقلت احدى الصحف نقلاً يفتقر إلى الدقة قولاً لوزير الخارجية في ندوة عقدت بين خبراء في مركز دراسات المستقبل حول تطور العلاقة مع الولايات المتحدة وفي تلكم الندوة أجاب وزير الخارجية د. إبراهيم غندور عن تساؤل أحد المتداخلين عن علاقة تحسين العلاقة مع أمريكا بمسألة التطبيع مع إسرائيل وكانت إجابة الوزير بأن الموضوع يمكن ان يدرس . وموضع الدرس هو لزومية العلاقة بين تحسين العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومسألة التطبيع مع اسرائيل. ولكن الصحيفة غير المأذونة بالنقل عن الوزير جعلت موضوع الدراسة هو مسألة العلاقة مع اسرائيل وليس قضية إرتباط تحسين العلاقة مع امريكا مع قضية التطبيع مع اسرائيل. هذا النقل الخاطيء الذي تناقلته من بعد وسائل اعلام داخلية وخارجية فتح الأبواب للتكهن بامكانية تغير طبيعة العلاقة بين السودان واسرائيل وتحولها إلى نوع من المهادنة أو المقاربة حسب تطورات الأمور . ثم ما لبث الأمر أن أصبح مثيراً لجدل كثيف داخل وخارج السودان. وظن دعاة ما يسمى بالتطبيع أنهم قد حققوا تقدماً له ما بعده وخرج بعضهم في لبوس الحكماء الذين يقدمون مصلحة السودان على ايدولوجيا العداء الموروث، بيد أن هؤلاء لم يسألوا أنفسهم ما هي حالة الطبيعة في العلاقات السودانية الاسرائيلية التي يريدون للسودان أن يعود إليها مع الدولة العبرية حتى تعود الأمور إلى مجاريها؟ لم يسألوا أنفسهم هذا السؤال لأن طبيعة الأمور في التاريخ والجغرافيا السياسية لا تؤاتي دعواهم أن الحكمة هي هي التقارب مع اسرائيل وليس الحذر والممانعة والمقاومة.
برجماتيون بغير مباديء
وهذه الثلة المحدودة من الاكاديميين من دعاة امتلاك الفهم السديد لاصلاح سياسة السودان الخارجية والذين يرون أن البراجماتية هي السبيل الأوفق لتحصيل مصالح البلاد لن يجدوننا على خلاف كبير مع منهج السياسة الواقعية Real politic ولا فلسفة البرجمانية الهادية إلى ذلكم المنهج. بيد أن أصحاب البرجماتية والمنهج الواقعي الأصلاء لا يرون اعمال هذا المنهج في عُرى كامل عن المباديء . فلا تزال هنالك أوراق توت كثيرة تداري سوأة السعي اللاهث لتحصيل المصالح الوطنية بعضها متعلق بمبادىء الانصاف التي لا تختلف حولها الثقافات الانسانية وبعضها متعلق بحقوق الإنسان وكراهية التمييز العرقي والعنصري . ولذلك فدعاة التطبيع المزعوم عليهم أن يجتهدوا في تدعيم دعواهم هذه بأمور زائدة على مجرد المصلحة الوطنية . وإن كنا لا نسلم لهم بتحقيق المصلحة الوطنية الحقة بالتطبيع مع اسرائيل ولسوف نسوق الحجج لدعوانا هذه سوقاً فيما يلي من مقالات ومداخلات حول مسألة التصالح مع اسرائيل.
ولكي نبدأ بالمتفق عليه فنحن لا نرى أن الحوار الصريح حول العلاقة مع هذه الدولة أو تلكم الأخرى ولو كانت اسرائيل مما يجب ان يصنف في الممنوعات . فالسكوت ليس بنافع وإنما الأمر النافع المجدي هو بناء السياسات التي تعم بها البلوى أو تُجتلب بها المصلحة والمنفعة على بصيرة بعد الحوار الصريح والجدل الذي لا يبدأ ولا يتواصل إلا بالحسنى بين الفرقاء . حوار ليس فيه تبخيس لرأي أحدٍ من الناس ولا تخوين لمذهبه في النظر إلى الأمور . المسألة الثانية التي نتفق عليها هي أن اسرائيل أمر واقع وهي دولة قائمة . وليس أنكار الوقائع الملموسة يجوز أن يُوصف بالحكمة . ولكن التسليم بوجود الشيء لا يُلزم بالتعامل معه على وجه مخصوص . والوجه في هذه الحالة حسب مراد دعاة التطبيع الاعتراف القانوني بوجود غير قانوني . وشتان بين اعتراف يالواقع وبين كون الواقع واقع مشروع بل والذهاب أبعد من ذلك لانشاء علاقة تعاون دبلوماسي وربما أبعد من ذلك مع ذلك الكيان الذي يمتلك كل المقومات التي تتصف بها الدول في عالمنا المعاصربيد أنه يفتقر الى الشرعية القانونية والأخلاقية . والمسألة الثالثة التي يتوجب على جميع فرقاء الرأي الاقرار بها أن تأسيس علاقة أيما علاقة يقتضي حسن النوايا من جميع الأطراف ولن يكون كافياً أن يتحلى أحد طرفي العلاقة بحسن النية وينكفيء الطرف الآخر على فساد الطوية. أما أن تُغمض الاجفان عن الوقائع والحقائق لأن إصلاح ذات البين مع زيد لا يمكن انجازه إلا باسترضاء “عمرو” الذي لا يرضيه إلا ان نكون غير ما نحن عليه فهو وأيم الله مفارقة العقل الرشيد والرأي السديد فراق غير وامق ولا عائد. والمسألة الرابعة التي لا يجب ان لا يُختلف عليها هي أن تأسيس أية علاقة ثنائية دولية يغفل عن رؤية هذه العلاقة في إطار الجغرافيا السياسية الأشمل ووقائع التاريخ وحقائق الواقع لا يمكن نسبته إلى الحكمة والرشد مهما أدعى ذلك المدعون وتنحله المتنحلون.

اسرائل وما هي اسرائيل؟
لا يمكن ان نتحدث عن علاقة تاريخية بين السودان واسرائيل لأن الأخيرة كيان محدث ناشيء ، ولكن يمكننا الحديث عن علاقة بين السودان وشعب بني إسرائيل وبعض دويلاته التي نشأت على فترات متباعدة واندثرت مرة بعد أخرى. ولأن الكيان السياسي لليهود الذي يوصف بالانتساب لديانة ما لم يستمر كما لم تستمر كيانات سياسية نسبت نفسها للمسيحية وللاسلام، كان لابد للحركة الصهيونية من إعادة تأسيسه على مجموعة من التناقضات المستلة من تاريخ بني اسرائيل وأول هذه التناقضات هو قيام حركة لا دينية علمانية بالدعوة لانشاء كيان دولة على أساس ديني . فالصهيونية التي أسسها غلاة العلمانيون غير الدينيين هي التي دعت ولا تزال تدعو إلى دولة يهودية خالصة لليهود دون غيرهم . وهي دعوة لا تنال من الاستنكار ما يضاهي استنكار دعوة بعض غلاة الأسلاميين إلى دولة اسلامية للمسلمين وحدهم لا يكون لسواهم حقوق مساوية فيها لما للمسلمين . وهذه الدعوة ليهودية الدولة تجد المناصرة من الدول المتنفذة تحت عنوانين مختلفة ، أبرزها حل الدولتين الفلسطينية واليهودية . ويجب ملاحظة الفرق بين قبول ان تكون دولة اسرائيل يهودية ورفض ان تُؤسس الدولة الفلسطينية على أساس ديني ولو كان لا يضاهي رؤية اليهود لدولتهم. فحركة حماس وحركة الجهاد لا تدعوان إلى دولة أسلامية مثل دولة تنظيم الدولة الاسلامية تستبعد اليهود والنصارى وتنتقص من حقوقهم على أسس دينية وعنصرية كما تفعل اسرائيل وإنما تدعوان إلى دولة مدنية بمرجعية إسلامية يكون كل أهل الديانات جميعاً فيها سواسية في الحقوق والواجبات.
والتناقض الثاني في تأسيس الدولة العبرية أنها يراد لها ان تكون دولة على غرار الدول الديمقراطية الغربية . ولكنها ديمقراطية على أساس ديني أي أنها ديمقراطية لليهود وحدهم وليس لأحدٍ سواهم ولو كان أجداد أجداده قد ولدوا في هذه الأرض المقدسة. والتناقض الثالث للرؤية الصهيونية هي أنها تريد اسرائيل دولة قطرية ولكنها دولة بغير حدود لتوسعها الأفقي على الأرض وتوسعها الرأسي من حيث السيطرة التامة على محيطها الحيوي والنفوذ الفاعل حتى خارج محيطها الحيوي . فهي دولة مخصوصة لا يُعرف شعبها، لأن كل يهودي في مشارق الأرض ومغاربها هو من شعب تلكم الدولة لا يحول بينه وبين تحقق المواطنة فيها إلا أن يجيء إليها مهاجراً أو حتى زائراً. وأما أرضها فتمتد حسب الاساطير من منابع الفرات في تركيا إلى منابع النيل في أوغندا ومستند ذلك إلى الاساطير التي يراد نقلها من الإضبارات القديمة إلى واقع الحياة المعاش. وأما الأميون الذي يحيون في هذا الأمتداد العريض من أقصى الفرات إلى أقصى منابع النيل فمصيرهم إلى الشتات (الدياسبورا) كفارة عن شتات بني اسرائيل . وما يحدث اليوم لشعب فلسطين هو الحلقة الأولى فيما ينتظر الشعوب القاطنة في أرض الميعاد ، وأما السودان ففي قلب تلكم الأساطير المتكررة في توراتهم وتلمودهم .
وللحديث بقية بأذن الله،،،،

لماذا لا نصالح اسرائيل (2)
د. أمين حسن عمر

اسرائيل دولة مصنوعة :
إسرائيل دولة مصنوعة من أساطير يهودية صادفت عقدة ذنب غربية وتراث اسلاموفوبيا عميق الجذور في المجتمعات الغربية. فالغرب أراد التخلص من عئب الأمم الغربية وعقدتها تجاه اليهود بتجميعهم في موطن واحد لا يهم ان كان هذا الموطن في امريكا الجنوبية أم في أفريقيا أم في آسيا . ولم يكن رجال الدين اليهود براغبين في تحقيق هذه الفكرة الاستعمارية الاستيطانية الغربية . ولا يزال فئام كثير منهم اليوم يعارضون فكرة احتجاز اليهودية في وطن واحد، ولكن الجمعية الصهيونية العالمية التي أسسها غلاة العلمانيين اليهود كانت تبحث عن مركز أنطلاق للقوة اليهودية والنفوذ اليهودي عبر العالم ، وتعاظمت الفكرة بتحول الولايات المتحدة إلى دولة وطنية تمنع الهجرة إليها إلا بمقدار وبخاصة الهجرة اليهودية التي تهدد سيطرة الأنجلو ساكسون على مقاليد الأمور في الدولة المتحدة الناهضة ، ولذلك سقطت فكرة تجميع اليهود في الولايات المتحدة الأمريكية . وبدأ البحث المحموم على أرض يسهل إستيلاء المستوطنين الجدد عليها. وفكرة تجميع اليهود سبقتها فكرة تجميع السود وإرسالهم مرة أخرى إلى أفريقيا إلى أرض يسهل إستيلاء المستوطنون الجدد عليها. فأنشئت دول في الساحل الجنوبي الغربي هى ليبريا أى أرض الحرية وسيراليون وذلك لتقليل عدد السود في امريكا بعد تحريرهم لئلا تؤدي زيادة أعدادهم إلى تغيير وجه أمريكا وسحنتها ووجهتها.
وكان جنوب السودان ويوغندا أو أجزاء منها من أول تلكم الاقتراحات لإنشاء وطن قومى لشعب بلا وطن في وطن بلا شعب أو يكاد أن يكون بلا شعب. وكاد ذلك الاقتراح أن يدخل حيز التنفيذ لولا تطورات جيو سياسية عقيب اسقاط الخلافة العثمانية أغرت أصحاب الفكرة بامكانية تنفيذها في قلب الشرق الأوسط في فلسطين. ولتحقيق هذا الهدف كان لابد ترويج فكرة الدياسبورا التي تقوم على فكرة أن اليهود كانوا شعباً واحداً وأنهم هجروا بالقوة الجبرية وفرض عليهم الشتات . فنشأت أسطورة شعب بلا وطن هو شعب الله المختار الذي يحق له بأمر الهى أن يقود البشرية جمعاء راغبة أم راغمة ، ثم جاءت فكرة الأرض الموعودة بالاعتماد على إشارات غامضة في التوراة والتلمود تتحدث عن أرض الميعاد . وجاء وعد بلفور في العام 1917م ليجعل فكرة الأرض الموعودة ممكنة خاصة بعد إنهيار خلافة بني عثمان وتفجر ما سمي بالثورة العربية التي آذنت بإنشاء الواقع الجوسياسي الراهن . بيد أنه في المنظور الإسرائيلي فأن الجيوسياسية الراهنة هي حالة مؤقتة لأن أرض اسرائيل التوراتية التي تستند إليها الصهيونية تمتد من منابع الفرات إلى منابع النيل، و خارطة هذه الأرض التوراتية هي التي تزين ابهاء المباني الرسمية في اسرائيل وهي التي يجاهر بها الزعماء الإسرائيليون الذين صاروا حكاماً لاسرائيل من بن غوريون إلى نتنياهو فبن غوريون فيما ينقله روجية غارودي لصحيفلا اسرائيلة عقب حرب الايام الستة يقول “أن القضية لا تتعلق بالابقاء على الوضع الراهن بل أنه علينا أن نتجه إلى دولة دينامية تتجه نحو التوسع” . أما موشيه ديان فينقل عنه جارودي فى كتاب الساطير المؤسسة لدولة اسرائيل قوله “إذا كنا نملك التوراة وكنا نعتبر أنفسنا شعب التوراة فأنه يجب علينا ان نملك الأرض التوراتية أرض القضاة والشيوخ والقدس والخليل واريحا وأمكنة أخرى أيضاً” . أما مناحم بيغن فيقول(أن أرض اسرائيل سترد إلى شعب اسرائيل .. الأرض كلها وإلى الأبد ) وأما كيف تخُلى تلكم الأرض المسكونة بالملايين من العرب وغيرهم لتكون وطناً لهم فان الطريقة الأمريكية في امريكا الشمالية والطريقة البريطانية في استراليا والطريقة الاسبانية – البرتغالية في أمريكا الجنوبية والهولندية في جنوب افريقيا هي الطريقة الناجعة المجربة بل هي الوصفة التي يزعمون نسبتها إلى التوراة ( إذا أنت أفنيتم الشعوب تسكنون الأرض. أما إذا لم تبيدهم واستبقيتهم بعضاً فسيكونون أشواكاً في أعينكم ومناخس في جنوبكم ) وأما واجب تطهير الأرض من الأشواك فهو واجب العصابات الصهيونية ثم الجيش الإسرائيلي من بعد. ذلك الجيش الذي يصفه بن غوريون بأنه خير مفسر للتوراة وأنه هو الذي سوف يرسم حدود اسرائيل فحدود دولة اسرائيل هي حدود قدرة جيشها التوراتي في تدمير الدول وافناء الشعوب.

السودان في قلب الأرض التوراتية:
رغم أن موقفنا من هذه القضية لا يستند على محض الوطنية القحة بل أن أبعاده الدينية والإنسانية أوسع وأعمق إلا أن الرد على من يرون دعوتهم بالتطبيع مع اسرائيل مبررة بالحفاظ على المصالح الوطنية أن تصيبها دائرة، هذا الرد يستوجب علينا مراجعة النظرة اليهودية الإسرائيلية للسودان منذ عهد دويلات بني اسرائيل. فالسودان كان ينظر إليه بأنه أرض ذات خصوصية لبني اسرائيل فابراهيم (عليه السلام) تزوج هاجر الكوشية وان كان نسله أسحق ثم يعقوب الملقب باسرائيل قد جاء من سارة العبرانية ، وكذلك تذكر المصادر الاسرائيلية أن موسى (عليه السلام) تزوج امرأة من كوش وأن أخاه هارون وأخته مريم لم يرضيا بذلك الزواج بل ان البعض ذهب إلى القول أن موسى ربما هرب إلى كوش وتزوج منها ولكن الرواية القرآنية صريحة في كونه تزوج من مدين ، وأنه قد خوطب في جبل الطور في سيناء. ولكن المقصد ههنا هو اظهار احتفاء المصادر اليهودية بالسودان الشمالي الذي عُرف في ذلك الوقت بمملكة كوش والتي ذُكرت في التوراة أكثر من أربعة عشر مرة. بل أن بعض اليهود يفسر نصوصاً بالتوراة تنسب أرض الخليقة الأولى إلى أرض كوش حيث توصف الجنة التي خلق فيها آدم وحواء بأنها أرض ذات أربع أنهر أكبرها نهر جيحون وهو نهر النيل يقول النص التوراتي ” واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش. وأرض كوش هي مهد الدعوة التوراتية الأولى التي تأمر التوراة الرسل بالتوجه إليها “خذوا هذه الرسالة وعودوا إلى أرضكم التي تجري خلالها الأنهار” وسفر أشعياء فى التوراة يذكر حملات الملك ترهاقا إلى فلسطين وحربه مع الأشوريين الذين غزوا فلسطين واحتلوا القدس وزحفوا نحو مصر لاحتلالها. وتمضي الأساطير اليهودية المرتبطة بالسودان لتذكر كيف فر اليهود بعد سقوط آخر دويلاتهم بالتابوت إلى كوش وكيف تتبعوا النيل الأزرق إلى بحيرة تانا ثم إلى أكسوم حيث دفنوا التابوت . وبقي بعضهم هنالك حيث تناسلوا بعد اختلاطهم بالسكان وحافظوا على العقيدة التوراتية رغم تحول الحبشة إلى النصرانية وظل اليهود الأحباش الفلاشا يُذكرون بوصفهم بعض نسل بني إسرائيل الذي لم يعد إلى الأرض الموعودة مثلما عاد غيرهم . لذلك فكما جاءوا عبر السودان لابد من العودة عبر ذات الطريق فكانت عملية ترحيل الفلاشا عبر السودان واحدة من محاولات تأكيد الأساطير اليهودية القديمة ذات الصلة بكوش وأكسوم وبلاد الأحباش التي كانت تضم السودان الحالي إلى مشارف الهضبة الأثيوبية في أكسوم.
بيد أن جهود مملكة كوش في الدفاع عن شعوب بني إسرائيل في وجه الغزو الآشوري وصلاتها الطيبة مع أبائهم من إبراهيم إلى موسى وسليمان وإصهارها اليهم وحمايتها لحملة التابوت واستضافتها لهم مرة في كوش وأخرى في أقصى حدودها في أكسوم فان ذلك كله لم يشفع لكوش فيجعلها أرضاً غير ملعونة وشعباً برسم الافناء مثل سائر الشعوب الأممية الأخرى التي تحتل الأرض التوراتية في أرض الأنهار الأربعة في مهبط الإنسانية الأول . فهذه الأرض هي التي وهبها الأله بزعمهم لأبراهام “إبراهيم” ونسله وحدهم ولا أحد سواهم ولا أحد غيرهم.

نواصل ،،،،

لماذا لا نصالح اسرائيل (3)
د. أمين حسن عمر

سؤال من المهم أن تسبق الإجابة عليه الإجابة على السؤال الذي هو عنوان هذه المداخلة، وهذا السؤال هو ماذا تريد إسرائيل من السودان؟ ربما ما الذي تريده اسرائيل بالسودان ، ولعل الإستدراك الأخير هو السؤال الأكثر دقة في المسألة وما تريده إسرائيل بالسودان له علاقة وثيقة بصورة السودان في الأساطير اليهودية القديمة.وقد أشرنا الى بعض ذلك فيما سبق .

الأساطير المؤسسة للصهيونية:
ألمحنا فيما سبق إلى لمحات من تاريخ العلاقة السودانية (مع تفاوت الجغرافيا التي تشير إليها كلمة السودان أو كوش قديماً) مع الممالك العبرانية في الشرق الأوسط . وذكرنا أن جوهر علاقة الشعب التوراتي بالشعوب الأخرى في المنطقة وغيرها هي علاقة الحق الإلهي الذين يزعمون المتمثل في السيادة على الأرض بعد إفناء سكانها أو استضعافهم والهيمنة عليهم ، فبنو إسرائيل كما يزعمون هم شعب الله المختار وأرضهم التوراتية تمتد من النيل إلى الفرات . وشعوب تلكم الأرض بين خياري الإفناء أو الأخصاع. والسودان موقعه في قلب تلكم الأرض التوراتية في كوش التي تقول التوراة أنها مهد البشرية الأول حيث هبط آدم وحواء من جنة السماء إلى جنة الأرض التي تحيط أنهارها الأربعة بما فيها نهر جيحون (النيل) بأرض كوش. ويحق للسائل أن يسأل وللمتحفظ أن يتحفظ فيقول ان تلك الأساطير عفا عليها الزمان . فالعالم اليوم تجاوز عصر الأساطير الى عصر التنوير ثم إلى عصر سيادة المعرفة. بيد أن من يقول ذلك لا يعرف إلا القليل عن علاقة الصهيونية بالأساطير اليهودية التوارتية والتلمودية . وأول ما يجب ان ينُصح به هو قراءة كتاب روجيه جارودي الموسوم بالأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية ، كما عليه ان يقرأ عدداً آخر من الكتب لمؤلفين يهود وغير يهود أمثال سلافوي جيجك ووالترمينلو وغيرهم وقد نشير إلى بعض كتاباتهم في سياق هذه المداخلة . ولمن يريد نصاً معرباً فننصحه بقراءة الكتاب الذي حرره جياني فاتيمو ومايكل ماردر (تفكيك الصهيونية نقد ميتافزيقيا سياسية) والذى قام بتعريبه عادل حسن وهناك كتاب مهم لم يعرب بعد هو كتاب
The Idia of Israel : history of power & knowledge
Ilan Pappe
فكرة إسرائيل : تاريخ قوة ومعرفة – المؤلف ايلان بابي
وبخلاف ما يوحي به عنوان الكتاب فهو نقد عميق للفكرة الصهيونية وتفكيك دقيق لعلاقتها بالأساطير اليهودية القديمة. وقد تبلورت هذه الاتجاهات الناقدة للصهيونية فيما عُرف فى سرائيل بمدرسة المؤرخين الجدد الذين شرعوا في كشف زيف التاريخ الرسمي لدولة إسرائيل وللحركة الصهيونية. وقد تطرق بعض هؤلاء صراحة لخطة أخلاء أرض التوراة المسماة بالترانسفير . ومن هؤلاء بيني موريس الذي كتب كتاباً بعنوان “تصحيح خطأ اليهود والعرب في اسرائيل 1936- 1956″ والكتاب مداخلة نقدية لفكرة التهجير ( الترانسفير) في الايدولوجيا الصهيونية وذلكم من تلقاء هرتزل إلى بن غوريون . وكاتب اسرائيلي آخر هو نجمان بن يهوذا قام بتفكيك أسطورة (قلعة الماسادا )التي تعول عليها الصهيونية في إبراز بطولات المناضلين من أجل مجد إسرائيل ليقتدي بهم رواد الحركة الصهيونية . ولا تزال أسطرة الماسادا تستخدم لحفز العصابات الصهيونية في حربها لإفناء أو تهجير أو أخضاع الاغيار . وقمين بالباحثين العرب ان يجتهدوا في تعريب تلكم النصوص وتعريف القراء العرب بها وبالتيارات الجديدة في الاكاديميا الاسرائيلية وبخاصة تلكم التي تعمل في مجال نقد المقولات التاريخية المؤسسة لفكرة إسرائيل.
ماذا تريد إسرائيل بالسودان:
وعوداً على بدء المقال وللاجابة عن السؤال ماذا تريد إسرائيل بالسودان نطالع بعض ما قاله وما كتبه ساسة اسرائيل فيما يخص السودان. ولعلنا أشرنا فيما سبق إلى أن جنوب السودان وشمال يوغندا كان من المناطق التي إقترحت لإنشاء نواة دولة إسرائيل . والاختيار نفسه يشير إلى أسطورة الأرض التوراتية من منابع النيل إلى منابع الفرات . وكان يُظن إن إقامة دولة يهودية في تلكم المنطقة النائية في أطراف الأرض التوراتية هو أمر يمكن تحقيقه بسهولة . ذلك لقلة السكان وتخلف حياتهم وانقسامهم القبلي من ناحية ومن الناحية الأخرى طمعاً في الموارد الهائلة التي لم توضع عليها الإيادي بعد . وأهم من ذلك كله لوضع اليد على نهر النيل ” نهر جيحون” في الأسطورة التوراتية. فالثروة المائية هي الثروة الأبقى . وهي في ذات الوقت الحبل الذي يمكن أن يخنق به أعداء إسرائيل في كوش ووادي النيل الأسفل. ومن ظن أن أطماع إسرائيل في السيطرة على نهر النيل قد ولت أيامها فهو غافل. فجوهر الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه السودان لصيق العلاقة بالإستراتيجية المائية لإسرائيل . وتفكيك السودان لإنشاء دويلات ضعيفة في جنوبه وشرقه وغربه هدف إستراتيجي لإسرائيل . فدولة ضعيفة في جنوب السودان تمكن للمشروعات النيلية جنوباً ودويلة ضعيفة في شرق السودان مع المسعى لتفكيك أثيوبيا أو تحويلها الى حليف تمكن إسرائيل من تحقيق مشروعاتها النيلية على النيل الأزرق . إن تفكيك الممالك وتهجير الشعوب هي صناعة إسرائيلية عريقة . وهي خطة لا تسأم اسرائيل ولا تيأس أبداً من السعي لتحقيقها . فتدمير الممالك وأفناء الشعوب هدف توراتي يجعل الشتات قدراً للاغيار وفشل إسرائيل في تحقيقه يجعل الشتات قدراً لشعبها المختار. واستراتيجية إسرائيل في تجزئة العالم العربي الذي يمثل غالب أرض التوراة تعتمد على تقريب الأقليات العرقية والأثنية والدينية وتحريضها على من تصنفهم عرباً. فهم الأعداء في كل الأحوال سواء ناصبوها العداء أم اعترفوا بها وسعوا إلى صداقتها . فهم في كل الأحوال أشواك في عين إسرائيل ومناخس في خاصرتها. والسودان كان أكبر الأوطان العربية من حيث المساحة وأهمها من حيث علاقته بالمصادر المائية في النيلين الأزرق والأبيض . وهو فوق ذلك العمق الإستراتيجي لأكثر الأوطان العربية سكانا وأقدرها على مناجزة المشروع الصهيوني . ولذلك فقد بنُيت الإستراتيجية الصهيونية تجاه السودان على الرؤية البريطانية التي جعلت مناطق الأقليات العرقية في جنوب السودان وشرق السودان وغرب السودان مناطق ممنوعة من التفاعل مع بقية القطر من خلال “قانون المناطق المغلقة” . فجنوب السودان كان يمثل الجزء الأكبر من هذه المناطق ومنطقة جبال النوبة حيث تُسعر الحرب هنالك حتى بعد اتفاقية السلام هي المنطقة الثانية والمنطقة الثالثة هي منطقة جنوب النيل الأزرق في شرق البلاد وهي منطقة عمليات عسكرية عدائية ضد السلطة المركزية كما هى أقرب الأنحاء منابع النيل الأزرق ثم منطقة كتم في غرب السودان والتي أنطلق من تلقائها التمرد لأول وهلة في دارفور . هل كانت هذه مصادفة أن ينطلق التمرد في ذات المناطق المغلقة (Closed districts ) الغافل وحده من يظن ذلك . هل كان ذلك الأمر تواطؤاً إستعمارياً من الدولة التي منحت وعد بلفور لمؤسسى الدولة العبرية أم أن إسرائيل ورثت مناطق الهشاشة التي أعدتها السياسة الإستعمارية؟

مهمة الموساد في السودان
طائفة من الناس تحب أن تصدق من الروايات ما يدعوها للطمانينة وفريق من هؤلاء من يريد أن يصدق أن إسرائيل لا تكن عداء للسودان إلا في مقابل العداء الذي تبديه حكوماته تجاه الدولة العبرية . فاذا تغيرت السياسة من هنا تغيرت من هناك . بيد أن هذا الزعم لا تصدقه المصادر الإسرائيلية التي تتحدث عن سياسة اسرائيل تجاه السودان. ومن أحدث الكتب التي تتحدث صراحة عن علاقة الدولة العبرية بالسودان كتاب “مهمة الموساد في جنوب السودان” وهو يكشف صراحة دور الموساد في تمرد جنوب السودان من زمن الانانيا إلى الحركة الشعبية .ومما يدعو للاستغراب كيف سمح الموساد لنشر هذا الكتاب رغم عدم سماح إسرائيل برفع الغطاء عن وثائق تخص العلاقة مع العالم العربي مر عليها أكثر من خمسين سنة . ربما لأن دور الموساد معروف في جنوب السودان ومكشوف . وربما أراد الموساد التباهي بانجازه وانتصاره بعد اختيار الجنوب الانفصال عن الشمال. والكتاب يتباهى بدور ضابط الموساد ديفيد بن عوزنيل في عمليات توجيه وتدريب وتسليح متمرد الانانيا ثم الحركة الشعبية من بعد. ولم يغفل الكتاب الاشارة المهمة إلى كلمة أول سفير لدولة جنوب السودان لدى إسرائيل والتي يقر فيها ويقرر أن دولته ما كانت لتؤسس لولا إسرائيل . والكتاب يشير صراحة أن فصل جنوب السودان يستكمل دائرة الاحاطة بالعالم العربي بدول ليست صديقة للعرب وكلها تقيم علاقات مع اسرائيل . والكتاب يشير إلى أسماء ضباط إسرائيليين آخرين عملوا طويلاً مع حركات التمرد في جنوب السودان وأشهرهم إيلي كوهين . ولعله صاحب كتاب تقسيم السودان الذي يتحلى بخارطة للسودان تقسمه إلى غرب ووسط وشرق وجنوب ويتباهى الكتاب بإن إسرائيل قد أمدت التمرد في جنوب السودان باسلحة وألبسة من غنائم حرب 1967. ويكشف إستراتيجية التعامل مع الأقليات الأثنية بقول ” أن اسرائيل قد استخدمت المقارنة بين إضطهاد الأقليات الأثنية في السودان بما حدث لليهود من إضطهاد عبر التاريخ” . لاشك أن كتاب دور الموساد في جنوب السودان جدير بالتعريب وإعادة النشر في السودان ليذهب الشك عن كل مشكك في إستراتيجية إسرائيل لتدمير السودان .

لماذا لا نصالح اسرائيل (4)
د. أمين حسن عمر

أشرنا فيما سبق إلى إستراتيجية إسرائيل تجاه السودان مستمدة من رؤى توارتيه تجعل تدمير الممالك الكوشيه ثم السودانية من بعد هدف إستراتيجي لا يحاد عنه . وتدمير الممالك يقصد منه انفاذ الدور التاريخي لبني أسرائيل وهو تحقيق تهجير الشعوب الأخرى (الأغيار) من أرض بني إسرائيل الموعودة من منابع النيل إلى منابع الفرات.

ترانسفير الأغيار:
جوهر فكرة التهجير يعود إلى الوصية التوراتية المزعومة “إذا أنتم أفنيتم الشعوب تسكنون الأرض وإذا لم تبيدوهم واستبعتم بعضهم فسيكونون أشواكاً في أعينكم ومنافس في جوانبكم” وسياسة الأفناء والتطهير العرقي والديني هو ما تمارسه إسرائيل على مدى الأيام فعبارة الاستيطان هي المفردة اليومية التي لا تغيب عن الأسماع ولا تختفي مشاهدها عن الأبصار أبداً رغم ما يقال عن حل الدولتين فمصادرة الضفة الغربية وبناء المستوطنات عليها هدف إستراتيجي لا تختلف عليه حكومات إسرائيل ولا شعبها وإن أختلفت السياسات والخطط التفضيلية. ولا زلنا نسمع الأصوات التي توصف بأنها متطرفة وهي لا تنطق إلا بالمسكوت عنه من الآخرين تدعو إلى تهجير جميع العرب قسرياً من كل أرض جاء إليه المستوطنون اليهود من صوب وحدب في العالم. وقد تفاوتت السياسات من استخدام القوة المالية لليهود لشراء الأرض على عهود الإنتداب ومصادرة الأراضي العربية وتمليكها للمهاجرين اليهود إلى شن حرب العصابات للتهجير العرقي للعرب. وعندما قامت دولة الكيان الصهيوني زاوجت بين التشريعات الظالمة وإرهاب جيش العصابات المسمى بجيش الدفاع الإسرائيلي لطرد العرب من أرضهم وجعل الحياة لا تطاق لمن صمم على البقاء منهم ، وعندما نجري حساباً مبسطاً نرى كيف أمتدت أرض التوراة المزعومة من لدن التقسيم عام 1947 في 54% من أرض فلسطين ويملك غالبية هذه الأرض العرب ولا يملك اليهود إلا 7% منها إلى أن شملت أرضهم المزعومة 78% من مساحة فلسطين ولا يزال بعضهم يتحدث عن أرض يهود والسامرة التي يجب أن يهجر منها العرب إلى الأردن بيد أن الأردن نفسه موعود في مرحلة أخرى بأخلاء السكان منه وتهجيرهم فأسرائيل دولة يهودية بلا حدود إلا حدود الوعد الإلهي المزعوم . تنقل نا حدم جولدمان في كتابه (المتناقضة اليهودية) The Jewish Paradox عن ديفيد بن غوريون قوله في تفسير بعض المقاومة والممانعة التي يبديها بعض الرؤساء العرب لأسرائيل “لو كنت رئيساً عربياً لما وقعت اتفاقية مع اسرائيل أبداً أن هذا أمر طبيعي لقد سلبناهم أرضهم وحقيقي أن الرب وعدنا بها ولكن كيف لذلك أن يتبين اهتمامهم فربنا ليس ربهم” ولكن من يسمع من العرب ورؤساءهم وصية ديفيد بن غوريون . ومن ظن أن الترانسفير هو قدر الفلسطينيين وحدهم فهو أمرؤ غافل. والأرض التي لا تشملها عمليات التهجير في المرحلة الراهنة تهييء بالحروب والفتن الداخلية والصراعات الطائفية والأثنية ليجري تفريغها تدريجياً من سكانها وأنظر إن شئت لما يجري في العراق وفي سوريا ولا تصدق إن شئت إن إيادي إسرائيل لا تمتد إلى هناك.

إسرائيل والعراق والشام – تقسيم المقسم :
إن سياسة إسرائيل تجاه الأغيار في أرض التوراة أن لا يقر لها قرار وأن لا ننعم باستقرار وجميع زعمائهم يصرحون ولا يكنون بهذا ولكن المهرولين من زعمائنا ومثقفينا يصمون آذانهم ويستغشون الأيادي فوق العيون حتى لا يسمعوا ولا يبصروا . ولقد شاعت محاضرة وزير الأمن الإسرائيل الأسبق آفي دختر التي تحدث فيها في محاضرة في لندن عن دور إسرائيل في احتلال العراق وكيف أنهم عملوا مع الأقليات الأثنية والدينية لتمزيق العراق وتهيئته للغزو والتفتيت . يقول آفي دختر “إن تحييد العراق عن طريق تكريس أوضاعه الحالية ليس بأقل أهمية من إدامة وتكريس تحييد مصر ، تحييد مصر تم بوسائل دبلوماسية لكن تحييد العراق يتطلب إستخدام كل الوسائل المتاحة وغير المتاحة حتى يكون التحييد شاملاً وكاملاً ” وعلى هذه الخلفية إن شئت فأقرأ الانفصال الواقعى الكردي والحرب الطائفية بين الشيعة والسنة وظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق ثم في الشام . والهدف كما يقول آفي دختر “إن العراق تلاشي بصفته قوة عسكرية وبلد متحد وخيارنا الإستراتيجي بقاؤه مقسماً ” . ويقول أيضاً وما يزال هدفنا الإستراتيجي هو عدم السماح لهذا البلد ان يعود إلى ممارسة دور عربي اقليمي وان تحليلنا وخيارنا هو ان يبقى العراق مجزأ أو منقسماً معزولاً داخلياً بعيداً عن البيئة الاقليمية .
أن ما جرى في العراق هو الذي يتكرر بذات تفاصيله في الشام فالتفتيت على أساس عرقي يجري التمهيد له بأقامة دويلة كردية تؤسسها ما تسمى بقوات حماية الشعب الكردي . تلكم القوات التي أنشأها الحزب الذي تعتبره أمريكا وتركيا حزباً إرهابياً ولكن أمريكا رغم هذا التصنيف ظلت تمد تلك القوات وحزبها الذي أنشأته ( سوريا الديمقراطية) بالسلاح المتطور الذي يمكنها من طرد الوطنيين السوريين من أقوى معاقلهم في ريف اللاذقية وحلب وإدلب. وتستخدم الفتن الطائفية لإنشاء دويلة علوية في اللاذقية وريفها وما جاور ذلكم الريف . وتصطنع الفتن الطائفية بين المسلمين والمسيحيين بدواعي الخروج على النظام أو الوقوف معه لا فرق . وإما تنظيم الدولة الإسلامية في العراق فيتحول إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ولا تسمعه ينبس بهمسة واحدة ضد إسرائيل فأسنة رماحه وألسنته ممتدة نحو السوريين الوطنيين الذين كانوا يقاتلون من أجل حرية سوريا والآن يقاتلون من أجل بقائها وبقاء شعبهم فوق أرضها بعد أن أفلحت مؤامرة الترانسفير أن تمتد إليهم مرة بأيدي النظام العلوي ومرة أخرى بايدي ما يسمى بوحدات حماية الشعب الكردي لطردهم من بلادهم ويتفرق شتاتهم فى كل الأفاق. والدور الإسرائيلي في سوريا لم يفصح عنه بقدرما حدث في العراق يقول أوري لوبراني سفير إسرائيل الأسبق في ايران وتركيا واثيوبيا ويوغندا “لاحظ كيف نحرك في الدول التي تطوق العالم العربي” كاشفا دور اسرائيل فيما يجرى بالعراق : (إذا رصدنا الأوضاع في العراق بعد العام 2003م نجد أنفسنا أمام أكثر من مشهد فالعراق في الواقع منقسم إلى ثلاث كيانات رغم وجود حكومة مركزية وهو لا يزال عرضة لإندلاع جولات جديدة من الحروب والاقتتال الداخلي بين الشيعة والسنة وبين العرب والأكراد ونحن لم نكن بعيدين عن هذه التطورات منذ 2003 ” .
ويقول لوبراني “نحن نستخدم كل الوسائل غير المرئية على الصعيدين الأمني والسياسي ونريد ان نخلق ضمانات وكوابح ليس في شمال العراق فحسب بل في العاصمة بغداد” وما فعلته وتفعله إسرائيل في العراق تفعله وستفعله في الشام بذات الوسائل والطرائق المرئية وغير المرئية . يقول عوزى رابى رئيس مركز موشيه دايان للأبحاث ( ان التطورات الراهنة تؤدى الى تفتيت سوريا الى دويلات طائفية وهذا أمر ايجابى ) . واذا فالاستراتيجية هى استدامة الحرب فلا تتوقف ألا والشام ركام مقسم مفتت منشغل بقتال الأشقاء عن قتال الخصماء . وقد دعا المحلل الاسرائيلى دانيال يابيس الى تدخل دولى لدعم الأسد عندما بدا ان الموازين تميل لصالح الثوار وقال (أن هذا الموقف ليس نابعا من تعاطف مع الأسد فنظامه مريع جدير بالازدراء ولكن النظرة الشاملة للوضع تفضى الى ضرورة تشجيع استمرار القتال الأفضل فلو ركزوا على قتال بعضهم البعض هو الأفضل ) ويواصل القول ( لا نريد منتصرا يكون مستعدا لقتال جيرانه نحن فى حال استراتيجية وليس حال أنسانى) وليس ثمة وضوح لما تفعله و تريده اسرائيل أكثر من هذا الوضوح وهذه الابانة فهى تكرر ذات الاستراتيجية وذات الاساليب غير المرئية والمباشرة وغير المباشرة ولكن من يوقظ آل بوربون العرب الذي لا يبصرون شيئاً ولا يسمعون شيئاً ولا يتعلمون من شيء أبداً”.

نواصل ،،،

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


6 التعليقات

إنتقل إلى نموذج التعليقات

      1. 1
        التقدم وثقافة السخافة

        يقال عن تعريف الفلسفة انها ( ان تتكلم في المواضيع التي يفهمها كل الناس بالكلمات التي لا يفهمها كل الناس ) – يا اخ توهتنا معاك وما طلعنا بنتيجة – انت مع او ضد التطبيع – وحتي السؤال في مستهل الفقرة الثانية – لماذا لا نصالح اسرائيل – يحمل معاني متضاربة فهو يمكن ان يكون سؤال استنكاري علي من يقف ضد التطبيع ويمهد لسرد للاسباب التي تجعل المصالحة مع اسرائيل مفيدة ومطلوبة كما يمكن ان يكون تمهيداً لسرد الاسباب التي تجعلكم علي النقيض ترفضون الوقوف مع اسرائيل – ثانياً تعودنا في النيلين علي اخبار تتراوح بي الجد والهزل الي السفاسف الا ان القاسم المشترك بينها بساطة الاسلوب والمباشرة في المعاني – احنا قراء النيلين اغلبيتنا الساحقة عوام بس واعين وفي نفس الوقت ما بنستحمل مقال نقرأه في نص ساعة وتطلع منه بفائدة نصف دقيقة والمؤكد ان هذا المقال لم ولن يقراءه اكثر من 1% من قراء النيلين ولتعم الفائدة نرجو الاختصار والبساطة فاسلوب مخاطبة العامة يختلف عن اسلوب مخاطبة الخاصة – واخيراً انت مع او ضد ؟ !!

        الرد
      2. 2
        ود الريس

        حرامي المداس المتعالي المتفلسف

        الرد
      3. 3
        ok

        اشكرك جدا على المقال الجيد

        و ارجو مواصلة الكتابة فى هذا الامر

        الرد
      4. 4
        دهب

        سرد حقيقي وواقعي وتاريخي للإستراتيجية الصهيونية، مع إني شخصيا بكره الراجل دا لكن هو مثقف بدرجة عالية جدا ومتطلع ومتابع للأحداث بصورة مذهلة.

        الرد
      5. 5
        واقعي

        علاقة عادية بإسرائيل من أجل إصلاح ما أفسدته سياسات الخطب الرنانة في التسعينات وأمريكا وروسيا دنا عذابها وهلم عنتريات لم تقتل ذبابة بقدر ما قتلت الشعب السوداني وأفقرته ..

        الرد
      6. 6
        شافوه عرفوه خلوه

        ما بيننا وبين اسرائيل ليست مجرد خصومة ولكنها خصومة حق اغتصب منا بالقوة والامر واضح ولا يحتاج لايضاح
        فكان الافضل ان يقول فيلسوف زمانه لماذا نعادى اسرائيل فيجب علينا ان نتنازل لهه عن حقنا وارضنا الاسلامية
        فاذا وافق اسرائيل ان تغادر ارضنا الفلسطينية طواعية فحينها ستسقط كل العدوات والخصومات بين اسرائيل وبين الدول العربية والاسلامية ومن ثم نبحث عن موقع دولة اسرائيل على خارطة العالم لنقيم معها علاقاتنا اما والان فهى تحتل ارضنا فلسطين ولا وجود لها فى خارطة امتنا العربية كدولة ذات سيادة غير احتلالية
        فاين اسرائيل ايها المشعبث لنصالحها?

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *