زواج سوداناس

أنا أكره العمدة..!


شارك الموضوع :

وقف العمدة بجلبابه الأبيض المزدان بعباءة بنية غامضة على باب بيتنا..كان الباب مفتوحاً على مصراعيه, ولكن العمدة طرق بعصاه الابنوسية على الباب..بجانب العمدة وقف الشاويش صبير الذي كنا نسمع بسيرته..أغلب أطفال الحلة كانوا يتمنون أن يكونوا في مقامه..الشاويش صبير كان أقصر مما تصورت ..يزين وجهه شارب ضخم وطويل ..تذكرت بطولته الأسطورية في مطاردة اللصوص التي كانت قد طرقت أسماعنا..حينما وصلت إلى مقام الغرباء لمحت عباس الكجر قصاص الأثر يطوف على بيتنا من الناحية الشمالية ..زيارة غير متوقعة تثير الارتباك..هذا الإحساس جعلني أقفل راجعاً حيث جدتي الحرم لأخبرها بأمر العمدة ورجاله.
حينما بدأت جدتي تتأهب لمقابلة الوفد الزائر بدأت استذكر سيرة حياة بائسة .. جئنا من قلب الصحراء قبل ثلاثة أعوام..لم ترحب بنا قرية الصهريج باعتبارنا غرباء جاءوا إلى حيث النيل ..الذكريات الأليمة لا تفارق مخيلتي..أتذكر أبي الذي لسعته عقرب في ذات أمسية ..حاولت جدتي أن تلعب دور طبيب ..هرعت في الليل ولم يكن في صحبتي غير كلبي الوفي (بوبي).. وصلت إلى منزل مدير المدرسة إنه الشخص الوحيد الذي يحترمنا في هذه القرية..أخبرته ..حمل أستاذ عبدالعزيز بطارية ومضى معي إلى الحكيم الذي أصر على أداء صلاة العشاء أولاً..أمام إلحاح أستاذ عبد العزيز تحرك الحكيم لإنقاذ أبي ..كان الحكيم (يطنطن) على طول المشوار” العرب ديل عذبونا”.. لم يكن يحترم مشاعري أو ربما عدني صغيراً لا اتفهم هذه الكراهية .
حين وصلنا إلى بيتنا الذي يقبع وحيداً في طرف الحلة سمعنا نحيب أمي وجدتي.. حينما دخلنا الثلاثة وجدت أبي حماد ممدداً على (عنقريب) ..يرقد في هدوء وسكون.. نبح (بوبي ) كأنه ينبهنا إلى مصيبة قد حلت بنا.. أمسك الحكيم بيد أبي وكان ينظر إلى ساعة ضخمة غطت معصمه الأيسر .. بدون مقدمات وبهدوء قال “ العربي مات”..لم أكن وقتها أعرف معنى الموت جيداً وهل هو هذه الرحلة الهادئة .. أخذني أستاذ عبدالعزيز إلى حضنه..كان يواسيني بلغة لم أفهم منها غير أنني أصبحت رجل البيت.
في صباح اليوم التالي جاء بعض من أقاربنا من جوف الصحراء ..لا أعرف كيف وصلهم الخبر.. جدتي ذبحت واحدة من الشياه القليلة التي كانت تربيها في حظيرة مجاورة..جاء ذات العمدة بجلبابه الناصع وفي معيته بعض من الرجال..من خلال الإنصات أدركت أن هنالك خلافاً على المكان الذي يقبر فيه أبي..العمدة ورجاله يرفضون إضافة أبي لمقابر الحلة.. كان تفسير العمدة أن قبولهم لدفن العربي يثبت ملكيتنا على الأرض المتنازع عليها.. فيما أصر أعمامي على أن يقبر أبي في مقابر عامة الناس..عمي ضيف الله أكد لهم صعوبة نقل الجثمان في ذاك النهار الملتهب..بعد مداولات وتهديد باستخدام القوة اتفق الطرفان على استحداث مقابر جديدة على بعد نصف كيلو من بيتنا..بات أبي يرقد وحيداً في مقبرة خلوية.
جاءت جدتي الحرم (تكجم )عينها اليسرى كانت تردد “حباب الضيوف”.. فيما ولجت أمي إلى داخل غرفة الطين الضيقة..لم يرد العمدة على تحية جدتي .. قدم لها لائحة الاتهام ..الكلب التهم كبش ود الماحي وقصاص الأثر وصل إلى هنا.. قبل ان ترد جدتي على لائحة الاتهام واصل العمدة “ اتصلنا على الشاويش صبير وجينا نقتل الكلب “..غلى الدم في رأسي ..العمدة جاء ليضيف مقبرة جديدة بجوار أبي..حينما بدات جدتي تتلو مرافعتها عن كلبنا المهذب الذي يحرسها وأسرتها ..امتلات عيوني بالدمع..بدأ الشاويش صبير يجهز في بندقيته الخرطوش..ولجت إلى داخل البيت.. أخذت العكاز المدبب الذي كان يحمله أبي.. كان العكاز يبدو أكبر من طفل في الحادية عشر من عمره..خرجت من الباب الخلفي..كانت خطتي أن أباغت العمدة من الوراء بضربة واحدة..نفذت السيناريو بإحكام..حينما اقتربت من الهدف بدأ (بوبي )النباح في اللحظة الفاصلة،
تم إعدام كلبي البرئ ..لم يغفر له اعتراضه على تهشيم رأس العمدة .. وأخذوني إلى مخفر الشرطة بتهمة محاولة الاعتداء على العمدة ..جاء أستاذ عبدالعزيز وأخرجني بضمانة شخصية وفي الجلسة الأولى شطب القاضي البلاغ باعتبار أن المتهم قاصر وصحيفته الجنائية نظيفة من السوابق.
الآن وأنا ابن خمسة عشر عاماً استشعر أن لى ثاراً ..العمدة قتل أبي وكلبي وسرق مستقبلي.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *