زواج سوداناس

فن الذاكرة والموازنة بين الأدب والتاريخ في كتاب الدكتور عبد الله الطيب ( من نافذة القطار )



شارك الموضوع :

عزالدين ميرغني
إذا اتفقنا بأن كتاب ( من نافذة القطار ) , هو كتاب سيرة ذاتية , وأن السيرة الذاتية هي فن التذكر الأول , فالكتاب , يؤكد دون شك هذه المقولة النقدية العلمية عن سيرة العلامة الراحل عبد الله الطيب . فالذاكرة هنا متقدة وواضحة وجلية . وهي في نفس الوقت كتابة انفعال وتفاعل بين الماضي , وبين الحاضر . فقد استطاع العلامة الراحل في هذه السيرة أن يجتلي ذاته , لمعرفتها بقدراتها واكتشافها لحدوده في هذه الفاعلية الحاضرة في الآن الحاضر . ( رحم الله أمراء عرف قدر نفسه ) . وقد اكتسب التحرر في هذه السيرة , وخاصة من قيود الحاضر , لكي يحكي بكل حرية عن الماضي , لأنه على ثقة بحضوره الفاعل الآن في هذا الحاضر .
وكما يقول الدكتور جابر عصفور في كتابه ( زمن الرواية ) , ( إن اللحظة التي تدفع فيها الأنا إلي التأمل في ذاكرتها كما لو كانت تتأمل حضورها في مرآة منقسمة إلي ثلاثة ذوات : ذات فاعلة للتأمل , وذات منفعلة به , وذات موضوع هي مفعول لنفسها . ) . إن ( الأنا ) , في هذه السيرة , لم تكتب ذاتها وهي متضخمة , وهي ذات منفعلة وواثقة من قدراتها ومن وجودها الفاعل في الحاضر . بل شبه مطمئنة بهذه القدرات على المستقبل . لذا كتب الدكتور عبد الله الطيب مذكراته مبكراً , كي تشهد على نتاج الحاضر والتبشير بالمستقبل . تلك الأنا كانت منذ بواكير شبابها تعتبر ( الجهل قبحاً حتى ولو كان عند المتسيد والمستعمر الأوربي ) . فيقول في ذلك : { أليس من الذِلّة والقلة والضيم المحزن , أن يخبرنا هذا الغبي الفدم ْ , أننا غداً موفدون إلي بلاد صقيعها منهمر , وبردها يصل إلي العظام , وترعد منه الفرائص , وهي تحت الصوف السميك , أليس من الإهمال والخذلان والجهل والبلادة , أن يكون مثل هذا الخروف قيماً علينا } .
إن أول ما يلفت النظر في هذه السيرة الذاتية , أو هذه المذكرات الشخصية , هو ما يعرف بضربة البداية , أو الاستهلال , ويمكن أن يدخل بجدارة في فن تحفيز البداية . فينكشف لنا فلسفة العلامة عبد الله الطيب الفكرية وتكوينه النفسي . فهو يحب الحياة ويحتفل , ويحفى بها . فكل عقبة فيها لها حلها , وكل شيء فيها هو خير من الموت . فيقول في هذا في فلسفة عميقة : { موت يقطع الأسباب , ويجعل بين المرء ودنياه التراب , لا شيء أفظع من الموت , ولا شيء أحب من الحياة } . لقد اقتربت الذات عند العلامة عبد الله الطيب من نفسها كثيراً , وليست بواسطة غيرها . فقد اقتربت من حقيقتها الموضوعية , وعرفتها , لأنها قد وعت أسباب الحياة ونعمة الوجود . وعرفت بأن مفتاح قوتها , ليس في ثراء مادي , أو قوة قبيلة ونسب , وإنما في الموهبة العلمية والثقافية والأدبية التي تمتلكها .
فقبل أن يذهب مبعوثاً إلي إنجلترا , كان يعيش حياة فقيرة ومتواضعة , يسكن في حجرة من الطين , يقول عنها في كتابه ( من نافذة القطار ) ….. { في حجرة من طين بائسة , ليس فيها نافذة ولا أثاث , جدران وسرير كالجدران , وغبار ملء الفضاء , يتسرب من كل مكان , إلي كل مكان , وكأن أديم المرء يُدْبِغْ , وكأن نفسه تُخْنَقْ .. } . لقد استطاع العلامة عبد الله الطيب , والذي كانت بداياته , سابقة لزمانه , في أن يباعد نسبياً بين الذات والأنا والموضوع , بحيث ذاته , إلي ذات , { فاعلة للتأمل } , وإلي ذات , { ومفعول به } , و{ منفعل به } . فهي بهذا الثالوث تؤكد حضورها الفاعل في زمنها , والذي هو زمن الآخرين ولكنه يختلف عنهم . لقد استخدم الكاتب في هذه المذكرات , ذكاء الكتابة , والتي امتاز بها طول حياته . وهذا الذكاء هو مفتاح شخصيته الأدبية , من أول مؤلفاته وحتى آخرها . وهو دليل العبقرية والتفرد عند كل عظماء الأدب والكتابة . لقد استطاع بذكائه أن يحول ضمائر الخطاب وينوعها , في كتابه هذا { من نافذة القطار } , وذلك لكي تبتعد الأنا فيه , من الدفق الانفعالي المباشر , أو التضخيم غير المحمود لهذه الأنا , بل ابتعدت به عن رتابة السرد التقريري الخبري . وفي هذا أجاد الدكتور طه حسين في كتابه المشهور والذي يعتبر من السير الذاتية الرائعة في الأدب العربي الحديث { الأيام } , بحيث أتاح لضمير الغائب المعلن , أن يكون بديلاً لضمير المتكلم المضمر . وقد أتاحت له هذه التقنية السردية الحديثة , لصاحب السيرة , في أن يتحدث عن نفسه كأنه يتحدث عن غيره , بحرية الراوي العليم كما في الرواية الحديثة . وفي هذا تحييد لجموح الأنا وكبحها من داء النرجسية والذات البالونية المنتفخة . فحتى يبعد الذات الساردة لماضيها عن كل هذه التهم , فهو يلجأ إلي ضمير { النحن } , فيقول { جاءنا أحد الوجهاء } , ويقول : { ذهبنا إلي مقهى ليلي بالقاهرة } , ويقول : { فندي الزنا يعنى شنو ؟ وضحك الأولاد , وكان المدرس أباه } , ولم يقل مفتخراً , كان المدرس أبي . ويرمز لنفسه أيضاً بحرف العين .
إن الذات في هذه السيرة الذاتية , والمضمرة في أغلب الضمائر , تنقسم إلي ثلاثة أقسام , أولهما ذات متأملة , تسترجع بحميمية , ذاكرة الطفولة حيث مكان المنشأ , والميلاد , والحياة الأسرية , بلغة ذات وصف قوي وبليغ . والذات الثانية هي ذات منفعلة بالماضي , والذي تعتبره زاداً وقوة دافعة . وكلما تتذكره , فكأنها تراه الآن , فهي ذاكرة متقدة وذكرى دائمة وحية . وذات فاعلة , فهي تضيف إلي الذاكرة , الثقافة والمعرفة الموجودة والمكتسبة في زمن الكتابة { كتابة هذه السيرة أو المذكرات } . فهي تفحص , وتنتقد , وتسخر , وتقارن , وتستشهد , بتراث مكانها الأصل , وثقافته المتمثلة في حكم الكبار ورؤاهم , قديماً , وحديثاً . وفي محاولة الدخول بما يسمى بالتحليل النفسي للأدب , فيجب أن نحلل دوافع الكتابة المبكرة لهذه السيرة الذاتية . ونحلل محفزات الأنا الساردة لذكرياتها , بوعي الحاضر , وذاكرة الماضي المتقدة . فهي أولاً : ليست كتابة تاريخ فردي , لشخصية منعزلة عن الآخرين . فليست هنالك بطولة فردية وذات مغترة بأفعالها الماضوية . وثانياً : فهي ليست توثيقاً تاريخياً , لأحداث عامة , فليست هنالك بطولة جمعية . للماضي تحدث عنه النص . فهي كتابة ذات , وجدت نفسها في مكان غير مكانها , وثقافة غير ثقافتها , ومجتمع غير مجتمعها . وهذا التضاد هو الذي ولّد عند الكاتب في إثبات وجوده وذاته في هذا المكان والثقافة المختلفة . وهذه المذكرات , لا تعتبر بكاء , أو انغلاقاً وانكفاء على الذات , أو بحثاً عن المكان الفاضل , ولكنها كتابة تعلن بأنه ابن الحاضر الذي ساعد في رسوخه وثباته ذلك الماضي الذي يفتخر ويعتز به . وذلك المكان والذي رضع ثقافته وتراثه والذي جعل أساسه قوياً متيناً . هذه الثقافة التي جعلته يتقبل الثقافة الأخرى ليس بقبول الخانع والقانع , وإنما الآخذ بثقة لها دون أن تغير قناعاته بما يملك من معرفة سابقة . فالثقافة الجديدة ستضيف إلي ما عنده , ولن تخصم منه شيئاً . كما فعلت مع غيره من مجايليه ومن غيرهم , وكما زالت تفعل حتى الآن . وقد كانت هذه الذات ممتلئة ومحصنة بثقافة وتربية دينية , فقهية وصوفية , وأدبية . ومكان ضاربة جذوره في الحضارة والتاريخ . …. وإذا كانت السيرة الذاتية , كما يقول علماؤها ودارسوها , لا تخلو من خداع , أو بطولة زائفة , أو إدعاء كاذب , فإن أول ما ينفي عنها ذلك ويبرئها من الغرض الشخصي , أنها ليست تاريخاً شخصياً محضاً , فأنت لا تعرف من صاحبها غير مكان وتاريخ الميلاد , وأنه ابن معلم عادي جاب أغلب أصقاع الوطن الفسيح الرحيب . فحتى يخرج من فخ التزييف أو الإدعاء الكاذب , فهو يلجأ إلي التحقيق والتحقق فيما يقوله , وفيما يستشهد به , فله مرجعيته وله مراجعه , التراثية والثقافية . والذاكرة الجمعية للمجتمع , الشاهد الأول في ما قاله وذكره . وإذا كان علماء السيرة يقولون بأن صاحبها وكاتبها وموثقها , من شهود الإثبات التاريخي ومن صناعه , والذين شاركوا في أحداثه , فهو بذلك يكتب دائماً عن ما يوافق هواه , فإن العلامة عبد الله الطيب , قد حرص كل الحرص , على أن يكتب ما يوافق هوى الآخرين , ولذا فقد كان محفزاً لهم وللقارئ منهم بعدة محفزات منها : التحفيز الثقافي , ومنه الاستشهاد بالشعر والحكمة والمثل . ومنها التحفيز الذاكرة الطفولية المشتركة والمماثلة , وهي ذاكرة الطفولة , في الخلوة والمدرسة واللعب في الأحياء . ثم التحفيز المكاني , في تراثه وفولكلوره وأغانيه القديمة . والتحفيز اللغوي , فقد كتب بلغة القدامى ولغة المحدثين , بل حتى لغة العامة . وهنالك التحفيز المعرفي حيث التدقيق والتمحيص فيما قاله وذكره ومطابقته لما عند العامة والخاصة من معرفة مكانية وتراثية ثقافية . وتحفيز الرجولة والهمة حيث يذكر في إحدى حكاياته قائلاً : { وصلنا واترلو , وإذا بنساء ضخمات , يدفعن أمامهن عربات صغيرات , قيل لنا هؤلاء عتالات , لن والله يطلب من إحداهن أن تحمل شنطته فيسمع أهله الشوس بالسودان أنه استأجر عتالة ( ستاً ) , لتشيل له شنطته يا للعار } . وهنا استخدم اللغة العامية السودانية حتى تصل إلي وجدان القارئ السوداني سريعاً .
لم تكن كتابته في هذه السيرة الذاتية , كتابة منظور لحظوي ماضوي , انتهى , ولكنه قد صاغها بمنظور فكري , وثقافي , وتربوي فلسفي , ورؤيوي , لحياة زاخرة , في الحاضر ومبشرة بالمستقبل الزاهر . وقد كانت نبوءته لمستقبله صادقة فقد تحققت . وقد كان منظوره هذا منفتحاً , وليس منغلقاً , على كل الثقافات والأديان , فقد كان يستشهد بالإنجيل كما كان يستشهد بالقرآن . { إذ مباركون الضعفاء المتواضعون , لأنهم سيرثون مملكة السماء } . أما منظوره الفكري , فهو محاربته العميقة لآراء المستشرقين , ومن ثم تفنيد آرائهم المتحاملة ذات الغرض والمرض على الشرق وعلى الإسلام . وقد سبق إدوارد سعيد في هذا . وتواضعه جعله يكتب عن الآخرين , كما يكتب عن نفسه , وعن مشاركة الآخرين له في الثقافة المكانية الخاصة والعامة . وعن التربية الخاصة والعامة المشتركة . وهذا ما جعل كتابه ( من نافذة القطار ) , كتاب سيرة ذاتية وسيرة غيرية , وسيرة عامة يتشارك فيها العامة في الثقافة المكانية والتربية المجتمعية .
إن هذه السيرة الذاتية , والتي صارت مميزة في تاريخ السير السودانية , قد تجاورت فيها الدلالة الأدبية , مع الدلالة التاريخية , بتوازن , بحيث لا يطغى الفردي على التاريخي , كما في سيرة , أحمد فارس الشدياق الشهيرة { الساق على الساق } . وكما في سيرة رفاعة الطهطاوي رافع الطهطاوي { تخليص الإبريز } , وفي سيرة طه حسين في كتابه { الأيام} , وكتاب { حياتي } , لأحمد أمين . فقد تغلب الأسلوب الأدبي على الأسلوب السردي الحياتي . فأغلب هؤلاء ينبني التاريخ ويتأسس بواسطة الكتابة والأسلوب الأدبي , والقليل منهم ومنهم العلامة عبد الله الطيب في كتابه { من نافذة القطار } , بحيث يكون الأدبي ينبني بالتاريخ الشخصي والتاريخ العام . ويتجلى ذكاء الكتابة وعبقريتها هنا , في حفظ التوازن بين الأدب والتاريخ , { الأسلوب الأدبي والمعلومة التاريخية } . بحيث يكون الأسلوب اللغوي الأدبي هو الوعاء الجميل الذي يحمل الشكل التاريخي والتوثيقي بداخله . فلغته ليست مدرسية جافة , أو قاموسية صعبة , وإنما بصمة الكاتب الأسلوبية كانت واضحة وجلية في دقة التسجيل والوصف والتنقل في الأزمنة . فقد ابتعدت عن التعميم , حتى لا تكون مبتسرة , وعن التحليل , حتى تبتعد عن الوصاية الأكاديمية . فقد كبها بأسلوب يوازن بين لغة السرد التاريخي للماضي , وبين المحافظة على لغة الكاتب الرصينة والفخمة والمميزة .
ولو أردنا أن نقارن بينها وبين سيرة { بابكر بدري } , والتي سبقتها , زماناً , واختلفت عنها ثقافة ومكاناً , فإن سيرة الراحل { بابكر بدري } , يتغلب فيها التاريخاني على الأدبي . فهي سيرة مشارك في صنع التاريخ الذي يوثق له . فالأنا عند بابكر بدري هي أنا فاعلة , وليست منفعلة بالتاريخ . فهي تؤرخ لنفسها , ولغيرها , فهو صانع للتاريخ , ومدون لأحداثه . فهي تعتبر سيرة تحقيق , أكثر من أنها سيرة تخييل . فالقيمة الأدبية لكتاب من { نافذة القطار } , هو أنها استطاعت , أن تخلق من الواقع الشخصي والفردي العادي , أدباً وجعلت للنص قيمته الأدبية أكثر من القيمة التاريخية التي بداخله . وهذا ما يجعل النقد , يضيفها أو يدخلها في مسمى ويجعلها تحمل بطاقة { رواية السيرة الذاتية } . ومعروف بأن رواية السيرة الذاتية , هي التي تنطوي على حياة كاتبها الشخصية , كلها أو بعضها , وتكشف في نفس الوقت على وجود دلالة إنسانية عامة . وهي بذلك فتحت لنفسها كنص له راويه , على عدة تقنيات ومسميات سردية , فهي من الممكن أن تكون : { رواية سيرة ذاتية } و { رواية مرحلة } و … { رواية تكوين } , و { سيرة نصية } و { سيرة مجتمعية } ويجعلها تحمل عدة تقنيات وفنون سردية منها : { فن السرد الاستعادي } , و{ فن كتابة الذاكرة } , أو { فن استدعاء الماضي , والمخزون الثقافي والفولكلوري واللغوي } .
لقد وظف العلامة عبد الله الطيب , اللغة وطوعها , حتى تكون الفصحى في خدمة القص والسرد , وليس الوصف فقط . وقد أصبحت مرجعاً لم يريد أن يسرد ويكتب الرواية والقصة بهذه الفصحى . فقد كتب سيرته الذاتية بجماليات السرد والنثر , والشعر . ثم فن الوصف الدقيق للشخصية فقد أعطى شخصيته وشخصية غيره بطاقتها المميزة والمجسدة في داخل هذه السيرة الرائعة . كما أعطاها بعدها الإنساني العميق , بعيداً عن شخصية الأفندي المتعجرف والعائش في برجه العاجي كما أراد له المستعمر ذلك . ولقد استخدم في سيرته هذه تقنيات روائية حديثة أخذت من الفن السينمائي من ما يدل على معرفته بالجنس الروائي واستفادته منه كتقنية الرجوع والعودة والاستباق , بطريقة محكمة لم تجعل النص يفقد توازنه الحدثي والتاريخي . لقد أفلح قبل كل شيء في اختيار العنوان والذي يجعل الحياة قطار يمر ومن بداخله يستطيع أن يرى ما هو أمامه ويسترجع من تلك النافذة ما مر به , وأن يشحذ بصره ليستطلع من بعيد ما سيمر به .

ألوان

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *