زواج سوداناس

نفيسة أحمد الأمين.. رائدة العمل النسوي في السودان “1-2” حكايات من أمدرمان وودرملي



شارك الموضوع :

(حربيابية عبادية) من جهة الأم وجعلية من قرية ود رملي من ناحية الأب، أم درمانية، ولدت وترعرعت وسط حي السوق شمال شرق نادي الخريجين، نقية الروح جميلة الخُلق والأخلاق، رغم أن الجدية والصرامة تبدو على ملامحها إلا أنها تحمل بين جنباتها قلباً طيباً ورحمة ومودة.
د. نفيسة أحمد الأمين امرأة من الزمن الجميل، إحدى صانعات تاريخ المرأة السودانية ورائدات العمل النسوي اللاتي وضعنّ البذرة التي أنبتت (النائبة البرلمانية والوزيرة والسفيرة)، ووقفنّ ضد العادات والممارسات السالبة التي طالت المجتمع السوداني حتى نهضنّ بالمرأة وشهدنّ تطورها في التعليم والعمل، حزنت وتألمت عندما شهدت التغيرات السالبة التي توسعت أفقياً وسط مجتمعنا الذي كان مشهوداً له بالكرامة والمروءة والنخوة، فماذا قالت؟

نعيش كما يعيش الناس
بالرغم من أن المجموعات الثقافية باتت غير مهمة لكن تداخل أسرتها القبلي وأصولها القروية كان لها الأثر الكبير على حياة نفيسة الطفلة التي لم تتخطَّ مرحلة الكُتاب بعد، قالت: “لأن حياتنا في الخرطوم وفقاً لعمل والدي في السلك القضائي، كنا نقضي إجازتنا السنوية بقرية ود رملي ونعيش كما يعيش الناس هناك، حتى أنني لحظت الفرق الكبير بين الحياة في أم درمان وحياة الناس هناك، ولأننا كنا نذهب برفقة ابن عمنا الوسيلة محمد الأمين، لدى عودتي من أول إجازة سألت أخي أمين الذي تولى أمر تربيتي بعد وفاة والدي، لماذا تختلف حياتنا في أم درمان عن حياتهم؟ “ما هم ناس زينا”. وأضافت: “فلم تكن مياه ود رملي تمر عبر مواسير ولا توجد كهرباء، لا مراحيض وطاحونة عيش ولا طرقات إسفلتية ولا قابلة قانونية لا مستشفى لا شفخانة لا نقطة غيار، يتحرك الأهالي باللواري، وتجلب الفتيات الحطب من خشم البحر وبالمحراكة يطحنّ العيش، ومن البئر يجلبنّ المياه، وتقضى الحاجة خلف أشجار العُشر، حياة مختلفة لم أعهدها”. ومضت قائلة: “أذكر وأنا طفلة كانت زوجة عمي توقظنا قبل الفجر مع النباه الأول حتى نقضي حاجتنا وتقول لنا قومنّ يا بنات أمرقوا قبل الرجال”. لم تنتهِ المشاهد التي هزت نفيسة عند هذا الحد وقالت: “وفاة ابنة عمي التي تعثرت ولادتها ولم تستطع داية الحبل إنقاذها وإخراج الجنين، ونقلت بلوري من ود رملي إلى مستشفى الخرطوم، حيث ماتت وجنينها ببطنها أكثر المواقف التي هزتني في بداية شبابي”.

مدارس للصبيان
ولأن البيئة والأحداث التي تحدث في الطفولة تؤثر في تفكير الشخص وتركيبته النفسية، كان انعدام العدالة مدخلها للعمل العام والطوعي في ذلك قالت د. نفيسة: “ولأنها كانت شغلي الشاغل تأسست قناعتي إذا لم تتعلم المرأة وتعمل لن تتطور هذه البلد ولابد من ذلك، سيما في ظل مجتمع يؤسس للتفرقة بين البنت والولد”. وأضافت: بالرغم من أن أسرتي كانت منفتحة نسبياً إلا أن تفضيل الأولاد على البنات كان واضحاً (وش الملاح للرجال)، الشاي أول الرجال حتى على مستوى الغناء كنا نغني لأم درمان، ونقول: بلدنا بلدنا أم درمان أحلى بلدة في السودان فيها مدارس للصبيان كهربا نورا بلا دخان الطرماي للكسران شارع الزلط للعميان، واستوقفتني كلمة (فيها مدارس للصبيان) ذهبت مرة أخرى لأخي، وسألته “ليه يقولوا مدارس للصبيان ما للبنات”، قال مفسراً: “الصبيان قصادا صبايا”. وتابعت: “حتى أولئك الصبيان لم تخصص لهم مدارس في ود رملي ويذهبون للدراسة في مدارس الجيلي”.

مجتمع انفصالي
كان المجتمع في ذلك الوقت محافظاً وانفصالياً يأكل الرجال بمعزل عن النساء، وعلى مستوى المنزل هناك باب رئيس للرجال وآخر صغير خلفي للنساء سُمِّي (باب السر)، ومن الداخل قسم لديوان الرجال وبيت النساء، يفصل بينهما (باب النص)، وفي كل جزء منهما مرحاض وحمام ومزيرة خاصة، وهناك زائرة صحية تهتم بالسيدات وزائر صحي يتفقد نظافة المراحيض والأزيار، أشارت د. نفيسة إلى أن الأسر تحرص على نظافتهما وتخصص مطهر الفنيك للمراحيض وتُحك الأزيار بحجر الحيمور ويغطى بقماش من الشاش الخفيف أو الكرب الأبيض. وأضافت: كانت هناك أمية أبجدية، أما الآن توجد مظاهر أمية حضارية في الحياة. وعلى مستوى الأحياء تقول د. نفيسة إن التكاتف والتراحم والتعاون كانت السمة السائدة، وود الفريق أخو البنات يحميهم ويساعدهم وكانت الأسرة الممتدة التي صغرت الآن و”اتفرتقت”، فضلاً على أن احترام الكبار قيم يجب أن لا تندثر. وفي المأتم يقولون “ناس فلان نارهم مضلمة”، فتصنع نساء الجيران الطعام. وتابعت: كانت الصينية تحتوي على أطباق بسيطة كسرة أو عصيدة وملاح، حتى صارت مضرب أمثال حينما تكون صينية الغداء متواضعة، يقال “الليلة صينيتنا زي صينية بيت البكا”. ويرجع ذلك لخلوها من المشاوي وفتح شهية. وأردفت: مآتم اليوم أصبحت (ميتة وخراب ديار).

الحداد
وأضافت: “المرأة في بيت البكا تمشي حافية وتكشف رأسها تنوح وتهيل التراب عليه، ويشيل الجيران الوسخ مع أهل البكا”، وقالت مفسرة: “أي لا تغسل الملابس أو ينظف بيت في الحي إلا بعد أن يتم ذلك في بيت البكا، كانت عادات ضارة إزالها الوعي والتعليم”. وقالت آسفة: “حلت محلها المبالغة حتى صارت هناك حنة وثوب بيت البكا”. وأضافت: “هذه سوالب التحضر، وهذا الحديث لا يعني التنكر للقيم ومحاربة العادات الضارة لا يعني حدوث العكس، كل ما نحتاجه نساء واعيات ومثقفات ومتعلمات حتى لا يصل التطور مرحلة الضد ليصبح سلوكاً سالباً علينا محاربته”.
نفيسة أحمد الأمين رائدة العمل النسوي في السودان

زهرة عكاشة
صحيفة اليوم التالي

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *