زواج سوداناس

أيام بن لادن في السودان وقائع وتفاصيل مثيرة (الحلقة الرابعة)



شارك الموضوع :

في معسكر الدفاع الشعبي يلقي بن لادن عبارة على الكادر الاسلامي عمار أحمد آدم لا تزال ترن في ذاكرته .. أمريكا تحاول شيطنته بينما تزدهر استثماراته في محيط متخم بالمؤامرت

من النيل إلى الجبل (الحلقة قبل الأخيرة)

التاكسي الأصفر الرابض بمطار الخرطوم في إحدى ليالي العام (1991) كان يتفرس في وجوه العابرين، ويرنو إلى شخصية مهمة قادمة من بيشاور، يهبط أسامة من سلم الطائرة بجسد نحيل ووجه ملتحٍ وشعر فاحم مسدل تحت العمامة، وعينين كحيلتين تنعقد فوقهما حواجب كثيفة، طوال ساعات الرحلة كان الرجل يتأمل الأرض من علو شاهق، وقلبه معلق بالسماء، فيبدو له النيل لامعاً مجدولا كالضفيرة، ويشعر كيف أنه سيرتاح أخيراً، بعيد حياة شكسبيرية حافلة بالإثارة، ينبغي الإشارة هنا إلى وجه الغرابة الأول في هذا المساء الخرطومي الموحش، لم يكن أحد ينتظره في صالة الوصول، أبداً، ولم تكن الشوارع كلها مضاءة من العتمة، ولا أحد في الأنحاء غير إمرأة حُبلى جميلة باغتها المخاض. يقضي ضيفنا ليلته الأولى في غرفة باردة بفندق الهيلتون، محاطاً بالحفاوة والألق، مثل كل الأثرياء في العالم، فهو ينتمي لطبقتهم ولا يشبههم! إنه الآن في الـ(33) من عمره، شاباً تقياً وورعاً، يتسم بالصمت المهول، لكنه لم يكن يظن على الإطلاق، أنه سيقضي أعوامه الخمس هنا وصوت العقيد يونس محمود يجلجل في المذياع، وأنه سيتعرض للقتل دونما مرة، وسيعتقل نقطة الضوء طويلاً بجانبه، وسيدمن التخفي، التخفي ببراعة تحديداً، وسوف يصبح في غضون عشرة أعوام الرجل الأكثر خطورة في العالم، والمطلوب رقم (واحد) .

روح وريحان

(دعوني أمت شهيداً في قمة الجبال العالية) لطالما دعا أسامة بذلك، ولطالما كان قلبه معلقاً بالحياة الأخرى، حياة الروح والريحان، لو استقبل الفتى المترف الخجول من أمره ما استدبر ما تخير حياة الدعة، نلمحه الآن في هذه اللحظة وهو يرسل نظراته صوب تلفاز خشبي منتصب على الأريكة، ينطلق نداء (البروجي) في ساحات والفداء من أعلى تل يشبه جبل الرماة، أو يخيل لهم كذلك، كان مطر السافنا الغنية يتدفق بكثافة، يداعب الأرض الطينية اللزجة، وكانت متحركات سيف العبور تزحف نحو الجنوب بدفع مهول، وكانت العيون المتسعة غارقة في الوحل، يترقرق هتاف من حنجرة الشيخ سليمان طه (أمريكا روسيا قد دنا عذابها) تتحدر دمعة من عيني أسامة، لكأنه يعانق المشهد القديم، ولكأن الراية لا تريد أن تنفلت من ضلوع يزيد بن الحارث، والغبار منعقد فوق الرؤوس، يلتقطها جعفر الطيار وهو ينشد (الروم روم قد دنا عذابها) تستهويه هذه المقاربات أسامة، يهز الحنين قلبه فيتوق لزيارة معسكرات الدفاع الشعبي، هل يسمحون له أن يلقي نظرة؟ وما المشكلة! في تلك الأيام كان عمار أحمد آدم الكادر الإسلامي يتلقي تدريبات الرماية في معسكر قريب من الخرطوم، يحكي عمار عن لقائه الأول بأسامة هنالك بعد أن أصاب التختة، قال إنه دنا منه، ربت أسامة على كتفه، وقال له بصوت هامس (ما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) .. لن ينسى عمار تلك اللحظة المحتشدة بالتفاصيل، لن ينساها أبداً، سيظل المشهد برمته عالقاً في ذاكرته.

اللقاء الأول

تتوطد علاقة صاحب (وادي العقيق) بهذا البلد الكبير، لكنه لا يعرف مصيره في رابع أعوامه هنا، أمامه مشوار طويل قطعاً، مرحلة انتقالية ربما، لكن حياته لن تمضي في ما لا هدف واضح، في هذا الرتم المنقبض تنبض سنوات مجيدة، يوشك أن يرى الشيخ الترابي للمرة الثانية، وبوسعه هذه المرة أن لا يختبيء تحت لسانه، في المرة الأولى كان اللقاء عابراً، وكان بالتحديد في مطلع العام (1988)، وقتها ضربت السودان موجة سيول وفيضانات عارمة، ودخل أسامة ضمن وفد سعودي للإغاثة، وكانت البلد المنكوبة تنشد العون، يتذكر المحبوب عبد السلام جيدا ذلك اللقاء في صالون الترابي، وبالتحديد في قاعة الضيوف الملحقة بالصالون، ويبدو له أسامة بسمته الجميل وصوته الهادي وجلبابه السعودي الأبيض الناصع، والشال الذي يكافئه في النصاعة، في الصالون يحكي أسامة عن والده بفخر، وكيف أقنع الملك عبد العزيز أن الطُرق هى الضامن الوحيد لتأسيس الدولة، بعدها سيعلم المحبوب أن جليسهم اسمه أسامة، نعم، وأنه من عائلة ثرية اشتهرت بالمقاولات والبناء، وأنه للمفاجأة من أعمدة الجهاد الأفغاني، والأخيرة هذه تحديداً ينسكب فيها جُل الحديث .

زحمة مناقصات

لأول العهد لم يكن أسامة يفكر في استثمار أمواله إلا في مجال التشييد والبناء، لكنه لا محالة سيدرك أن السلطة الحاكمة مؤرقة بهاجس التمكين، شأنها شأن الدولة المحاصرة بالمخاطر، كما أنها تحارب في أكثر من جبهة، إذن كل ما هو مدخر للمدافعة وحماية الثغور، بعد ذلك سوف يدخل مع الحكومة في اتفاق منصف، يشيد الطرق ويحصل بالمقابل على مشروعات زراعية، وأراضٍ سكنية، وتتنامى أملاكه حتى يكاد يستحوذ على كل شئ، وفي خاطره كونسورتيوم هائلة، تتفرع منها عدة شركات، بعضها سيديرها أبو همام السعودي وشرف الدين مختار، وآخرون، وسوف يحرص أسامة في كل لقاءاته بقادة الحركة الإسلامية على ترديد عبارة واحدة (مالنا هو مالكم وأمرنا أمركم وغايتنا هى إرضاء الله عز وجل) هنا تتحد المقاصد وتختلف النوايا، أول شيك يتبرع به أسامة للحكومة 5 ملايين دولار، وبالمقابل يحصل على اعفاءات جمركية، ويزدحم برنامجه بالمناقصات، بما فيها عقد بناء مطار بورتسودان، وسيكون بطلنا أيضاً ضيف شرف الافتتاح .

ورود وابتسامات

من هنا يأتي الخطر عليه ومنه، رجل مقاتل بلا جنسية، تطارده كل مخابرات الدنيا، بل أنه يشكل عبئاً على الدبلوماسية السودانية التي تنافح عن بلدها، وتحاول جاهدة أن تبريء ساحتها من كل الاتهامات، وفي سبيل تحسين صورتها ليس أمامها إلا أن تتخفف من تلك الأثقال، حتى وأن اضطرت أن تستعين بأمثال الهاشمي الحامدي صاحب فضائية المستقلة ليجمل وجهها. شيئاً فشيئاً تتسع مملكة الرجل الاستثمارية، ولعل أكبر مشروع ينجزه هو طريق التحدي، الذي قص شريط افتتاحه الرجل الأول في الدولة، وكانت ثمة طفلة صغيرة تحمل الورود والابتسامات على طبق مُذهب، ذلك الطريق كان شراكة بينه والحكومة، نفذته شركة الهجرة المحدودة التي يديرها المهندس العراقي (أبو إبراهيم)، وقدر الله له أن يتوقف في عطبرة_ أعني الطريق_ رغم أنه على الخارطة كان موصولا حتى هيا، وبالضرورة لم يكن لدى الحكومة ما تدفع له نظير الاتفاق، تسديد 500 ألف دولار شهرياً، ما يضطرها أن تمنحه مطبعة وادي النيل كجزء من استحقاقاته، بجانب عديد من الأراض الزراعية في النيل الأزرق والجزيرة، يا له من رجل سعيد، حيث يحظي بأعظم ما في السودان، الأرض الخضراء المروية، بإمكانه أن يعمل ويفلح، وبإمكانه أن يستنبت كل غذاء العالم ويملك قوت الشعوب، وقرارها، ويتوطد نفوذه أكثر .

“غريب والغربة أقسى نضال”

بعيد أن سحبت السعودية منه الجنسية بدا أسامة حزيناً وقد استولى عليه الأسى، هو الآن متنازع ما بين أشواقه وهشاشة المسعى البشري، مسعاه لنصرة الضعفاء من المسلمين، غريب وطن وديار، يبحث عن عنوان لهجرته، يبحث عن الخلاص الكبير، يريد أن يبصر النور، لكنه كان يدرك في قرارة نفسه أن أمريكا تعمل على شيطنته، إنه المارد الذي تكفلته بالرعاية، ولا تريده أن ينفلت، ألقت عليه من قبل محبة منها ليصنع تحت عينها، من الأفضل له أن يقبع في السودان، ويكون هادئاً، فلربما تحتاجه في وقت ما، المثير في الأمر أن المخابرات المصرية استأجرت البناية المقابلة لمنزل أسامة في ضاحية الرياض، وحجرت المخابرات الفرنسية بناية أخرى تطل على الجدران الخلفية، بإمكانها أن تلتقط الهمسات بالداخل، وكان العميلان “بيلي واغ و تم كيون” من (السي أي إيه) يطاردانه في شوارع الخرطوم، لن تحتار كثيراً في أن تفض مغاليق حلقة تنسيق بين هؤلاء جميعهم، سيما وأن الطريق تم تعبيده لإبن رجل قريب من أسامة ليتجسس عليه، كان يعمل مصوراً في مؤسسة السحاب للإنتاج الإعلامي، المصور كُشف أمره بعد أن غادر أسامة الخرطوم بسنوات، لو عدنا لتلك اللحظة التي سحبت منه فيها الجنسية، سوف نكتشف أن موجة رسائل غاضبة انفتحت بين البلدين، وقتها كان أسامة يبحث عن شخص متمكن من الكتابة، ليصوغ له بياناً هادئ النبرات يستنكر الفعل، ولا يؤثر في الوقت نفسه على العلاقة بين الخرطوم والرياض .. من هو ذلك الشخص الذي سيكتب بيان أسامة، هل هو أمين حسن عمر، هل هو سيد الخطيب، أم أنه المحبوب عبد السلام؟

توالي الضغوط

في رابع أعوامه تتوالى الضغوط على الخرطوم للتخلص من أسامة، لكن دولة واحدة لا تريده في أرضها، حتى أمريكا التي لم تكن قد هيأت بعد معتقل غوانتانامو، لربما تشعر بأن الرجل الذي تخافه وتراقبه بحذر غير مطلوب لديها، المخاوف تتنامى، تتنامى بشدة، والصحافة الأمريكية تنفخ من تحت الدخان، لعل ألسنة النيران تشتعل. في صبيحة السبت 4 نوفمبر 1995 يسلم السفير الامريكي دون بيترسون رسالة شفاهية شديدة اللهجة إلى وزير الخارجية علي عثمان، أكثر ما تشتعل به تلك العبارة “بناءً على ما تقدم فإنني قد تم تكليفي بتحذيركم” في ظرف ساعات قليلة كانت الرسالة قد انتشرت في دهاليز الدولة واستقرت في بريد الشيخ الترابي، بعدها بأقل من عام ستحط طائرة مستأجرة لتقل بن لادن خارج السودان، ولن يعود مرة أخرى، سنرى كيف يحدث ذلك في الحلقة الأخيرة، وسنطلع على تفاصيل اللقاء المثير الذي جمع سعدون حمادي مندوب الرئيس صدام حسين وأسامة بن لادن في الخرطوم

يرويها عزمي عبد الرازق
اليوم التالي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *