زواج سوداناس

مجرد خاطرة.. سكرة يني الفي قبرو يغني



شارك الموضوع :

كانت الوالدة، رحمها الله، عندما نتحلق حولها الصباح لتناول الشاي لا تستجيب لطلباتنا اللحوحة بزيادة السكر إلا لماماً، فقد كنا أطفالاً «حلويين جداً» نحب كل ما حلا طعمه شأننا شأن بقية الأطفال، وكثيراً ما كنا نباغت الوالدة، فنهجم على «السكرية» أو أي إناء يحفظ فيه السكر و»نخمش» منه ما تيسر، أحياناً تكون «الخمشة» قبضة يد وأحياناً لا نظفر إلا بما يعلق على رؤوس الأصابع، كانت المعركة حول السكر بيننا وبين الوالدة لا تنتهي ولا تنقضي، تتمترس هي عند كمية معلومة لكل كباية لا تتجاوزها إلا في حالات الضعف النادرة التي كانت تعتريها لتوسلاتنا وترجياتنا التي نحشد فيها كل العبارات المستفزة لمشاعر الأمومة فيها، ولم نكف نحن عن المطالبة بزيادة المقدار، وكانت عندما تتضجر من سيل طلباتنا الذي لا ينقطع، تقول في ضجر «إنتو يا أولاد نمل سكر»، أما عندما يبلغ بها الضيق أشده؛ كانت تصرخ في وجوهنا صائحة «جننتوني سكر سكر، سكرة يني الفي قبرو يغني»، وشخصياً لم أكن أعرف لماذا كانت الوالدة تصر على التحكم في كمية السكر التي نتناولها، ولم أعرف إلى أن توفاها الله السبب في ذلك، فأنا لم أسألها، وهي لم تتطوع بالتوضيح، فربما كانت تفعل ذلك بدافع التوفير وربما بـ«وازع» صحي، ولكني بالطبع عرفت لاحقاً ما هو نمل السكر وما هي حكاية سكرة يني التي جعلته يغني من داخل قبره.
تقول الحكاية، كما أوردها راحلنا العزيز الطيب محمد الطيب في كتابه «الأنداية» أن قصة يني التي صارت مضرباً للمثل؛ ترجع الى أن هنالك خواجة إغريقي الأصل اسمه يني استوطن بالسودان وكان خماراً سكيراً له حانوت مشهور في زمن الأتراك، ولما قامت الثوره المهدية؛ حظرت الخمر بيعاً وصنعاً، وانصاع الخواجة يني مثل الآخرين لهذا القرار، لكنه دس ما عنده من الخمر تحت التراب، وبعد مضي سنوات؛ سرت إشاعة مفادها أن جيش الإنجليز قد قدم وهو على بعد خطوات من البلد، وبفرحة بالغة أخرج يني كمية من الخمر احتساها تباعاً وخرج منتشياً عندما سمع جلبة في الخارج، فحسبها على حسب سكرته أنها من جيش الإنجليز، وكان يلوّح لهذا الجيش بزجاجة خمرة، ويقول بلكنته الإفرنجية «برافو إنجليزي خبيبي، درويش في ستين داخية، درويش بتّال» وانتبه الخواجة حينما سمع التكبير من الأنصار، فصاح أحدهم بعد التكبير «الخواجة ولض الكلب حطب النار» فعلم يني أنه وقع في شر أعماله، وأن هؤلاء هم جنود المهدي الذين تصايحوا فيه «الخواجة الكلب شرّاب الخمر» وأعملوا فيه سياطهم، وهذا النوع من الضرب بالسياط يسمى المطرة صبّت، وفعلاً صبت يومئذ على عمنا يني وطارت السكرة، وأتت الفكرة، وتحول يني الى محض ذكرى وأصبح مثلاً يُضرب في المناسبات، وأضاف عليها السودانيون السجع حتى أصبحت قافية محفوظة «سكرة يني الفي قبرو يغني».
وقد وثّق لذلك الراحل مصطفى سيد أحمد في إحدى أغانيه من قصيدة للقدال فيما قال:ـــ
وديك الجن رفيق همي وغناي وفني
سوى طريقو في نخبه وصبح متهني
ما هماهو باسط مية سكرة يني
كل ما شافلو زفة جديدة فوقها يغني

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        عزالدين وديدي

        اولا رحم الله والدتك وجعل مثواها الفردوس الاعلى. ثانيا لقد عيشتنا في جو الطفولة التي عشناها قبل سنين وفعلا مع توفر السكر فكان الحرص عليه واعتقد ان الهدف كان بغرض التوفير لشح المال في ذلك الزمن وليس من ناحية صحية لان ذلك الزمن كان خالي من الامراض لتناول الاطعمة الطبيعية والعيش في جو طبيعي.
        وشكرا على معلومة سكرة يني. لقد كنت اسمعها ولكن لا اعرف معناها.
        واعتقد ان ينى هذا كان عايش في الشمالية.

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *