زواج سوداناس

منى عبد الفتاح : هل تكفي الأرض ساعة واحدة ؟



شارك الموضوع :

بمقاييس الزمن فإنّ ساعة واحدة قليلة للعناية بكوكب الأرض الذي يرزح تحت عبث الإنسان خلال عام كامل لا ينقص إلّا هذه الساعة، وبمقاييس التضامن الإنساني من أجل التوعية بما يحيق بالأرض، فإنّ ساعة أيضاً تبدو مجحفة لإعلان حبنا لهذا الكوكب المعطاء وسط جحود متعمد وغير متعمد من قِبَلِنا والتمادي في إساءة معاملته وعدم الحفاظ على أهم مكوناته من الموارد الطبيعية التي أنعم الله علينا بها على ظهره. وهذا الإعلان يمكن أن يتم بصور مختلفة تستلزم بعد النطق والتصريح أن يتم الالتزام برعاية هذا الحب بالعمل. ومن ضمن هذه الصور يندرج أولاً الحدث المتمثل في حملة تُعد من أكبر الحملات العالمية لمواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري وهي حملة “أطفئوا الأنوار” والتي صادفت 19 من هذا الشهر.

ربح الإنسان تطوراً في كافة المجالات وخسر الطبيعة فهرول مرة أخرى يبحث عن الهواء النقي والماء العذب والغذاء العضوي. ولماّ كَلّ الإنسان من البحث في الأرض التي أنهكها بفوضى الحداثة طفق يجرّب السفر عبر المجرات ليجد كوكباً آخر يحتمل مغامراته. نظر الإنسان إلى كوكب عطارد فوجده يشتوي في جحيم من الحرارة، ورحل مستكشفاً إلى كوكب الزهرة فوجده كوكباً متغيراً من سيئ إلى أسوأ، وسافر إلى كوكب المريخ فوجده عبارة عن صحراء حمراء باردة، أما كوكب بلوتو فاكتشفه كتلة من الضوء تعمي الأبصار. رجع الإنسان خائباً إلى الأرض لأنه اكتشف أنّها هي الكوكب الوحيد في المجموعة الشمسية الذي يفيض ماءً وأكسجيناً يكفي لتغذية الكائنات الحية لو استخدمت بعقل وحكمة. وليس هناك من كوكب آخر أكثر احتمالاً من أمّنا الأرض وحضنها الدافئ.

ليت هذا يعلّمنا كيف نقابل هذه الهبة العظيمة بغير هذا الجحود الكبير، فمسؤوليتنا كبشر وتضامننا معاً يجب ألّا يقف عند حدّ منع الضرر عن وطننا الأرض، وإنّما واجبنا الأكبر يكون بالمحافظة عليها والعمل على إشاعة السلام فيها وتغيير سبل الحياة على ظهرها دون الإخلال بتوازنها الطبيعي، ثم التعلم منها كيف يكون الحبّ والعطاء دون منّ ولا أذى ولا انتظار لردّ الجميل.

علينا أولاً أن نتذكر أنّ هناك شعوباً كاملة يختلف عندها هذا الحدث، فهي لا تشاركنا بإطفاء الأنوار لأنّه لا يوجد لديهم من الضوء إلّا ما يجود به النهار بشمسه أو الليل بقمره ونجومه البعيدة. هذا واقع حقيقي ومعاش ربما يجهله الكثيرون، وربما لم يسمع الكثيرون أيضاً بأنّ هناك أناساً لم يصلهم هذا الاختراع بعد أو أنّ التنمية تقتصر على المدن فقط ولا تصلهم في أماكنهم النائية، أو أنّ مناطقهم مزودة بتوصيلات الكهرباء دون خدمات التيار الحقيقية.

وعلى سبيل المثال يختلف الاحتفال بهذا اليوم في دول وسط ذبذبات التيار الكهربائي، الذي يعدُّ استقراره لمدة يوم كامل نعمة من الله. وفي بقية الدول حيث تشارك العشرات منها في “ساعة الأرض” ما بين داعمة لليوم ومشاركة. في هذا اليوم أطفئت أنوار بعض المعالم المهمة في المدن الرئيسة في العالم. وسيناريو هذا الحدث والذي يتكرّر كل عام هو خروج أهالي المدن من منازلهم بعد إطفاء الأنوار وقضاء الساعة مشياً أو في الحدائق العامة. أما في المناطق التي تمتاز بالبراري الممتدة وهي مرتع مفضل للأسر والشباب خاصة في هذا الشهر الذي يمثّل بداية الربيع، فيقضون الساعة وما بعدها يتحلقون حول نارهم المشتعلة يتسامرون حول لفح نار شواء الأيائل والجديان، ويكونون بهذا قد قللوا التأثير الذي تحدثه الحضارة الصناعية على المناخ أي تكون البيئة قد تخلصت من بعض التلوث الضوئي وخسرت في الوقت نفسه جديانها وأيائلها العزيزة.

قد لا تغفر لنا الأرض ما فعلناه وما سنفعل بها إلى أن تقوم الساعة، وهذه اليقظة والانتباهة ليست الأولى للضمير الإنساني ولن تكون الأخيرة عندما تفقد الكلمات معناها، وها نحن نعود إلى الحياة البدائية الأولى ولكن بطابع عصري.
(منى عبد الفتاح – صحيفة الراية)

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *