زواج سوداناس

حصة الحمود الصباح : الأنس بالله



شارك الموضوع :

لكل إنسان طريق وطريقة، منهج وسلوك، ومن دلائل الحكمة أن يتسلح الإنسان بالصبر والكرم ليُحسن من خُلقه، فالصبر على الأذى والتحلي بمكارم الأخلاق لا يكتملان إلا بحُسن الظن بالله، فالمحسن هو المتوكل على من بيده مقاليد كل شيء ومدبرها، يقول الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا)، صدق الله العظيم، هذا الوعد الإلهي اليقيني يجب أن تترتب عليه راحة وسكينة واطمئنان بأن الله لا يضيع أجر الذين يحسنون الظن به، فمن يجعل له الرحمن ودًا لا تجري عليه عوارض الشك والارتياب، لأن الأُنس بالله لا يقترن بوحشة أو غفلة أو تقصير في حضرة الودود جل وعلا.

وسوء الظن بالله مع الإيمان بوجوده ومع دلائل قيوميته، هو ما يثير العجب والغرابة، فكيف بمن يرى كل الخلائق تنعم بفضله ورزقه، ومع ذلك يقنط ويعرض بجانبه ويسيء الظن بربه، وهو أرحم الراحمين، هنا نجد الخلل في النفس وتقصيرها في فهم وتدبر مجريات الحياة، وهذا يورث والعياذ بالله التناقض والجفاء الروحي، ويقطع حبال الوصل عقابا من الله، حتى يعود الضال إلى رشده.

رسالة الله إلينا جميعا أنه لا يريد منا تحصيل وحفظ وترديد المواعظ بكلمات وحكم لا يتم تفعيلها إلى سلوكيات ومواقف وواقع يجب علينا أن نعيشه، فما أكثر المرشدين وما أقل السالكين! وما أكثر الواعظين وما أقل المتدبرين!، يقول الإمام جعفر بن محمد رضي الله عنه (التمس لأخيك سبعين عذرا، فإن لم تجد فقل لعل له عذرًا لا يعلمه إلا الله)، هنا ننتقل إلى موضع آخر، وهو وجوب حسن الظن بالناس، وهو نتيجة حتمية لحسن الظن بالله، هذه الحكمة ليس فيها مبالغة عند قراءتها للوهلة الأولى، ولكن هي لتحصين أي فرد من أن يقع تحت سطوة الآخرين، وفي مرمى أهدافهم بغير تثبت أو بينة، وحتى لا يُحاكم الناس بعضهم بعضًا فهذا من اختصاص أولياء الأمور من الحكام، وليس من اختصاص الرعية، وتثبيتا لمشاعر المحبة والتسامح وقيم العدل والحرية، وإفساح المجال لمراجعة الأفكار والسلوكيات والعادات المنبوذة أخلاقيا، لأن التزامات الحياة وضغوطاتها، وخصوصية الناس عوامل توجب علينا أن نغلب ثقافة حُسن الظن والتماس الأعذار، فالعبرة ليست بظاهر الحكمة، ولكن بفهم مقصدها، ثم التطبيق بالمفهوم المحمدي الأشمل (لا ضرر ولا ضرار).

عندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجته صفية على باب المسجد مر عليهما رجلان من الأنصار، فسلما على النبي فقال لهما (على رسلكما إنها صفية بنت حيي)، فقالا سبحان الله، فقال لهما ببشاشته الدائمة (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا)، هذا الدرس النبوي يكمل لنا المعنى القرآني الكريم (إن بعض الظن إثم)، فليس كل الظن إثما، ولكن باقي الظن هو للحذر والاحتراس والعصمة من الوقوع في سوء الظن بلا تثبت، فهذا النوع من الظن مطلوب لتبرئة النفس والآخرين، وفي عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، جاءته جارية لصفية تخبره بأن صفية تحب السبت وتصل اليهود، فلما استخبر صفية عن ذلك، أجابت قائلة “أما السبت فلم أحبه بعد أن أبدلني الله به يوم الجمعة، وأما اليهود فإني أصل رحمي”، وسألت الجارية عن سبب فعلتها فقالت: الشيطان، فأعتقتها صفية.

لذا علينا أن نعلم جيدا أن من مظاهر حسن الخلق تزكية النفس وتدريبها على حسن الظن.

تحضرني مقولة رائعة للأديبة والشاعرة السورية كوليت خوري نختم بها هذا الحديث عن سوء الظن، تقول الشك داء مخيف يدمر النخوة في النفوس، ويقتل المحبة في القلوب، ويطفئ بريق الإيمان في العينين..!

دمتم بخير وعافية وحب وتراحم.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *