زواج سوداناس

ذكريات سوداني قاتل الإسرائيليين في ثلاثة حروب



شارك الموضوع :

يختزل المحارب السوداني صديق بشارة الحسن (84 عاماً) ذكرياته في جزيرتي تيران وصنافير التي تصدرت وسائل الإعلام العربية بعد إعلان مصر خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للقاهرة، أنهما تقعان داخل المياه الإقليمية السعودية للبحر الأحمر ، اذ كان الملك (الراحل) عبد العزيز آل سعود طلب من مصر عام 1950 توفير الحماية للجزيرتين.
ويروي المحارب السوداني صديق بشارة الحسن (84 عاماً) فشل ثلاث حروب، خاضها ضد الإسرائيليين، بعدم تكافؤ السلاح وسوء التنظيم، إذ إنه في الوقت الذي كان هو ورفاقه مسلحين ببنادق «غارانوف» و«براون» و«للفلك» بدائية الصنع، كانت إسرائيل تملك المدافع والطائرات التي تسلمتها من حكومة بريطانيا، مع خرائط عسكرية واستراتيجية قبل انسحاب بريطانيا من فلسطين.
ويروي الحسن لحظات وقوعه في الأسر، في جزر العقبة الأردنية، ضمن 12 مقاتلاً، وبقائهم 18 شهراً في سجن إسرائيلي، إذ كان زادهم قطعة خبز ورأس بصل، كل 24 ساعة، حتى فقدوا الأمل في إطلاقهم. وقال: «الجوع والعطش والضياع في المناطق، على خط الجبهة مع إسرائيل، كانت وحدها كفيلة بهزيمتنا، إذ كنا غير مدربين جغرافياً على تضاريس الأرض، ولا ندري أين موقعنا من مرمى نيران العدو. كنا نسأل الضابط الميداني عن سير الحرب، أو ما هي الخطة العسكرية؟ فيرد: «كل واحد يدبر نفسه، أنا ما بعرف». وطبعاً الاتصال مع وحدات الجيوش كان شبه مقطوع، وكل جيش عربي يتمركز في منطقة ولا يعرف شيئاً عن الجيش العربي الآخر، ما سمح لعناصر معادية الادعاء بأنها عناصر عربية لتنتظم وسط الجنود «العرب».
وجه الشبة بين حروب 1948 و1956 و1967 يتمثل بعدم معرفة أية معلومات عن الطرف المعادي. «وكان العرب بعواطفهم مندفعين لتحرير فلسطين من دون إمكانات». هكذا لخص المحارب السوداني الحسن أسباب الهزيمة في ثلاث حروب عربية خاسرة ضد إسرائيل. فإلى نص الحوار:
* كيف التحقتم بالسلك العسكري؟
– كنا نعيش في قرية حزيمة، التابعة للعاصمة السودانية الخرطوم، ونعمل في الزراعة، والأوضاع المادية كانت ضعيفة، فقررنا التوجه إلى القاهرة، كان السودان ومصر بلداً واحداً، وتجندنا في الجيش المصري عام 1947، وكانت القيادة في الجبل الأصفر، ورئاسة السلاح في جسر القبة.
أرسلونا في تدريبات إلى منطقة الحسنة في العريش، وبعدها إلى العوجة في رفح، ثم اندلعت حرب نكبة 1948، وصدرت الأوامر من القيادة بأن نتوجه إلى الأتكة، وبعدها إلى قبة البوس، ثم فنار أبوالدرج، ثم إلى الزعفران، وكلها مواقع في السويس.
* ما نوع الأسلحة التي كانت بحوزتكم؟
– أسلحتنا بدائية، سرعان ما تسخن بعد إطلاق رصاصة أو رصاصتين، ويقل مداها، وتحتاج إلى استبدال ماسورتها، تخيل أن تضطر إلى استبدال ماسورة سلاحك وأنت في اشتباك مع العدو، إن توافرت ماسورة احتياط أصلاً! في حين كانت إسرائيل تملك المدافع والطائرات التي فاجأت بها جميع الحلفاء العرب المندفعين لمحو اسم «إسرائيل» من الوجود.
* ما الحافز الذي دفعكم للحرب؟
– النخوة والدين حتّما علينا حمل السلاح والتوجه إلى فلسطين، لكن للأسف لم نكن نعرف طبيعة الأرض، ولا شكل العدو وإمكاناته، حتى إن قائد الكتيبة نفسه كان لا يجد من يوجهه، فكان الجيش العربي ينهار من الجوع والعطش وضعف السلاح.

* كيف وقعتم في الأسر؟
– تمركزنا في منطقة أبوذنيمة في جبل الطور (جنوب سيناء) التي كانت وقتها تعج بالمقاتلين السودانيين، وبعد فترة توجهنا إلى شرم الشيخ، وبعدها إلى جزيرة ثيران في مدينة العقبة الأردنية، ولحظة دخولنا جزيرة سنافر في العقبة، كان الطيران الإسرائيلي يحوم فوق رؤوسنا، متيقناً بأنه لا توجد مقاومة أرضية، فحاصرونا وأسرونا من دون قتال. سيطروا علينا بعد استسلامنا وضربونا بأعقاب البنادق، ثم حملونا بعربات، ومن ثم بطائرة، إلى سجن الرملة. وكانت الطائرة التي أقلتنا تضم 50 أسيراً عربياً من جنسيات مختلفة.
* كيف استقبلوكم في سجن الرملة؟
– وضعوا قطع قماش على عيوننا، وأوقفونا على الحائط، ثم وزعونا على خيام، وكان الجو ماطراً باستمرار. وكنا ننام على الأرض، ونشرب من صنابير منصوبة إلى جانب الخيام. وكان زادنا قطعة خبز ورأس بصل طوال ثلاثة أشهر.
* هل تجربتكم في عتليت تختلف عنها في سجن الرملة؟
– نقلنا إلى سجن عتليت، وهو سجن ذو مبانٍ كبيرة، ويضم عنابر كثيرة، وتوجد في أعلى الجدران شبابيك صغيرة لا يمكننا الوصول إليها، لكننا كنا نميز من خلالها الليل والنهار، بعد أن جردونا من ساعاتنا.
قضيت في سجن عتليت 15 شهراً. وفي غرف السجن وجدنا أسماء جنود ألمان حفروها بأنفسهم على الجدران عند أسرهم من الإنكليز، كلها مؤرخة عام 1942، ما يؤكد أنه كان سجناً تحتجز فيه بريطانيا أسراها خلال الحرب العالمية الثانية.
* كيف كنتم تمارسون حياتكم داخل السجن؟
– أرسلنا شعر ذقوننا ورؤوسنا. كنا نقضي النهار في ساحة كبيرة، وعند الغروب يقفلون علينا الأبواب حتى اليوم الثاني، أما وجبات الطعام في الرملة أو عتليت فكانت متشابهة: «طقة» كل 24 ساعة، تشمل قطعة خبز، ورأس بصل، وأحياناً ترفق بمرق فاصولياء.
* كيف كان يتم استجوابكم؟ وبأية لغة تتعاملون مع السجانين؟
– معظم الجنود والمجندات اليهود كانوا يتكلمون العربية، حتى أشكال معظمهم توحي بأنهم عرب، إلا أن بعض الجنود كانوا يخاطبوننا بالعبرية: «تعمود» تعني قف، «شيف» تعني اجلس، كذلك الأرقام العبرية كنا نسمعها من الجنود الإسرائيليين. كان السجن محاطاً بثلاثة أسلاك، ومن يقترب حتى من السور الأول تصعقه الكهرباء ويموت. كما كان يتم إطلاق الرصاص بصورة عشوائية على الجدران والهواء لإرهابنا، والعجيب أن بعض الجنود الإسرائيليين أو معاونيهم كانوا يندسون بين الأسرى أو الجيوش العربية ولا أحد يعرف أنهم من الأعداء.
* كنتم تعرفون أنه سيتم تحريركم؟
الجميع كان مدركاً أنه سيبقى في السجن إلى الأبد، أو الموت بالرصاص. لم نتوقع نهائياً أن يتم إطلاقنا.
* ما العقوبات التي مورست ضدكم في السجن؟
– كانوا يزودوننا بمعاول لفتح قنوات للري والزراعة، وكنت محظوظاً ذات مرة أن وجدت خلال الحفر كومة عدس مدفونة في الأرض، فخزنتها في جيوبي والتهمتها أنا ومن معي في العنبر، وكأننا عثرنا على كنز. وكانت فرصة لنا أن غيرنا طعم البصل من أفواهنا. لكن لم يكن هناك تعذيب. كانوا يكتفون بإرهابنا وتخويفنا وإطلاق الرصاص العشوائي داخل العنابر، وأحيانا ترتد الرصاصة وتقتل بعض المساجين.
* ما أشد المواقف التي أفزعتكم؟
– تم تجميعنا في طوابير، وكان العسكري الإسرائيلي يضع المسدس على رأس السجين ويطلب منه تكرار عبارة «أنا اسمي فلان الفلاني، وأنا سعيد بالعيش في إسرائيل، وأحب رئيسي بن غوريون». رفضت تكرار العبارة، فسألني: لماذا ترفض تكرار الجملة؟ فقلت: أنا لا أحب الكذب، فانتقل إلى الأسير التالي الذي من شدة الخوف كررها وهو يرتجف، ومع ذلك أطلق الجندي الرصاص على رأسه وقتله، ولا تزال حروفه ترن في أذني على رغم مرور السنوات.
* ما سر خسارة العرب في حرب عام 1948 على رغم كثرتهم؟
– ضعف التدريب والسلاح، وعدم معرفة أرض المعركة، وكل دولة عربية تضع قواتها كانت لا تنسق مع بقية الدول. كما أن غياب القائد عن جنوده، والاكتفاء بتوجيههم من بعد، إضافة إلى الوقوع في وعود وخدع الدول الكبرى التي تعمل لمصالحها على حساب العرب. كنا نسأل القائد الميداني ماذا نفعل؟ فيرد: «كل واحد يدبر نفسه، أنا ما بعرف».
* لماذا كانت بريطانيا حريصة على دعم اليهود عام 1948؟
– بريطانيا دعمت اليهود في فلسطين بسبب وعدها لهم خلال حربها على ألمانيا أنها ستمنحهم وطناً في مقابل تقديم مساعدات لبريطانيا في حربها ضد الألمان، وبالفعل وفت بوعدها ومنحتهم فلسطين، وتناست أن فلسطين بها شعب.
* كيف نجحت بريطانيا في كسب الحرب ضد الألمان؟
– نجحت بريطانيا في الحرب باستخدام الخدع العسكرية، ومنها حفر 3 خنادق في منطقة العلمين تصل البحر بالبر، ووضعت خطة تمويه عبر إلباس عدد من الجنود الإنكليز زي البوليس العسكري الألماني، وإعطاء إشارات عسكرية للقوات الألمانية التي ابتلعت الطعم، وتشتت فرقها، أو قتلت، أو وقعت في الأسر، من دون أن تعرف أن تلك الاشارات كانت صادرة من الطرف المعادي.
* وكيف تم تثبيت إسرائيل في فلسطين؟
– كانت بريطانيا تنسحب من معسكراتها في فلسطين وتسلمها بكامل ذخيرتها وأسلحتها لليهود، حتى الـ«كانتينات» المليئة بالمواد الغذائية كانت تسلم لليهود كاملة، في الوقت الذي كانت فيه الجيوش العربية تموت من الجوع والعطش من دون قتال.
* كيف تحررتم من الأسر؟
– نقلنا «الصليب الأحمر» إلى منطقة القنطرة القريبة من قناة السويس، وكنا مرهقين من العطش والجوع، وبقينا شهراً كاملاً ننعم بالحمامات والطعام حتى استعدنا قوانا، بعدها تم نقلنا إلى القاهرة، وأقيمت لنا حفلة شارك فيها عدد من الفنانين والفنانات، ثم عدنا إلى وحداتنا العسكرية.
* المستوى المادي للمقاتلين هل كان يتناسب مع هيبة المقاتل العربي؟
– عام 1948 لم تكن العملة متوافرة لدى الناس، فقط مع العساكر والدول المستعمرة، حتى إن كامل موازنة السودان عام 1948 كانت 40 ألف جنيه. وكانت الشعوب العربية بأعداد قليلة، وكان راتبي 10 جنيهات، وصل إلى 15 جنيهاً في نهاية الخدمة التي امتدت من 1948 إلى 1968، وشاركنا خلالها في ثلاث حروب.
* كيف تمكنت القوات المصرية من عبور قناة السويس، على رغم ضعف الإمكانات؟
– جزء من القوات العسكرية بالفعل تمكنت من عبور قناة السويس لمحاربة إسرائيل، إلا أن إسرائيل أطلقت صواريخ دمرت جبالاً وقرى مصرية كاملة، وأغلقت طريق الهرب أو العودة إلى الجانب المصري، فوقعت القوات المصرية فريسة سهلة أمام العدو.
* كيف أنهيت الخدمة العسكرية؟
– طلبت العودة إلى بلدي (الحزيمة) في السودان، وتم منحي 300 جنيه مكافأة نهاية الخدمة، وتقرر تسريحي من الجيش، وكانت رتبتي عريف، وعدت لممارسة الزراعة من جديد.
* ما أشهر المدن الفلسطينية الخالدة في ذاكرتك؟
– يافا، حيفا، عكا، القدس، أريحا، تل أبيب، ومعظم مناطق غزة، وكثير من المدن والقرى الفلسطينية التي كنا نعسكر أو نمر بها.
* هل عاد الجنود السودانيون أم استقر عدد منهم في فلسطين؟
– طبعا هناك عدد من الجنود السودانيين بقيوا مع الفلسطينيين وتزوجوا منهم واستقروا في فلسطين منذ حرب عام 1948. وهناك عائلات من أصول سودانية ومصرية وأفريقية لاتزال موجودة حتى اليوم في فلسطين.
* كيف بدأت الحرب العربية الثانية ضد إسرائيل عام 1956؟
– تقصد العدوان الثلاثي (فرنسا، وإنكلترا، وإسرائيل).. كنا وقتها في جنوب سيناء وفي الخطوط الأمامية القريبة من قناة السويس. دمر الطيران جميع المعدات الحربية التي كانت في جزيرة سيناء، إضافة إلى اشتعال صهاريج الوقود.
* كيف بدأت حرب عام 1967 أو ما يسمى «النكسة»؟
– الطيران الإسرائيلي قصف صهاريج النفط في عيون موسى جنوب سيناء، ما اضطرنا إلى الهرب باتجاه الجبل، قضينا سبعة أيام نمشي نهاراً، ونختبئ ليلاً، وكانت قطع صغيرة من البسكويت زادنا حتى وصلنا إلى السويس والتحقنا بوحداتنا.
* الطائرات المصرية؛ أكانت عاجزة عن المقاومة؟
– قُصفت الطائرات المصرية ودُمرت المدرجات، وبقيت القوات عارية أمام الطيران الإسرائيلي، حتى صار يحوم فوق رؤوسنا؛ لمعرفته الأسلحة المهترئة التي بين أيدينا، لعلمه بأننا عاجزون.
* نصيحة تقدمها للجيوش العربية حالياً؟
– العرب يثقون بالوعود، وهذه وحدها كفيلة بهزيمتهم.

بوابة الاهرام

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *