زواج سوداناس

بالنسبة للبعض فإن كل ما جرى خلال “60” عاماً ربما كان حالة تبادل للمقاعد وفقاً للفلسفة نفسها.. هل صحيح أن الشعب السوداني يحمل ذاكرة مثقوبة تمنح السياسيين إشارة المرور الخضراء للاستمرار في ذات الفعل؟ استهبال سياسي



شارك الموضوع :

يضيف منصور خالد نعتاً جديداً على ممارسي السياسة السودانية طوال ستين عاماً هي عمر البلاد المستقلة. منصور هو صاحب “أهوال الحرب” التي كتبت في نهاية المطاف “قصة بلدين”، على درجة واحدة من اقترابهما من الانهيار؛ فدولة جنوب السودان الوليدة تشابه دولة السودان على الأقل تحت بند “كلنا في المعاناة شرق”.
كان منصور القرن الماضي يدمغ النخبة السودانية بـ(المدمنة للفشل)، فيما يعلق منصور ما بعد الانفصال وصيته على رقبة الجيل الجديد وينصحهم: “لا تستمعوا إلى نصيحة أي شخص تجاوز الخمسين من عمره حتى وإن كان ذلك الشخص هو أنا”.

وفي ليلة تكريمه يقول خالد وهو يصف أحوال ممتهني السياسة في حقب ما بعد التحرر بأنهم مجرد (مستهبلين)، ويستدعي هنا كتاب الراحل محمد أحمد المحجوب، المسمى (الديمقراطية في الميزان)، ويوضح أن الاستهبال بدا ماثلاً في دراسات النماذج الديمقراطية في الهند وفي السنغال، دون أن يضع الكفة لمناقشة الديمقراطية السودانية وموقفها من طرد نواب الحزب الشيوعي من داخل القبة، رغم أن الكاتب في الوقت نفسه كان رئيس الوزراء.
وتبدو المفارقة في أن البعض يحمل ذات التهمة ليضعها على ظهر الرجل؛ فمنصور عند هؤلاء لم ينتصر للقيم التي يكتب بها، وإنما فعل ذات ما فعله (المستهبلون)، وكان أحد الفاعلين في العهد الذي وصفه بـ(الفجر الكاذب).
وفي سبعينيات القرن الماضي انخرط منصور في سلك وزراء النميري عبر مناصب وزارية متعددة من بينها التربية والخارجية.
ويضع البعض المقارنة نفسها مستخدماً حالة (الشيوعيين)، فقد طردوا في عهد الديمقراطية عبر مؤامرة القوى التقليدية، بحسب التوصيف الشائع، لكنهم أعدموا في عهد النظام المايوي، ودون أن يتخذ منصور موقفاً مما حدث.

والمعلوم أن منصور غادر في وقت لاحق سفينة نميري، قبل التحاقه بالحركة الشعبية، بزعامة جون قرنق دي مبيور، وأنه اعترف بمسؤوليته مع الآخرين عن المآلات الكارثية التي وصلت إليها البلاد، مكتفياً بفضيلة الاعتراف بالذنب، ومنتظراً واقعا أفضل يرسمه الجيل الجديد.. أو كما قال منصور، وهو يحتفي بالتجارب الشبابية في مجال العمل التطوعي وسعيها الدؤوب لإصلاح ما أفسده السابقون.
ويبدو لفظ (الاستهبال) باعتباره مرادفا للنشاط في الحقل السياسي لفظا يجد قبولا عند كثيرين في تتبعهم للمشهد السياسي السوداني.
ويعرف السودانيون (الاستهبال) في أبهى تجلياته عند مواسم الانتخابات، فهي المواقيت المثالية لبذل الوعود غير القابلة للتحقق.
ومقابل وعود البرلمانيين المحتملين تتصاعد أوصاف الهتيفة (المستهبلين).. تقول طرفة متداولة إنه وفي أول زيارة للرئيس البشير لإحدى أقاليم البلاد عقابيل نجاح الانقلاب كان أحد أهالي المنطقة من أصحاب الطرفة الحاضرة يطالبه بعدم تصديق من يهتفون في حضوره، فـ”هؤلاء كانوا يهتفون للصادق، وقبله للنميري”، وهو ما يعني أن (الاستهبال) مهنتهم..!!

ويتفق رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة النيلين الدكتور عوض أحمد سليمان مع الرؤية دون وضعها في إطار العمومية.. ويؤكد سليمان على بروز ظاهرة استسهال الفعل السياسي المفضي إلى نتائج مرضي عنها من قبل الجميع.. يقول الرجل إن السياسة بمعناها العام هي أداة يتم توظيفها لتحقيق تطلعات الناس أو القدر الأكبر منهم.. لكن تتبع التجربة السياسية في السودان يضعها في اتجاه آخر وهو تحقيق تطلعات السياسيين على حساب التطلعات الكلية للبلاد.
ومن المؤكد أن النتيجة المتحصلة الآن من الفعل السياسي في ستين عاماً تؤكد على أن كل الذي حدث لم يكن سوى حالة تبادل للمقاعد وفقاً لفلسفة الاستهبال نفسها.
ويرجع عوض استمرارية هذه الظاهرة إلى قناعة سياسية يؤكدها الفعل اليومي، حين يقول بأن الشعب السوداني يحمل ذاكرة مثقوبة هي التي تمنح السياسيين إشارة المرور الخضراء للاستمرار في ذات الفعل.
وفي تأكيده على ظاهرة الاستهبال السياسي تاريخياً كان منصور يستدعي صورة المحجوب، لكن المؤكد من واقع اليوم أنه (لا محجوب)، ربما، عن هذا الفعل، فجلهم يمارسون السياسة بغية تحقيق التطلعات الخاصة.

ولربما لا يقتصر الأمر على من مارسوا السياسة منذ تكوين الدولة، وإنما الذين حملوا ألويتها في العهود الحاضرة. لكن كمال عمر الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي يرفض في إفادته لـ(اليوم التالي) استخدام لفظ استهبال للسياسيين السودانيين، ويقول إنه من شانه أن يغمط حق كثيرين من العباقرة في السياسة من السودان ويلغي تضحيات جساما قام بها البعض. بل إن عمر يقول بأن منصور لم يكن موقفاً حتى في استخدام هذه العبارة. ومن وجهة نظر المحامي كمال فإن منصور نفسه كان واحداً ممن صنعوا مآسي الدولة السودانية وأوردوا أهل البلاد التهلكة عبر الاستشارات الخاطئة التي انتجت جنوباً ضائعاً وشمالا مشوها، ويكمل: الموضوعية كانت تتطلب من خالد القول بحقيقة ما قدمه جيل التأسيس للدولة السودانية وللأجيال اللاحقة.. من هنا يجب أن تنطلق المقارنة.

الخرطوم ـ الزين عثمان
صحيفة اليوم التالي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


1 التعليقات

      1. 1
        ahmed gadouri

        انا احب منصور خالد منذ ان كنت يافعا اقرا مقالاته وكتبه واستمتع بكلامه السهل الممتنع ان تكلم فى الدين اتى بالحجه من القران والسنه وان تكلم شعرا جعلنا نقول ان هذا الراجل زامل شعراء الجاهلية اوالعهد العباسى منصور كنز قومى لكن نقول شنو ياجماعه هذا الكنز القوى لماذا لاتستفيدوا منه لا اريد ان اطيل اريد د منصور انيتكلم نحن الشعب فى امس الحاجه لكلامه لانو عندوا كلام كتير لصالح هذا الوطن ادامك د كتور منصور الرجل الرائع ياابناء وطنى وصلنا المحطهه اللخيره دعونا نختلف بحريه لنعيش حرية الاختلاف

        الرد

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *