زواج سوداناس

لماذا يؤيد أهل دارفور خيار الولايات؟..«2-3»



شارك الموضوع :

> قلنا بالأمس، إن خيار الولايات هو الغالب لدى مواطني دارفور، وتبدّى ذلك في هتافاتهم ولدى لقاءات رئيس الجمهورية بهم في عواصم الولايات التي يزورها حالياً، ولا تكاد تسمع ركزاً للأصوات التي تنادي بخيار الإقليم، كأن الأرض انشقت وابتلعت هذه الدعوات، وذاب أصحابها وسط الجموع كما يذوب الملح في الماء، وقد تبقت أيام قلائل على انطلاق عملية التصويت في الاستفتاء الذي يستمر أيام «11،12،13» أبريل الجاري. فثمة سؤال مهم، من أين جاءت وتدحرجت فكرة الإقليم لدى الحركات المسلحة وبعض المشتغلين بالسياسة من أبناء دارفور؟.
> كما ذكرنا فإن دارفور تقوم في تاريخها وتفكيرها الجمعي على فكرة مركزة السلطة، لكنها في نفس الوقت لاحتمل ذلك وفق تجربتها التاريخية أيضاً لأن الكيانات الإدارية والقبلية القائمة كانت تجنح بالمواطنين إلى نوع من الاستقلال والاحتفاظ بالخصوصية المكانية والاعتداد بالأصل والتراب والدار والحاكورة مهما كانت السلطة وتتماهى عندهم سلطة الجولة السياسية وسلطان القبلية وقيادتها الأهلية، والشعور الجماعي بالانتماء لكيان اجتماعي يتحول في كثير من الأحيان إلى ظاهرة سياسية.
> ففكرة دارفور كوحدة سياسية واحدة تسيطر عليها النخب السياسية وتمتطي ظهر الانتماء إليها في الإطار القومي، تمثيلاً لها والتحدث باسمها وتوظيفها، ظهرت منتصف الستينيات عندما أعلنت لأول مرة منظمات سياسية إقليمية جهوية هي منظمة (سوني، واللهيب الأحمر)، ثم (جبهة نهضة دارفور)، وكانت هذه التنظيمات تضم طليعة طلاب الجامعات والخريجين منها من أبناء دارفور، وجمهرة من المثقفين الرافضين نوعاً ما للأحزاب السياسية القومية خاصة التقليدية منها، كما أنها كانت متزامنة من نشوء المؤتمر القومي السوداني وتنظيمات أبناء جبال النوبة مثل (كومولو) في جنوب كردفان، وتنظيمات أبناء شرق السودان خاصة (مؤتمر البجا) وجماعات سياسية أخرى، وكلها كانت تمثل ظاهرة أو قل موضة صنعها الاهتمام الدولي والإقليمي بقضية جنوب السودان في ذلك الوقت.
> ولعل المنظمات التي ظهرت في دارفور وكانت تنادي بحقوق المنطقة وتخلفها التنموي وإهمالها، هي الجذر التاريخي للحركات المسلحة التي ظهرت في العام 2002م وبرز نشاطها العسكري للعلن في 2003م، وانطلقت في ذات الفضاء المكاني الذي ظهرت فيه تنظيمات اللهيب الأحمر وسوني وجبهة نهضة دارفور، غير أن هذه الأخيرة لم تتحول الى عمل مسلح، بالرغم من أن الدكتور علي حسن تاج الدين السياسي المعروف في حزب الأمة وأحد ناشطي جبهة نهضة دارفور في الستينيات من القرن الماضي عندما كان طالباً ثم خريجاً، أفاد قبل سنوات قليلة وهو في خريف العمر، إنهم في تلك الفترة فكروا في العمل المسلح وخططوا لانقلاب عسكري ثم تراجعوا عنه.
> نبعت فكرة الإقليم وتبني قضيته وجعلها وحدة عضوية واحدة في حقبة الستينيات، وظلت موجودة في العقل السياسي الدارفوري، واتعست بقوة مرة أخرى في انتفاضة دارفور الشهيرة في العام 1980م ضد قرارات جعفر نميري بتعيين الطيب المرضي حاكماً على إقليم دارفور عند إعلانه، ورفضاً للفكرة التي سبقت إعلان الإقليم حيث كانت تجري الترتيبات لإقناع جعفر نميري بجعل كردفان ودارفور إقليماً واحداً تحت مسمى الإقليم الغربي، ولم يأبه نميري للفكرة وجعل دارفور إقليماً وثار أهل دارفور ضده في تظاهرات عمت المدن المختلفة حتى تراجع وعين أحد أبناء دارفور أحد المتحمسين لفكرة جبهة نهضة دارفور في الستينيات وزعيم المعارضة في الجمعية التأسيسة الأخيرة قبل انقلاب مايو 1969م السيد أحمد إبراهيم دريج، وقد وجد تعيين دريج حماساً وتأييداً لم تشهده دارفور من قبل، وبدلاً من أن تكون فترة دريجة تعضيداً وتدعيماً لفكرة الإقليم، فقد كان سلوكه السياسي وإدارته الشائهة للإقليم سبباً في تضعضع فكرة الإقليم لدى المثقفين والسياسيين من أبناء دارفور، وتنسب الصراعات السياسية والخصومات بين نخب دارفور المتعلمة الى تجربة الحكم الإقليمي وما علق بها من تشوهات وأخطاء فادحة، ويعد السيد دريج المسؤول الأول عن عملية الإجهاض ل لجنين الأقليم، وبدأت الفكرة من الناحية الموضوعية والعملية تضعف ويثور حولها اختلاف بائن، في نهايات أيام مايو وفي عهد الديمقراطية الثالثة ومطلع سنوات الإنقاذ الأولى حتى إعلان نظام الحكم الاتحادي في العام 1994م، والغريب أن الدكتور علي الحاج الذي ولد على يديه نظام الولايات الحالي عندما كان وزيراً لديوان الحكم الاتحادي، كان من أبرز الوجوه التي عملت في فترة الحكم الإقليمي وشارك في حكومة دريج ونافسه في انتخابات حاكم الإقليم على أيام مايو، ولعله يعرف الكثير عن صراعات تلك الفترة كما أنه عليم لا يضاهي ببويضة فكرة (الإقليم) التي خصبت في الستينيات من القرن الماضي، لأنه كان واحداً من الداعمين لأفكار جبهة نهضة دارفور والتنظيمات الجهوية آنذاك وكان يومها فتى غض الإهاب وفي شرخ الصبا ..!
نواصل…

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *