زواج سوداناس

الحنين إلى المدرسة


شارك الموضوع :

# برغم الإجازة المدرسية لا يسعني سوى الاستيقاظ المبكر, ربما لأن ساعتي البيولوجية مضبوطة على هذا التوقيت كوني أصبحت (مبرمجة) وفق التزامي كأم تجاه رحلة أبنائي الصباحية اليومية طلباً للعلم في مختلف مراحله وأماكنه.
أشعر بفراغ صباحي باكر لا تجدي القراءة ولا الكتابة ولا الجلوس إلى (النت) في هزيمته, فلا أزال أجد متسعاً من الوقت للتفكير والقلق و(السرحان), وكثيراً ما أضبط نفسي متلبسة بنسج حكايا طويلة من خيالي الخصب لا أملك حيالها سوى التنهد والابتسام وأحياناً السخرية من حالي وأحلامي اللامنطقية.
هذا الصباح.. أخذني خاطري بعيداً وأنا أستعرض سنوات عمري الماضية وهي تتجاوز الثلاثين قليلاً, تساءلت بصدق دون أن أنتظر الإجابة: ترى كم تبقى لي من العمر؟ وهل سيكفي لأحقق لأبنائي الأمان المطلق لمستقبلهم وأعينهم على الصلاح والنجاح؟؟. وفكرة الصلاح هي الفكرة التي تؤرقني أكثر، كونها أساس النجاح الحقيقي فأخشى ما أخشاه أن أكون قد ساهمت في خروجهم للحياة وأسلمتهم للشيطان.. إنني بالفطرة أتمنى لهم واقعاً أفضل مني في كل شيء بما فيه الجنة الخالدة التي أرجو أن أعينهم على أسبابها والسير على الدرب المؤدي لها.
# إنني لا أخشى الموت.. ولكني أبكي كلما تخيلت أبنائي يتجرعون مرارة اليتم من دوني في هذه المراحل العمرية الحرجة, فالأولويات لدي قد اختلفت وما عاد يعنيني سوى أمرهم في المقام الأول.. وأحمد الله على أن كل التفاصيل الجميلة في حياتي أتتني تسعى بفضل منه.. وأجتهد قدر الإمكان في توظيفها لخدمتهم.
المهم ـ وأرجو ألا تسخروا مني كوني وجدت نفسي اليوم في غمرة أفكاري التي تتقاذفني هذه أشعر بالحنين الجارف لمدرستي! ـ أشتاق لزيي المدرسي وحقيبتي.. لحذائي الرياضي وجوربي.. لعلبة الهندسة والألوان.. للكنبة والمقعد المتهالك.. لرائحة الطبشور و(البشاورة) – ترى لماذا سميت كذلك؟.. لطابور الصباح وتحية العلم – متى وقفت لتحييه آخر مرة؟، لجرس الحصة الأولى وجرس الفسحة – وبينهما يتهالك الحماس ويتسرب الإرهاق – لحصة التعبير والبلاغة حيث وضعت قدمي للمرة الأولى على هذا الطريق الذي لم يدر بخاطري حينها أني سأسلكه.. لمعلمتي الأثيرة وخالتي الفراشة الوديعة.. لرفيقاتي الصغيرات اللائي لم يكن يشبهن بأي حال بنات اليوم.. للشوارع والبيوت ونحن نترجل عبرها من وإلى المدرسة – قبل أن تغزونا ثقافة (الترحيل) – بكامل إحساسنا بالأمان والطمأنينة دون قلق.
لقصص الحب البريئة.. لروايات زهور.. ومغامرات رجل المستحيل.. للجمعية الأدبية والدورة المدرسية.. لدرس العصر والبرنامج الصباحي.. لسندوتشات الطعمية بالشطة التي لم يتكرر طعمها في فمي حتى الآن.. (للقنقليز).. و(التبش).. و(الدقة) يوم كانت البائعة تخشى فينا الله ولا تسلمنا للتسمم.. أو ربما كانت معدتنا هي المصفحة ضد التلوث والأمراض المعوية.
# أحن وبصدق لرهبة الامتحانات وحصص المذاكرة الجماعية والسهر والقلق والاجتهاد.. لترقب النتائج وفرحة النجاح العارمة ودموع الخيبة والحزن كلما أخفقنا في تحصيل الدرجات الكاملة.
وأذكر العديد من الوجوه التي تعبر خاطري فتغمرني الأشواق.. بعضها لا تزال صلتي بهم متصلة.. والبعض أتابع أخباره من بعيد.. والبعض ألتقيه صدفة في منحنيات الحياة.. والبعض أتلهف للقائه وأتساءل عن حاله واستعين بكم اليوم لأسأل عن نبأ صديقاتي القديمات الأثيرات وأبلغهن السلام.
وبعد.. من منكم يقاسمني الحنين الذي لا يهدأ؟.. من منكم يسترسل في هذه الخاطرة الصباحية؟.. فقد استيقظت طفلتي وأعادتني للواقع بقوة.. وحالت بيني وبين مواصلة هذا التداعي الحميم قبل أن تبدأ الحصة الأولى.
# تلويح:
لا عبارة أقسى من عبارة: (الماضي لا يعود)

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *