زواج سوداناس

حينما صرخت امرأة “شكيناكم لي الله” مستشفى إبراهيم مالك.. الزحام يضاعف الآلام



شارك الموضوع :

الضجر قاسم مشترك بين الأطباء والمرضى والمرافقين
طبيبة: نعاني من ازدياد أعداد المرضى ونقص المعينات

بدأت ملامح التعب واضحة على وجه العم “حماد” الرجل الذي يطرق أبواب العام الخمسين بهمة لا تفتر. وتلك من المرات النادرة التي يشعر فيها بالضجر، فهو المعروف بصبره. لكن العم “حماد” بدا منهكاً وضجراً، لمجرد أن سعى ذات نهار قائظ الوصول لنافذة المعمل لتسليم “عينة” من دم ابنه المتهم بمرض البلهارسيا، بعدما طلب الطبيب تحليلها. المهم أن العم “حماد” استدعى ما تبقى من طاقة الشباب وتمكن من الوصول الى النافذة، التي كانت مكتظة بالمرضى أو بمرافقيهم. وبعدها خرج وهو ساخط ورغم ذلك تنفس الصعداء، وحينما رأيته متبرماً وغاضباً سألته عن السبب فقال: “في هذا المستشفى يعاني المواطن كثيراً، هل تصدقين أن تسليم العينة إلى معمل واستلامها يحتاج لساعات طوال”. قصة العم “حماد” الرجل الخمسيني ما هي إلا نموذج يجسد واقع المرضى بمستشفى إبراهيم مالك الذي بات وجهة اجبارية للباحثين عن الشفاء عقب تجفيف مستشفى الخرطوم، ورغم الجهود الكبيرة المبذولة من قبل وزارة الصحة وإدارة المستشفى إلا أن المواطنين يؤكدون أن وصوله لمرحلة مستشفى الخرطوم يحتاج إلى عشرات السنين.

معاناة
قبل استعراض جولتنا داخل هذا المستشفى الذي تحول فجأة إلى مقصد لمعظم مرضى البلاد، لابد من استدعاء الماضي القريب والتنقيب عن سبب الصعوبات التي يشتكي منها المواطنين، وهي التي تفسرها لنا الاستقالة التي دفع بها قبل ثلاثة أشهر مدير المستشفى الدكتور خالد حسن بخيت وذلك عقب ثلاثة أشهر فقط من استلامه مهمته، وأوضح الرجل – وقتها – أن استقالته تعود إلى عشرة أسباب تتمثل في سعة المستشفى التي لا تلبي استقبال حالات المرضى، وعجز الوزارة عن توفير مستهلكات المعامل وبنك الدم، كاشفاً عن تجاهل إدارة المستشفيات بولاية الخرطوم لتسريب مائي أسفل مباني مستشفى إبراهيم مالك مجمع الطوارئ والإصابات، الأمر الذي يشكل خطراً على المباني والمرضى، فضلاً عن غياب السلطة الفعلية لمدير المستشفى واتخاذ قرارات فوقية يؤمر بها المدير الطبي لتنفيذها دون أن تمر عليه، بالإضافة لعدم كفاية الأدوية التي تخصصها وزارة الصحة بولاية الخرطوم للمستشفى مما يضعها في موقف محرج مع المرضى بجانب عدم الإيفاء بمستحقات المتعاقدين الشهرية ومستهلكات المعامل وبنك الدم من جانب إدارة المعامل مما يشكل عبئاً إضافياً على المستشفى خصماً على تسيير المعامل وتعارض الإدارة بالمستشفى بين الإدارات المختلفة في القرارات وعدم تحديد وصف وظيفي، وأشار بخيت يومها إلى أنه وحفاظاً على خصوصية المرضى بالمستشفى طلب من الأمين العام للمستشفى شراء ستائر لحوادث الباطنية من ميزانية المستشفى، ولكن عندما علم مدير عام وزارة الصحة القصة أمر بإحضار الستائر لمكتبه بالوزارة وتم تشكيل مجلس تحقيق له، وتم نقله لمستشفى بشائر.

دفوعات
واستقالة الدكتور خالد كانت صادمة ليس لغياب أدب الاستقالة في ظل النظام الحالي، ولكن لأنها أوضحت حقيقة المستشفى. وهو ما حتّم ضرورة وضع خطة واضحة للمدير العام الجديد للقيام بدوره كاملاً مع تمسكه بضرورة إصلاح بيئة العمل وتحسينها لتقديم خدمة أفضل للمرضى، ويومها قال مدير الطب العلاجي بوزارة الصحة ولاية الخرطوم د. زهير عبد الفتاح، إن الأسباب التي أوردها الدكتور خالد غير واقعية وﻻ ترقى إلى مستوى الاستقالة، ونفى تأخر مستحقات العاملين، وأشار للتصديق بمبلغ 134 ألف جنيه كحوافز، وقال زهير إن المستشفى شهدت تطوراً ملحوظاً في أقسام الطوارئ والنساء والتوليد والباطنية والأطفال، ونوّه إلى أن قضية الصرف الصحي محض افتراء خاصة أن الوزارة صدقت بميزانية لعمل معالجات جذرية في شبكة الصرف الصحي، إضافة إلى المعالجات الروتينية التي ظلت مستمرة.

وحول أدوية ومستهلكات الطوارئ، ذكر مدير الطب العلاجي بالوزارة أنه تمت زيادة حصة المستشفى بنسبة 100% اعتباراً من 1 فبراير الحالي استجابة لتزايد عدد المترددين على المستشفى واعتبر ذلك مؤشراً إيجابياً في الوزارة.

على أرض الواقع
الاستقالة وردود الأفعال التي أعقبتها كانت قبل ثلاثة أشهر.. إذن باتت صفحة من الماضي.. ولنتقصى حقيقة الواقع اتجهنا صوب مستشفى إبراهيم مالك، وبينما كنت أتجول باحثة عن مكتب المدير الطبي وقعت عيناي على عديد ملاحظات منها، أن المرضى يتخذون الممرات مكاناً لجلوسهم ويتخذونها عنبراً لهم لقلة الأسرَّة، وكذلك يوجد تزاحم كبير في الباحة الرئيسية للمشفى، ونقص الأسرة كان عنواناً لافتاً وقاسماً مشتركًا بين أحاديث الذين تجاذبنا معهم أطراف الحوار والذين تباينت وجهات نظرهم حول تعامل الأطباء معهم، فمنهم من اعتبره تعاملاً جيدًا، وآخرون يعتقدون أنه قاسٍ، غير أنهم اتفقوا على أن المستشفى يشهد ضغطاً عالياً وتردداً كبيراً وأن هذا أسهم في إبطاء الخدمة، أما بالقرب من المعمل فإن الزحام يبدو واضحاً، وحتى انتظار النتيجة بحسب المواطن حماد يحتاج “لطول بال”، وساعات ليس لبطء العاملين في المعمل كما أشار ولكن لقلة عددهم مقارنة بحجم العمل الكبير.

جولة وشكوى
أيضاً فإن رائحة الحمامات يشتمها الزائر أينما توجه داخل المستشفى، إذ أنها تلاصق العنابر مباشرة، مما زاد الحال سوءاً، وقد تضاعف المرض على بعض الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي، لا سيما الأطفال الذين أكد لنا من تحدثوا معنا تضررهم بشكل رئيسي من تلك الروائح النتنة، والمعاناة من روائح الحمامات جسدها مواطن قائلاً: (نلقاها من المرض ولا من الحمامات) وامرأة تصرخ في وجه طبيبة (خليناكم لله) لترد الطبيبة (حسبي الله ونعم الوكيل نحن عملنا ليكم شنو).

وفي أثناء وقوفنا على الواقع بالعنابر، بادرتني طبيبة بالسلام ثم طرحت عليها بعض الأسئلة معتقدة بأنني طبيبة مثلها، أو لربما شكت في وقوفي لأقاطعها بأني لست كما تظنين، وتأخذ نفساً عميقاً وتحكي دون أن أطلب منها: أعمل هنا منذ أشهر وسبق لي العمل في مستشفى الخرطوم، وأستطيع التأكيد أن ذات ملامح الاكتظاظ والمعاناة التي كانت تميز مستشفى الخرطوم تحدث هنا في مستشفى إبراهيم مالك بالإضافة إلى نقص في الأدوية وبعض الأدوات الطبية والمعملية، وتشكو أيضاً من مرافقي المرضى الذين لا يتفهمون موقفهم كأطباء وتضيف قائلة: إنهم يتهموننا بالتقصير وعدم المبالاة لمرضاهم وأننا نفتري عليهم زعماً من أننا (بنعمل على كيفنا)، ويتهموننا أيضًا بتشخيصنا الخاطئ، وفي بعض الأحيان يقولون إننا سبب موت مريضهم، هم لا يدرون كم نحن أيضاً نعاني من أشياء كثيرة ونفتقد الكثير من الاحتياجات، وحينما نطالب بها لا نجد استجابة، وفي تقديري يجب أن يتم تقسيم هذا المستشفى الى أقسام منفصلة على أن يدير كل قسم مدير يتمتع بصلاحيات واسعة وميزانية مقدرة، وترك إدارة المستشفى في يد شخص واحد لن يسهم في تطورها ومعالجة مشاكلها الكثيرة، نحن هنا نعمل لكسب الخبرة ولن يتم تعيينا إلا بعد ثلاثة أعوام على الأقل إضافة إلى عدم وجود حوافز أو رواتب ولو بالقدر الضئيل. بعدها استأذنتني وشكرتني على حسن الاستماع وقالت لي: عفواً عندي طواف.

الإعفاء المخصص
أحسست معاناتها، ولكن ليس بقدر معاناة المرضى المتواجدين على الممرات لا سيما الطفلة روان التي تحتضن والدتها وتئن وجعاً وتستجير والدتها بي قائلة: يا دكتورة عليك الله نحن ما عندنا حق العلاج والأشعة المقطعية ونحن جايين من بعيد والمبلغ المعانا ما بكفي للكلام، بيد أنني قاطعتها قائلة لها: للأسف أنا لست طبيبة بس ممكن تمشي للمدير الطبي، قالت لـي: (مشينا وما لقيناه غير إنو قالوا ما في تخفيض لأنو بتي روان عمرها 6 سنوات والتخفيض للأعمار الأقل من 5 اعوام)، بعدها توجهت ناحية غرفة المدير الطبي محاولة مساعدتها إلا أن التنويه الذي وجدته معلقًا على باب الغرفة أوقفني والذي يحتوي على (التخفيض والإعفاء للفحوصات المعملية وصور الأشعة، يتم عبر رئيس الوردية بالمعمل والأشعة، والإعفاء يتم للآتي: حامل أورنيك 8 حادث مروري، الأطفال أقل من 5 سنوات)، ولم يكن أمامي غير الاعتذار لها، بعد ذلك فضلت أن أتجاذب أطراف الحديث مع عدد من المرافقين عن المستشفى الذين أجمعوا على أنه يحتاج لعمل كبير حتى يقوم مقام (طيب الذكر) مستشفى الخرطوم، وشكى عبد الفتاح الذي يرافق مريضاً من ضعف إصحاح البيئة، بالإضافة إلى المعاناة التي يتكبدونها في الوصول إلى الأطباء ومقابلتهم. وقال: المستشفى لا يزال يحتاج لعمل كبير وبشكله الحالي فإنه لن يتمكن من تقديم خدمة علاجية متكاملة.

الإدارة البعيدة
بعد تجولي في العنابر والعمل وعدد من أقسام المستشفى توجهت صوب مكتب المدير الطبي ولكن لم أجده، لتتواصل رحلة التجوال داخل المستشفى الذي كان قريب الشبه من الميناء البري عند اقتراب العيد، حيث الاكتظاظ ملمح رئيسي في كل مكان، ويبدو هذا الأمر واضحاً بقسمي الباطنية والإصابات والطوارئ، ورغم الازدحام الواضح إلا أن الأطباء يبذلون جهوداً كبيرة في الاستماع الى شكاوى المرضى لتشخيص حالاتهم الصحية، غير أن قلة عددهم يضاعف من معاناتهم ويزيد من أوجاع المرضى بسبب الانتظار، بعد ذلك قفلت راجعة إلى مكتب المدير الطبي العام الذي أفادتني سكرتيرته بضرورة إحضار خطاب من وزارة الصحة حتى أتمكن من أخذ إفادات صحفية عن المستشفى وبالفعل أحضرته في اليوم التالي، وكان معنوناً الى مدير المستشفى وليس المدير الطبي العام، قلت في نفسي إن الأمر سيان فكلا الرجلين سيتحدثان عن المستشفى، ولكن خاب ظني بداعي “الجرجرة” الغريبة التي تعرضت لها لمدة ثلاثة أيام ظللت أحرص خلالها على الحضور صباحاً ومساءً بغية مقابلة المدير العام، ولكن في كل مرة تأتي السكرتيرة بعذر لتبرير عدم إمكانية مقابلته، وقلت في نفسي إن الأيام الثلاثة كانت كفيلة بمقابلتي لوزيري الصحة الاتحادي والولائي وليس مدير مستشفى فقط، وبدا لي الأمر وكأنما “دست إدارة المستشفى المحافير عنا”، وذلك لأن تحقيقنا كان يهدف إلى تسليط مزيد من الضوء على المستشفى وذلك لأنه بات يستقبل أعداداً ضخمة من المرضى وهذا يعني ضرورة معرفة مشاكله ووضعها على منضدة المسؤولين لمعالجتها.

تحقيق: هبة وهب الله
صحيفة الصيحة

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *