زواج سوداناس

ما هي «الأنظمة» التي يجب على الشعوب الحرص على تغييرها؟!..



شارك الموضوع :

يذكر أن رجلاً من الخوارج جاء إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال له: يا علي ما بال الناس انتقدوا عليك ولم ينتقدوا على أبي بكر وعمر؟ فقال له علي رضي الله عنه: إن رجال أبي بكر وعمر كنت أنا وأمثالي ، أما رجالي فكنت أنت وأمثالك!!. ويذكر ـ أيضاً ـ أن أحد ملوك بني أمية سمع أن أناساً يتكلمون فيه وفي خلافته فجمع أشراف الناس ووجهاءهم وتكلم فيهم وقال لهم: إنكم تريدون منا أن نكون مثل أبي بكر وعمر؟ قالوا: نعم أنت خليفة وهم خلفاء! قال: كونوا أنتم مثل رجال أبي بكر وعمر نكن نحن مثل أبي بكر وعمر!!. رأيت أن أفتتح مقالي بهذين الموقفين، تعليقاً على قيام بعض أحداث العنف والمظاهرات في الأيام الماضية ببعض الجامعات.. إن مما لا يشك فيه ولا ريب أن صلاح الحاكم فيه الخير الكثير للمحكومين والرعية والبلاد والعباد، وذلك بما لديه من سلطة وقوة يستطيع بها إقامة العدل وتحقيقه ومحاربة الفساد والظلم وغير ذلك. إلا أن هناك قواعد وسنناً كونية لا تتبدل ولا تتغير، والمؤسف أن كثيرين قد جهلوا تلك السنن الثابتة، ولم يعلموا بها، كما أن كثيرين ممن يعلموها لم يعملوا بمقتضاها. إن الرعية إذا أساءوا وأفسدوا وبغوا وسعوا في الأرض فساداً أصابهم الله بعقوبات بسبب ذلك، ومن ذلك أن يسلط عليهم ولاتهم فيسومونهم سوء العذاب.. هذه قاعدة معلومة.. وأدلتها أوضح من أن تذكر «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس». إن المخالفات لأحكام الله تعالى من أهم أسباب العقوبات ، وكما أن العقوبات قد تكون بالأمراض أو الإغراق أو الزلازل أو غيرها، فإنها قد تكون كذلك بتسليط ولاة ظالمين يحكمون رعاياهم بالظلم، ويضيقون عليهم في دينهم أو دنياهم أو فيهما جميعاً.قال الله تعالى: «وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ». في تفسير هذه الآية نقرأ في تفسير القرطبي ما يلي: «وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر. ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه أو يظلم الرعية، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف، وانظر فيه متعجباً. وقال ابن عباس: إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم …»أ.هـ. وفي تفسير السعدي نقرأ: «كذلك من سنتنا «أي سنة الله تعالى» أن نولي كل ظالم ظالماً مثله، يؤزه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه، وذلك من عقوبات الله العظيمة الشنيع أثرها، البليغ خطرها. والذنبُ ذنبُ الظالم ، فهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وعلى نفسه جنى (وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) ومن ذلك أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم، ومنْعهم الحقوق الواجبة، ولَّي عليهم ظلمة، يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين فيه ولا محتسبين. كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا، أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف…»أ.هـ. قال الله تعالى: «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ». لا أظن أن هذه الآية وأمثالها مما يجهله الكثيرون!!! إن مما جاء في السيرة النبوية قصة تصرف بعض الرماة يوم أحد ومخالفتهم لتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام وما ترتّب على ذلك مما ذكره الله تعالى في سورة آل عمران، وكذلك ما قصه الله تعالى من إعجاب بعض المسلمين بكثرتهم يوم حنين وما كان من آثار ذلك، هذان المثلان وغيرهما فيهما الدروس والعبر للمسلمين بصفة عامة، وللذين يريدون تغيير أحوالهم وتبديلها للأحسن بصفة خاصة. على الشعوب إن أرادت ـ حقاً وصدقاً ـ أن تعيش الحياة الطيبة وأن تنعم بالأمن والرخاء والسعادة أن تجتهد في تحقيق الاستقامة على شرع الله تعالى ، وأن تبتعد عن كل ما يخالف دين الله وصراطه المستقيم ومنهاج نبيه الكريم المبعوث رحمة للعالمين. لننظر إلى واقع وحال كثير من هذه الشعوب ولنتأمل في «أنظمتها» التي تعيش عليها في بيوتها وأسواقها وعباداتها وسائر تعاملاتها: لقد انتشر الفساد بأشكاله وصوره العديدة: العقدي والتعبدي والأخلاقي والاقتصادي وغير ذلك ..تضييع لحق الله تعالى الذي خلق لأجله كل الخليقة لدى كثيرين، حيث يعطى حق الله الذي خلق الخلق جميعاً له وهو «عبادته وطاعته» يعطى هذا الحق لمخلوقين، بل ادعى البعض أنه هو الذي يدير نظام الكون ويخلق ويرزق ويحيي ويميت فنازعوا الله تعالى فيما اختص به من الربوبية والألوهية، وهذه هي الجريمة الكبرى العظمى التي تمارس في أرض الله وتحت سمائه… تضييع كثيرين للركن الثاني من أركان الإسلام عمود الدين الصلاة ، تساهل في المحرمات، أكل للربا الذي آذن الله تعالى أهله والواقعين فيه بحرب… «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..» تبايعٌ بالعينة وهي نوع من أنواع ما يعرف في الأسواق بــ “الكَسِر” الذي تكتظ به كثير من أسواق السيارات والمحاصيل وجاء التحذير منه ومن آثاره في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» رواه أبو داود وغيره وصححه الألباني، زنا ينتشر.. بل دور للقطاء اكتظت بهم!! ولما سألت زينب بنت جحش رضي الله عنها النبي عليه الصلاة والسلام فَقالت: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ. رواه البخاري ومسلم، وجاء في تفسير «الخبث» عند القرطبي وغيره أنهم «أولاد الزنا». ترك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا من رحم الله … وفي الحديث: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني. وإن من أسباب «خيرية» هذه الأمة قيامها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ..». غلو في الدين تارة بتكفير أهل الإسلام والإيمان وإخراجهم منه بلا بينة ولا برهان كما يفعل ذلك أحفاد الخوارج في كثير من البلاد، وتارة بالتعظيم للمخلوقين ورفعهم فوق منزلتهم بل صرف أنواعٍ من العبادات لهم ، قال النبي المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ محذِّراً: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه الألباني. وفي واقع «كثير» من الشعوب المسلمة اليوم انتشار للفساد بشتى صوره من شرب الخمر ولعب الميسر وتشبه بأعداء الله من اليهود والنصارى، وانتشار المراقص وكثرة أماكن الرذائل والفواحش عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا.وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ» رواه ابن ماجة والحاكم والبيهقي والبزار وغيرهم وصححه الألباني. إن ما ذكرتُه هنا هو مجرد نماذج… وفي الواقع البرهان الساطع لبيان ما أردت توضيحه.. فهل عقَل وعلم ـ من ينادي ويطالب بتغيير الأنظمة الحاكمة ـ هذه القواعد وعرضها على ما يعيشه من واقع ؟!ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها*****إن السفينة لا تجري على اليَبَسِ وأفضل من ذلك قول أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » وقوله جل وعلا: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ..». هذا هو العلاج والدواء لمن أراد العلاج الصحيح، وكان صادقاً في نيته ودعواه وقوله، لتجتهد هذه الشعوب في تغيير الأنظمة المخالفة للشرع مما ارتضته لأنفسها في بيوتها وأسواقها ومعتقداتها ومواقفها، وفي تعاملها مع خالقها وتعاملها مع خلقه، ولتعمل بجد واجتهاد في تقليل المنكرات والبعد عن الفساد ولتستقيم على ما أمرها ربها وخالقها به وما سنه لها رسولها الكريم، ولتكثر من الاستغفار، ولتجتهد في التوبة النصوح الصادقة، فإن قاموا بذلك هيّأ الله تعالى لهم أسباب السعادة والتوفيق والحياة الطيبة وسخر لهم من يكون تحقيق ذلك على يديه، أما وهي على حالها وواقعها فليس لها إلا أن تغيِّر الأسماء فقط دون المعاني والمضامين، ويكفي عظة وعبرة ما آلت إليه بعض البلدان العربية التي شهدت أحداثاً ومظاهرات في الفترة الماضية وترتب عليها ما لا يحمد عقباه!! وقد فصّلت في ذلك في بعض مقالات هذا العمود «الحق الواضح» في الأيام الماضية.

د. عارف عوض الركابي

الانتباهة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *