زواج سوداناس

عُلماء السودان.. ما يليها وما لا



شارك الموضوع :

ولأن السياسة والاقتصاد بجانب كونها يُبنيان على مصالح ذات صلة بأحلاف ومواثيق خارجيّة (دولية)، واعتبارات جيوبوليتيكيّة، فإن تداخلهما في (الديني/ الفقهي) القائم على مفاهيم غير قابلة للنقد والتغيير والإطاحة، يجعلهما رهينان له، وبالتالي فإن عقابيل ذلك لا ريب ستكون وخيمة على مجمل أداء مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث.
وهيئة علماء السودان التي أجملت أهدافها – بحسب ميثاقها – في: “القيام بما أوجب الله تعالى على العلماء من البلاغ وتوحيد كلمتهم والاهتمام بهم إعزازاً للدين وجمعاً لكلمة المسلمين، وإسداء النصح للراعي والرعية وإصلاح الفرد والمجتمع، والالتزام بالدعوة إلى الله في المنشط والمكره أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر ودعوة للخير وفق المنهج القرآني ومنهج السنة المطهرة والسلف الصالح، ونشر العلم الشرعي توعية للمجتمع والدولة (ربما تقصد الحكومة)، وأمور أخرى كثيرة – ليس بينها سن القوانين وتعديلها- كل ذلك عن طرق: “الاتصال بالمسؤولين وتقديم النصح لهم ولا سيما عند طرء الحوادث وظهور المشكلات” .
والحال، أن الهيئة كلما طرأت مشكلات واستجدت حادثات، لا تخالف أهدافها تلك فحسب، بل تتجاوز الوسيلة التي وضعتها لنفسها لتحقيقها، وهكذا فإن مخالفات الهيئة لميثاقها لا يمكن حصرها خطفًا في هذه المساحة، وإنما نحن هنا، فقط للإشارة إلى خبرها الوارد في صحف أمس، حيث شددت على ضرورة الإبقاء على المادة (179) من القانون الجنائي المعروفة بـ (يبقى لحين السداد)، مبررة تشديدها هذا بـ “قطع الطريق أمام المحتالين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل”، وهذه عبارة منتقاة تنطوي على الكثير من الفخاخ، فمن يأكلون أموال الناس كثيرون خلا هؤلاء (بتاعين الشيكات)، الذين لا شك أنهم يستحقون أن يعاقبوا، لكن وفقًا لقانون يتسق مع ما اقترفوا من (جُرم)، ويتوافق مع مبادئ الحقوق المدنية والإنسانية، كونهم ارتكبوا مخالفات (مدنية وليست جنائية)، وبالتالي فإن قانون الإجراءات المدنية كفيل بردعهم. هذا من جهة، ومن أخرى فإن الجهات المخوّل لها سن القوانين وتعديلها معروفة وبيّنة، وهيئة علماء السودان ليست من ضمنها، بالتأكيد. وهذا ما يؤكد عليها ميثاقها الذي نحاجج به، إذ ورد ضمنه كما أسلفنا أن دورها في مثل هذه الحالات ينحصر في “الاتصال بالمسؤولين وتقديم النصح لهم”.
إلاّ أن الناظر لما ورد عنها في صدد (يبقى لحين السداد)، يلحظ أنها تجاوزت ما رسمته لنفسها، إذ لا يحق لها أن (ترفض، أو تُشدد)، بل تقدم رأيها لجهات الاختصاص، مكتوبًا، دون أن يتبع ذلك ترويجًا وتهويلاً على (مينشيتات الصحف) بما يبدو وكأنها محاولة للتأثير على الرأي العام، وبالتالي على الجهات المعنيّة بسن التشريعات وتعديلها.
بطبيعة الحال، يمكننا القول، إنه حتى فيما لو اعتبرنا أن ما ورد على لسان الهيئة فيما يلي أمر (لحين السداد) محض نصح وإرشاد – وهو ليس كذلك بالتأكيد – حيث أنه لم يُقدم مرافعة قيمة مبنية على وقائع وأرقام وحيثيات ومقاربات قانونية، بل تمثّل خطابًا (مشاعريًا) دارجًا، يسعى لارتهان ما ليس له ومن ثم مصادرته، وإلاّ ما علاقة الهيئة بمشروع يسعى لتعديل مواد قانونية من أجل حفظ الحقوق وتقنينها، وبالتالي حماية السلم الأهلي، بما يُرِّسخ لنظامٍ مدني حديث يوفر فضاءً للتقاضي دون حيف ودون هوادة أيضًا.
عبد الجليل سليمان – (الحصة الأولى – صحيفة اليوم التالي)

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *