زواج سوداناس

من الطب الى التجارة .. مجرد خاطرة



شارك الموضوع :

وأنا أتفكر وأتدبر في الحال الذي عليه اليوم مهنة الصحافة، وكيف أن الكثيرين من العاملين فيها تتوزع أفكارهم ما بين هجرها إلى مهنة أخرى أو الهجرة عن الوطن كله، طافت بذهني هذه الخاطرة..
كان لنا ابن خال شديد الولع بالطب، ليس كمهنة بل كـ(برستيدج)، أيام كان للطب شنة ورنة وضعته في أعلى سلم المقامات وليس كما هو حاله الآن الذي فقد فيه الطبيب أية ميزة، فصار لا يجد حتى قوت يومه، ولهذا وعندما وُفق قريبنا هذا في دخول المرحلة الثانوية بشق الأنفس، إذ أحرز بالكاد المجموع الذي يؤهله لدخول الثانوي، لم يضع هدفاً نصب عينيه وليس عقله إلا كلية الطب وحسب، ولكنه للأسف طوال دراسته الثانوية حتى تخصصه في المساق الذي يؤهل أصحابه المبرزين لدخول الطب والذي انخرط فيه هو الآخر بعد لأيٍ وجهد جهيد، لم يكن للأسف يسلك الطريق المفضي إلى هذه الكلية التي كانت عصية أيامذاك إلا لأولي العزم والهمة، وهو طريق يصف معالمه أبناء الغرب من المولعين بالطب ويوصون من يرغب فيه بقولهم «تكبي كب تجيبي طب»، لم يكن قريبنا من الكبابين كما لم يكن من النابهين، وإنما كان ينكب على اللهو والعبث ولهذا كان طبيعياً أن لا ينجح في المرة الأولى حتى في إحراز شهادة من النوع الذي كان يسميه الطلاب «أسترني»، ويقول المتفلسفون منهم في الدفاع عن هذه الشهادة الضعيفة( If fifty is enough why fifty one) لو أن خمسين كافية للنجاح فلماذا واحد وخمسين، ثم لم يكن غريباً عليه وهو ما زال على حاله العابث أن لا يحرز حتى ما يؤهله لأن يحوم حول حمى الطب للمرة الثانية والثالثة على التوالي، وقد زاد عجب الناس فيه عندما رأوه وهو يستعد للجلوس لامتحان الشهادة للمرة الرابعة، فاستنكروا عليه هذه المحاولات اليائسة ونصحوه بأن يترك الطب في حاله ويبحث عن غيره في سوق الله أكبر، أو أن يغيّر مساره الأكاديمي، ولكنه لم يأبه لنصيحتهم وردّ عليهم بكل برود، والله لن أترك الجلوس لامتحان الشهادة ولو بلغت مرات جلوسي ثلاثين امتحاناً، حتى يحدث أحد أمرين، إما أن أدخل الطب أو تصدر وزارة التربية والتعليم قراراً بمنعي أنا فلان ابن فلان من الجلوس للامتحان، وقد كان، فقد دخل الطب ودرسه وتخرج فيه، ولكن في إحدى جامعات خارج السودان، ولكم أن تزدادوا عجباً في الرجل بعد أن تعلموا أنه لم يعمل بالطب ولو لساعة، وإنما قذف الشهادة بعيداً منذ أن حصل عليها، ثم تجلبب وتعمعم وولى وجهه شطر السوق، ولكن هذه المرة وفق نظرية جديدة نسفت تماماً نظرته السابقة للطب، وحين كان يسأل عن لماذا أنفق كل زمنه وجهده السابق لنيل شهادة الطب ثم عندما نالها قذفها وانتقل إلى وجهة أخرى، كان يقول تسعة أعشار الرزق في التجارة والباقي في السابياء، والطب سابية من عشرات السابياء، فلماذا أضيّق على نفسي ولا أذهب إلى حيث توجد الأعشار التسعة، ثم أيضاً كان له ما أراد، صح حديث التجارة هذا أم لم يصح، حيث أصبح الآن من أصحاب المال الوفير والعقار الكثير

(حيدر المكاشفي – صحيفة التغيير)

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *