زواج سوداناس

شيماء الحديدي : النظام المصري أصبح خطرا على الأجانب وليس المصريين فقط



شارك الموضوع :

لم تكن حادثة مقتل طالب الماجستير الإيطالي جوليو ريجيني مطلع شباط/ فبراير الماضي هي الأولى التي يقوم فيها النظام المصري باعتقال أجانب أو إخفائهم قسريا، إلا أن هذه الحادثة، مع الصخب الإعلامي الذي حازته، فتحت ملفا كبيرا وثق انتهاكات الأجهزة الأمنية ضد الأجانب من الاعتقال أو التعذيب أو الإخفاء القسري أو التهديد منذ انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013، حيث لم تقتصر قوات الأمن في ممارسة جرائمها وتجاوزاتها لحقوق الإنسان على المصريين فحسب.

عقب أيام قليلة على مقتل ريجيني، ظهرت تخوفات من وقوع حادث مشابة بعد اعتقال شابين تركيين وإخفائهما قسريا، حيث أفادت أسرة شقيقين تركيين أن قوات الأمن المصرية اختطفتهما من محل إقامتهما بالقاهرة واقتادهما إلى مكانٍ مجهول، ونقلت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا عن الأسرة تعرض الشقيقين وهما من مواليد 30 أيار/ مايو 1994 للاختفاء القسري منذ تاريخ اعتقالهما في 14 شباط/ فبراير 2016.

والد الشقيقين التوأمين “مجاهد وجهاد كيرتوكلو” اللذين تواجدا في مصر لدراسة اللغة العربية تمهيدا لالتحاقهما بجامعة الأزهر، أوضح أنه تلقى اتصالا من أحد زملاء نجليه أخبره فيه باقتحام قوات الأمن المصرية شقة نجليه في الحي السابع، بمدينة نصر، شرق القاهرة واعتقالهما، فيما قامت باقتيادهما إلى مكانٍ مجهول، وأثار الحادث تخوفات من تكرار سيناريو مقتل ريجيني بعد إخفائه قسريا، خاصة وأن جنسية الطالبين تشير إلى احتمالية اعتقالهما لأسباب سياسية، إذ تشهد العلاقات التركية المصرية توترات كبيرة منذ انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013.

ربما كانت بداية انتشار ظاهرة اعتقال الأجانب بالتحديد من هنا، ففي 16 من آب/ أغسطس 2013، عقب فض السلطات المصرية ميداني رابعة العدوية والنهضة بيومين فقط، قامت قوات الأمن باعتقال الكنديين جون جريسون مخرج أفلام تورنتو والأستاذ بجامعة يورك، وطارق اللوباني الذي يعمل كطبيب، وذلك بعد اشتباهها بهما لمحاولتهما مساعدة المصابين في تظاهرات خرجت بميدان رمسيس (وسط القاهرة) قامت أجهزة الأمن بفضها، وقد أثارت لكنة اللوباني الغير مصرية شكوكا لدى أحد ضباط الشرطة، وحينما حاولا التأكيد على أنهما غير مهتمين بمصر وأنهما متجهين إلى قطاع غزة أثار الأمر استياء الضباط أكثر، فقال جريسون عن هذا الموقف: “في اللحظة التي تقول فيها غزة يقولون حماس”، ويقصد الضباط الذين ربطوا غزة بحماس وكأن للشابين على علاقة بالحركة.

اعتقل الكنديان على إثر تلك الواقعة، وتغيرت خطتهما من الذهاب إلى غزة حيث كان مقررا للوباني أن يعطي بعض الأطباء الفلسطينيين دورة تدريبية في القطاع، ولجريسون توثيق تلك الرحلة إلى غزة كجزء من المهمة الإنسانية التي يقومان بها، إلى التخلص من هذا السجن بمعاناته والعودة لبلدهما.

نقل الكنديان بعربة مكتظة بالمعتقلين في درجة حرارة مرتفعة للغاية أصابت بعض الموجودين في العربة بالإعياء إلى سجن طرة حيث تعرضا للتعذيب، فقالا في حوار صحفي أجرياه عقب خروجهما من السجن، أنهما تعرضا للركل والضرب بمجرد وصولهما إلى سجن طرة بعد عبورهما بين صفين من رجال الشرطة المسلحين بالعصي الكهربائية والهروات، حتى ملأت الكدمات جسمهما وظلا يعانيان من ألمها نحو أسبوع..

ولم يسلما من التكدس بالزنازين وضيقها، فأكدا أن نحو 38 مسجونا كانوا ينامون على الخرسانة في مساحة 3*10 أمتار وبينهم صنبور واحد مياهه ملوثة، وأوضحا كذلك أن الرعاية الصحية شبه منعدمة، واستشهدا بموقف حين وصل معتقل مصاب بكسر في إحدى قدميه وظل دون علاج لنحو ثلاثة أسابيع حتى سائت حالته واضطر لبتر قدمه، وأكدا أن تلك المعاملة المهينة كانت توجه لجميع المعتقلين على السواء، ما دفعهما للدخول في إضراب مفتوح عن الطعام، فيما استمر حبس الكنديين حتى منتصف تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته، حيث نجحت الجهود الدبلوماسية في الإفراج عنهما عقب مجىء والد اللوباني إلى مصر.

الصحفي الأسترالي بيتر غريست اعتقل بتاريخ 29 كانون الأول/ ديسمبر 2013 مع زميليه محمد فهمي، وباهر محمد، واحتجز في الحبس الانفرادي بأحد السجون لمدة شهر دون أن توجه له اتهامات، وبعد ذلك اتهم وصحفيين آخرين بنشر أخبار كاذبة تضر بالأمن القومي، واستمر تأجيل محاكمته رغم انتقادات دولية وحقوقية لاستمرار حبسه، حتى حُكم عليه بالسجن سبع سنوات في 23 تموز/ يونيو 2014، وفي مطلع شباط/ فبراير جرى ترحيله إلى بلاده بعد تقديمه طلبا للمحكمة بذلك بناء على القانون رقم 140 لسنة 2014.

الصحفيون الأجانب بالأخص كانوا أكثر عرضة من غيرهم للاعتقال والتوقيف في مصر، كأن النظام يعتبرهم عدوا يجب القضاء عليه قبل أن ينقل الواقع المأساوي في الداخل المصري إلى العالم، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2014 اعتقلت قوات الأمن الصحفي الفرنسي الشهير آلان جريش، رئيس التحرير السابق لصحيفة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية، وذلك أثناء تواجده على مقهى وسط القاهرة مع صحفية مصرية وشقيقتها، حيث كان يجري حوارا معهما باللغة العربية والإنجليزية، فيما قامت سيدة بالإبلاغ عنهم بعد الصراخ بوجههم “هتخربوا البلد”، وحضرت قوة أمنية وقامت باعتقال جريش والفتاتين رغم علمها بهويته وطبيعة عمله، وقامت بنقله إلى قسم شرطة قصر النيل حيث أجريت تحقيقاتها معه لساعات قبل أن يخلى سبيله بعد تدخلات من جهات عدة.

الصحفية الهولندية رينا نيتجيس التي تعمل مراسلة من القاهرة لجريدة هولندية وأخرى بلجيكية كانت عرضة للاعتقال هي الأخرى، ووجهت إليها اتهامات عدة ووضع اسمها في القضية المعروفة إعلاميا باسم “خلية الماريوت”، كما وضع اسمها على قوائم الإرهاب، ما دفعها إلى اللجوء إلى سفارة بلادها بالقاهرة حتى استطاعت السفر خارج مصر، كل ذلك بسبب وقوفها نصف ساعة مع الصحفي محمد فهمي الذي يعمل في الجزيرة الإنجليزية تسأله فيها عن الأوضاع في سيناء، فيما أكد العديد من الصحفيين الأجانب على تلقيهم تهديدات دفعتهم للخروج من مصر بسبب جنسياتهم الأجنبية وعملهم الصحفي.

يبدو أن السلطات المصرية استحلت التعذيب للمصريين والأجانب على السواء، حتى أنها استحلت أموالهم واستولت عليها، ففي تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، قامت قوات الأمن باعتقال المواطن السوداني يحيى زكريا، من شارع طلعت حرب، بوسط القاهرة، الذي كان قد جاء إلى مصر لعلاج ابنه، فيما قامت بنقله إلى قسم شرطة عابدين بالقاهرة حيث تعرض للضرب والتعذيب الشديدين، ما أصابه بنزيف في مقلة العينين ورضوض وآثار حرق وجروح باليدين.

في اليوم التالي لاعتقاله عرض على النيابة التي أمرت بإخلاء سبيله بعد تأكيده أن مبلغ 500 دولار كان بحوزته لعلاج نجله المريض، بينما تعنتت السلطات في إخلاء سبيله لثلاثة أيام بحجة انتظار عرضه على الأمن الوطني، ومنع خلال تلك الفترة من استخدام دورات المياه وتعرض للتعذيب وحرق السجائر بجسده كما وجه له السباب والإهانة، وحتى بعد عرضه على نيابة الأمن الوطني تم إعادته إلى الحراسة، حتى طلب حجز تذاكر عودة إلى بلاده، فيما تم نقله للمطار مكبل اليدين تمهيدًا لسفره إلى عاصمة بلاده الخرطوم.

الواقعة أشعلت أزمة بين البلدين الجارتين، خاصةً وأن السودان أكدت أن الحملات الخاصة بتفتيش السودانيين واحتجازهم في السجون المصرية تزايدت بشكل ملحوظ، وأكدت أنهم يلقون معاملات سيئة من قبل أجهزة الشرطة والأمن الوطني، وقد لفت نائب رئيس المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر إلى وقوع مايزيد 15 واقعة مشابهة للأخيرة في أقسام وسط القاهرة في عابدين والأزبكية، في الآونة الأخيرة، وقد أرجع أغلب تلك الحالات لحمل السودانيين دولارات، وكأنه من الغريب أن يحمل الأجانب عملات أجنبية في مصر كالدولار.

كما أن أعدادا من الفلسطينيين تعرضوا للاعتقال داخل الأراضي المصرية، وتعد الواقعة الأشهر في هذا الصدد واقعة اختطاف أربعة فلسطينيين أثناء سفرهم في حافلة الترحيلات التي تكون بحماية الأمن المصري في منطقة رفح المصرية، في منتصف آب/ أغسطس 2015، وذلك أثناء وجودهم في منطقة تقع بين كمينيين أمنيين، حيث كانوا في طريقهم من غزة إلى مطار القاهرة ومنه إلى تركيا لتلقي العلاج، وخرجوا بعد أن تم التنسيق مع الجانب المصري، وهم: “حسين الزبدة، وعبد الدايم أبو زبده، وياسر زنون، و عبد الله أبو الجبين”.

وبعد أكثر من سبعة أشهر على اختفائهم مازالت السلطات المصرية تتنصل من عملية اعتقالهم، فيما تؤكد مصادر إسرائيلية إلى وقوف المخابرات المصرية خلف اختطاف الفلسطينيين الأربعة، وادعت أنهم أفراد في الكوماندوز البحري التابع للجناح العسكري لحركة حماس، ونشرت بعض المعلومات عنهم والتي رجح متابعون حصولهم عليها من الجانب المصري، ورغم أن كل أصابع الاتهام تشير إلى ضلوع الأجهزة الأمنية في عملية الاعتقال، وتنفيذ السلطات وقائع اعتقال مشابهه تنكر في البداية قيامها بها ومن ثم يتبين مسؤوليتها عنها، إلا أن السلطات المصرية مسؤولة عن حمايتهم داخل أراضيها على الأقل، والكشف عن مصيرهم أيا كان.

وعند الحديث عن حوادث اعتقال الأجانب، فيجب التذكير بقضايا بعض المصريين الحاملين لجنسيات أخرى، الذين قضوا فترات طويلة محبوسين داخل السجون المصرية، من بينهم الشاب محمد سلطان الحاصل على الجنسية الأمريكية الذي أفرج عنه العام الماضي بعد نحو عامين من الاعتقال قضى أغلبها مضربًا عن الطعام بسبب تعرضه للتعذيب والمعاملة المهينة وصدور حكم ضده بالسجن المؤبد، وأيضا الصحفي بقناة الجزيرة محمد فهمي الحامل للجنسية الكندية الذي تنازل عن جنسيته المصرية في مقابل إطلاق سراحه بعد أشهر طويلة قضاها في ظروف اعتقال صعبة.

فيما لا يزال عدد آخر معتقلا حتى اللحظة، من بينهم مؤسسة جمعية بلادي آية حجازي، التي تحمل الجنسية الأمريكية، والتي لاتزال محبوسة إلى الآن منذ اعتقالها في أيار/ مايو 2014 بسبب نشاطها المجتمعي، وأيضًا الشاب الحامل للجنسية الأيرلندية إبراهيم حلاوة الذي اعتقل مع شقيقاته الثلاث إبان حصار قوات الأمن لمسجد الفتح في آب/ أغسطس 2013، حينما كان صبيا عمره 17 عاما، وبعد فترة أفُرج عن شقيقاته فيما ظل محبوسا حتى اللحظة رغم انقضاء مدة الحبس القانونية، ولا يزال الفتى يعاني من ظروف مزرية داخل السجن، تعرض خلالها للتعذيب والاعتداء الجنسي والحرمان من علاج إصابه في يده أدت لإصابته بتشوه دائم، وهو ما دفعه لخوض معركة الإضراب عن الطعام بشكل جزئي وتستمر حتى الآن.

arabi21

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *