زواج سوداناس

عبد الله الشيخ : أُسامة الطّويل



شارك الموضوع :

أُسامة أحمد موسى: كان طويلاً ومسافراً على الدوام..توسّد قبل سبع سنوات، قبراً في الدوحة.. كلماته الأخيرة لي وهو على فراش المرض كان معناها، أنه لم يزل، يذكر أيام زمان.. وأنا كذلك..ما نسيت..!
تسللنا من هذه المحطة التي لا أعرف من صاحبها الآن.. كمساري أشيّب بنظارة سميكة أفرد لنا قمرة في القطار، ودسّ في جيبي الميدان السرية، ثم عاد في الليل وأدخلها في ورق النبطشية.. لا أدري، كيف عرف أننا (زائغان)..؟
هذا قطار حلفا في العيد..لا مكان لك فيه إلا إذا رَطَنْتَ..اقتسمنا في محّطة أسوان، زجاجة الميرندا..وكنا نغني على سطح الباخرة ساق النعام: (الطيور الراحلة في ضُل المسا، تسأل عليك..كيف تفارق الضفّة والنيل….)..؟
الباخرة في بحيرة ناصر تتكدس بالتسالي والكركدي، ببنات الجالية، ودخاخين المدخنين.. يتذكر الإنسان ما يشتهي.. ويموت على ما عاش عليه… كان شديد الولاء لآخر سورة الحشر.. يتقرفص ويقرأها بين هرج المازحين والعابرين وأبناء السبيل.. بيوت السودانيين في القاهرة مثل علبة كبريت.. عشنا سوياً في شقة بشارع المنيل، جوار سينما فاتن حمامة.. جلس على بابها عجوز أسمر، من بقايا الهجانة الذين شربوا رطوبة القاهرة.. إلتوى لِسانه كما تلتوي الاستراتيجيات حين يدلي بها التنفيذيون في الجلسات الافتتاحية.. لا أسمع منه الآن، إلا كلمة :(حاضر يا بيه).. كان قليل الكلام رغم كونه معاشي..!
ربما كان يتحاشى الكلام.. فالسودانيون في القاهرة لا يعرفون إلا الأمنيات الخائبة للتجُّمع الوطني الديمقراطي..! زرنا سوياً مصطفى سيد أحمد في عين شمس..كان طروباً، لا يدخل اليأس إليه..في الطريق إلي مصطفى ـــ مُغني الرحيل في الليل ـــ ومن أبواب مواربة رأينا لحى الجماعات السّلفية التي كانت تتخذ من نواحي محطّة الملِك الصالح مُشرعاً لها.. رأيتهم يتركون الباب مفتوحاً، بل مُوراباً ..يستقبلون القبلة ويأكلون..ثم يوصدون أبوابهم على تلك الذخيرة، التي أرى آثارها على الجدران.. يا لهول الغريب في القاهرة.. يا لهول القاهرة علي غريبٍ هربَ من لِحى الخيل، التي زحفت إلى النياشين والرتب، ليجدَ نُسَخاً من تلك اللِحى أمامه، وإلى جوار مغني الزّمان..!
طفرّتْ دمعة في عينيه، حين كان مصطفى سيد أحمد يغلي بأغنية تقول: (أغني الناس الما بتسمعني.. المنِّي بعيد.. والمُبعَدْ عنِّي)..
شطر المغني قلوبنا..!
في اليوم الأول في شوارع القاهرة كنت على موعد مع الموت..وقعت من أتوبيس لا يقف على محطات السفر إلا غمضة عين.. ربت على كتفي.. واستعدل نظارتي، ومضينا سويّاً إلى محطة الملك الصالح..ركبنا المترو سوياً، وكان ساعتها يقرأ الشعر..كان يقرأ قصيدةً أهداها للمغني لم يسمعها أحد.. لقد مات المغني في الدّوحة ، ومات الشاعر في ذات المكان، و تغيّرت معالم البيت الذي آوينا إليه ليلة السفر..لا أجد الآن من أعزيه في فقيدي.. و كيف أعزي نفسي بنفسي..؟
“يا بالله، كيف النارَ تُطفئ النّار..؟
افترقنا..!
لامسَتْ كفي كفه في ميدان الوداع ــ الدّوحة ــ وافترقنا..
جاءني صوته قبل سنوات، متهدجاً جداً..
ودّعني، ودّعته، انتهى الأمر.. كفن من طرف السوق، وشبرٌ بالمقابر…أيّها الناس..أقرأوا شيئاً من القرآن على روحه الطاهرة، وعلى روح المغني.. تذكروا جيداً، أنّ أسامة أحمد موسى، رحل بعد أن كتب أشعاره، ولم يطلق رصاصة واحدة، وما تزال كادوقلي الخضراء تنتظر أن يعود إليها.. شوارع أم درمان تنسُج في الضحى شبالاً يكشح صورته التي لا تفارق..
يرحمه الله..
كان طويلاً جداً..كنت أناديه بـ (أُسامة الطّويل)..ولم استدرك أنّ عمره قصير..
رحمه الله على روحه التي استحالت إلى زهرة في الهضاب..!

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *