زواج سوداناس

متاهة الرمل


شارك الموضوع :

يحكى أن في أحد نصوصه القصصية المبهرة، المضمنة في كتابه (المرايا والمتاهات)، يسرد الكاتب الأرجنتيني العبقري؛ خوري لويس بورخيس، حكاية تلخص في إيجاز الأسلوبية المدهشة التي أتبعها هذا السارد العظيم في كتابة نصوصه القصصية؛ ونقل عبرها فلسفته حول الحياة ورؤيته العميقة للوجود، كما تعكس في بساطتها المثقلة بالمعنى البعد الترميزي الذي يعتمده هذا (الأب المدهش- للسراد) باستناده على قصص وحكايات تراثية عالمية وكونية يغترف منها ويحقنها بالدلالات وفق نسق حكائي مشوق وجاذب وناجز في مبناه.. القصة المقصودة جاءت تحت عنوان (ملكان ومتاهتان) وتروي باختصار شديد حكاية ملكين؛ أحدهما من الجزيرة العربية – الصحراء، والآخر يحكم مملكة أخرى تقع في (جزر بابيلونيا)، التي على ما يبدو كانت وريفة وغنية بالمياه.
قال الراوي: تروي القصة حكاية ملك العرب القادم من الصحراء في زيارة إلى ملك جزر بابيلونيا؛ الذي بنى قبل مقدم ملك العرب متاهة (عجيبة) ذات سلالم ومداخل سرادبية مضللة، أعجبته كثيرا وجعلها تحديا لكل من يزوره من الملوك أو غيرهم من سادة ذلك الزمان؛ فكان قدر ملك العرب القادم من الصحارى أن يدعوه ملك جزر بابيلونيا، إلى تجريب محاولة الخروج من هذه المتاهة وذلك للتسلية والدعابة ليس أكثر؛ فدخلها الملك العربي وتاه و(راح) يوما كاملا بين سلالمها وسراديبها دون أمل في وجود باب أو مخرج، إلى أن دعا الله مع دخول الليل فيسر له خروجا آمنا، لكنه أحس بالمهانة والإذلال فـ (أسرها في نفسه)!
قال الراوي: تحكي قصة بورخيس (العظيم) ما حدث بعد عودة ملك العرب إلى أرضه في عمق الصحارى، حيث جمع رجاله وجيش جيوشه واستعد لغزو جزر بابيلونيا ومحاربة ملكها صاحب المتاهة العجيبة انتقاما لإذلاله له.. وعبر سرد تشويقي ملذ وإيجاز مبهر لـ(كاهن القص الأكبر) يتم غزو الجزر وهزيمة جيوشها وأسر مليكها؛ وتخريب متاهته العجيبة التي أهانت ملك العرب يوما ما.
ختم الراوي؛ قال: بعد أن هزم مملكة جزر بابيلونيا وتمكن من أسر مليكها، عاد ملك العرب إلى بلاده وبين يديه الأسير، وحين وصلوا إلى صحاريها، قال له: “الآن سترى متاهتي التي لا سلالم فيها ولا جدران” وأطلقه في الرمال الشاسعة، فمات ضائعا في متاهة الصحراء التي لا مخرج لها.
استدرك الراوي؛ قال: في القصة، ما من متاهة أفدح من الطبيعة. في القصة، الحياة هي أصل المتاهات. في القصة رب رمل بلا جدوى هزم أعتى الملوك. في القصة ما فيها وكفى.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *