زواج سوداناس

بسمة شيخو : الأشخاص في أعمال الفنان السوداني عبد الوهاب نور: فزاعاتٌ تتجه نحو الشمس



شارك الموضوع :

لطالما ارتبطت افريقيا القارة السّمراء بالألوان، أقلها أن ذلك حدث لي، فاسمها مرتبطٌ في ذاكرتي برسومات ملوّنة تتوّزع في زوايا كثيرة من الحياة هناك ولربما أن تلك الألوان هي من تهب الحياة لما تزيّنه وتسكنه. وما أكدّ هذا الارتباط منذ أسابيع قليلة هو معرفتي لهويّة الفنان عبد الوهاب نور بمجرد تأملي لوحاته، فقد كانت تشي بانتماء عميق للثقافة الافريقية بشكل أساسي والتي حاول اختزالها ضمن تفاصيل اللوحة. ونور تشكيلي سوداني من مدينة الرهد، مقيم في دولة الإمارات، درس في كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في جامعة الخرطوم وتخصص في قسم التصوير الإيضاحي عام 1987، أقام العديد من المعارض الفردية والجماعية في الوطن العربي وفي اوروبا وقد حصل على العديد من الجوائز وشهادات التقدير.
أمور كثيرة تلفت النظر بشكل رئيس إلى أعمال نور، أولها شعورك بأن كلّ عمل يحمل بداخله عدة لوحات مستقلة بنفسها، حيث أننا نجد أثواب النسوة على سبيل المثال تحمل من الرسوم والزخارف ما يشكّل لوحةً جميلة بتكوينات تجريدية، وكذلك بعض الوجوه في لوحات أخرى أو الأشجار، وربما السماء أيضاً التي تظهر أحياناً بخيط عريض مكرر من الزخرفة النباتية تجعل من امتداده خلف الكائنات أشبه بورق جدران يوّلد داخلنا شعوراً قوياً بأننا إذا ما استطعنا نزع هذا الورق سنصل نحو المدى المفتوح والذي تتجه نحوه الشخصيات الأساسية في أعمال نور، والتي نراها مقبلةً أو مدبرة، جماعات أو فرادى، رجالاً أو نساء ـ وهن الأغلب ـ يتوجهون صوب الشمس ويجرون ظلالهم أو يسبقهم الظل فيتركون الشمس وراء ظهورهم.
الأمر الآخر الملفت في اللوحات هي انسيابية الأشكال وخفتها وكأنها تحلّق في فضاء العمل، أثر الريح واضح داخل إطار اللوحة وتكاد بعض نسماتها تصلنا، فنرى أشجار نور تتراقص وثياب نسائه تطير، تتمايل رؤوسهن بانسيابية وكأنهن أشجارا بشريّة. أما السحب فطبعاً هي تمرّ أمامنا مراراً وتكراراً، قد تكون وحيدة في سماء صافية إلا من القليل من الزخارف والتدرجات اللونيّة، أو أنها تختبئ وراء مآذن وقباب يحج الناس إليها أفواجاً على طريق أبيض مستقيم يتلألأ تحت أقدام القاصدين.
الأمر الأخير هو شعورك أن اللوحات، بل عددا منها، مقسوم إلى قسمين شبه متساويين، بشكل واضح أحياناً ومتوار أحياناً أخرى. حيث أننا نرى خط الأفق يتربع منتصف اللوحة ويستدعي كل المفردات نحوه وكذلك يربط العيون على نقطتي فراره ويشردهما في مساحة اللوحة، القسم السفلي يكون مكتظٌاً بالتفاصيل والأشكال والأشخاص والألوان. لهذا، فيزيائياً وبحسب الجاذبية، مبررٌ له أن يكون في الأسفل، بينما نجد القسم العلويّ يحمل كثيراً من البياض والألوان الهادئة مما يمنحه خفة وقدرة عالية على التحليق.
العنصر الأساسي في لوحات نور هو الإنسان والذي يرسمه بصورته الخاصة، حيث نجد أن الأقدام مستدقة، تتلاشى نهاياتها حتى تندمج مع الأرض أو ربما تنغرس فيها فيكون الأشخاص ثابتين كمسامير دقت في مكانها. هم فزاعاتٌ تلاعبها الريح، يقفون تحت شمس متوهجة قريبة جداً وكأنها بعد قليل ستلهب رؤوس الناس وتشعلهم كعيدان ثقاب، وكذلك الرقاب مستدقة من العجيب أن تستطيع حمل الرأس الذي نجده مائلاً غالباً وكأنه يرتكز على نقطة ضيقة وبأي لحظة من الممكن أن يتدحرج ويلاقي مصيره، فمن الممكن أن تبتلعه زوبعةٌ خضراء من الزوابع التي تملأ اللوحة ويمكن أيضاً أن يضيع في انعكاس المشهد على الأرضية، ولا يعود الأصل يميز نفسه عن انعكاسه وظله.
لوحة نور تستحق التاء المربوطة في نهاية اسمها، تستحق أن تكون أنثى بجدارة، ليس بسبب الألوان القويّة والنابضة بالحياة والمليئة بالسكينة فقط – حيث نجد الألوان تتجاور لتكمّل بعضها البعض وفقاً للدائرة اللونية وتمنح الهدوء للناظر على الرغم من كثرتها وقوتها – بل بسبب الليونة أيضاً والانحناءات المحببة لكل عناصر اللوحة. فنجد نور يصوّر الحياة والحياة أنثى باذخة الجمال مكتملة الزينة تغوي بدون أن تحتاج الكثير من التفاصيل، رائحة الأنثى المنبعثة من اللوحة تكفي لتجعل القلوب تخفق بسرعة ويعلق في الذهن صورةٌ جميلةٌ تدوم طالما تذكرنا اسم الفنان وأعماله. وهذا ما يعتمده الفنان في عمله تماماً، فهو لا ينقل الواقع بحرفيته بل يرسم ما علق في ذهنه ويشكّل واقعاً جديداً مميزاً يحمل بصمة السودان وثقافته الواسعة الرحبة، وكأن أعماله مرآةٌ تعكس صورة هذا البلد بوجهين متمازجين أحدهما إفريقي وآخرٌ عربي، ولكل سماته ومميزاته التي تظهر هنا. فالزخارف النباتية هنا عربية إسلامية كما نستطيع القول وكذلك النجوم الثمانية المرسومة على بعض الجدران وأشكال الأبنية أيضاً، بينما الأثواب والألوان والطبيعة الثرية مع الشمس الملتهبة هي هويّةٌ إفريقية لا تزوّر.
المدرسة الانطباعية هي من هضمت أفكار نور وحضنت أسلوبه وأعماله على اعتباره يتعامل مع الطبيعة مباشرة ويصوّرها من خلال الظلال والأضواء، فاللوحة هنا خاليةٌ من الخطوط كما هي الأجسام في الواقع ألوان، أحجام، وانعكاسات؛ لوحاته هي ما يتبقى في العين بعد تحديق طويل في المشهد أمامنا مضافاً إليها بعدٌ جديد يرتفع فوق الزمن ويصوّر معاناة الإنسان وصراعه الأزلي مع الحياة عن طريق القيم الدلالية التي تمنحها حركات الأجساد لمتأملها. ومع ذلك نجد أن مسحةً من الواقعية تتسلل إلى بعض أعمال عبد الوهاب، وكذلك قليلا من التجريد النابع من جمالية مكتملة في خيال الفنان وليس تقليداً أعمى لتيار معين رائج في مكان ما، حيث يرى نور أن الأعمال التجريدية مرحلة متقدمة جداً في مجال التشكيل، ويجب أن نفرّق ما بين التجريد المبني على أسس محددة والتجريد العشوائي المفتعل، فالتجريد الحقيقي يُمثّل خلاصة التجربة الجمالية التي خاضها الفنان ويأتي صادقاً دون تكلّف.
الألوان المائية هي سيدة أعمال نور حيث يقول عنها: «ما يميّز الألوان المائية صعوبتها، بمعنى أن الفنان عندما يضع لوناً ما على لوحته فليس من طريقة لمحوه إذا ما أراد أن يصلّح أو يعدّل.. فالخطأ فيها قاتل، ومن هنا تكمن صعوبة استعمالها، ولكنها تتميّز بشفافيتها وبأنها الأكثر تعبيراً عن الفن الحديث».
عوالم عبد الوهاب نور، الفنان السوداني، أيقونات من الجمال عن القوالب الجاهزة والمقاييس المفتعلة والتي لا يعتقد بوجودها في كل الأحوال: «الظاهرة الجمالية هي مشكلة علم الجمال، غير أني لا أعتقد بوجود مقاييس للجمال لأن الظاهرة الجمالية ذاتية، وقد يتفق عليها شعب معين، ولكنها لا تعمم».
عوالمٌ تحمل داخلها الكثير من الحياة، فحتى الفزاعات هناك تتجه نحو الشمس.
بسمة شيخو

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *