زواج سوداناس

شمائل النور : الهُــروب



شارك الموضوع :

قبل عام تقريباً، لقي نحو 800 شاب مصرعهم في البحر المتوسط، الشباب بمختلف جنسياتهم كانوا يبحثون عن أيِّ خيار أفضل من البقاء في أوطانهم، وإن كان أحد هذه الخيارات هو الموت في عرض المتوسط، في تلك الأثناء كانت دول الاتحاد الأوروبي تعيش حالة حزن جراء الأعداد المفقودة، وكان مسؤولون أوروبيون يخضعون أنفسهم إلى المحاسبة الأخلاقية على خلفية تلك الكارثة، كان رئيس البرلمان الأوروبي يتساءل بأسى “هل تنتظر أوروبا أن يرتفع العدد أكثر من هذا” يتحدّثون باعتبارها مسؤوليتهم الأولى، حُكام الدول التي هرب منها هؤلاء الشباب كانوا ولا يزالوا يخوضون معارك التشبث بالكرسي بشراسة، لم تخرج ولا دولة واحدة ببيان تُعزي فيه أسر الضحايا، الذين فقدوا فرصة أن يجدوا وطناً يحتويهم، كما فقدوا حياتهم بالكامل.
والهروب مستمر.. إحصائية حديثة من جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج، هجرة أكثر من 144 ألف سوداني للعمل خارج البلاد خلال العام 2015م، ولم تعد الأرقام مُهمّة، فالصّورة في الشارع كَافية لعكس حجم المُعاناة، ولا تزال الصورة المُلتقطة من أمام مكاتب توثيق الشّهادات بوزارة الخارجية تحكي حجم المُعاناة، تلك الصفوف المُتراصة..أرقام المهاجرين أصبحت مُقلقة للغاية، ولم تعد الهجرة تقتصر على قطاع دون آخر كما في السابق، هجرة الكوادر الآن تشمل كل قطاعات العمل، وإن أجريت استطلاعاً عشوائياً في الشارع العام، ربما لا يصادفك من لا يرغب في الهجرة أو قُل الهروب.
شهر سبتمبر الماضي، كشف تحقيق أجرته وكالة رويترز عن تزايد طلب الجنسية الإسرائيلية، واقتصر التحقيق على الفلسطينيين أصحاب الأرض المحتلة، التحقيق أظهر تزايدا لافتا لطلبات الفلسطينيين الذين يحلمون بحمل جواز دولة الاحتلال، هذه المفارقة لا تستحق الدراسات والتحقيق الموسع الشامل لمعرفة الأسباب فالأسباب تكاد تتحدث عن نفسها دون عناء وبما يكفي.. هذه الحالة تستدعي دراسات وبحوثا لإعادة صياغة مفهوم الوطن نفسه لدى الكثيرين.
والحال هنا يُغني عن البحث والدراسات، وكثير من حالات الهجرة التي حدثت مؤخراً لم يكن العامل الاقتصادي وحده هو السبب، صحيح أن الوضع الاقتصادي مُزرٍ للغاية ولا يكفي راتب الموظف لتغطية أقل احتياجاته، إلاّ أنّ البحث عن وطن بديل بكلياته هو السبب، البحث عن موضع لإنسانيتنا، البحث حتى عن الشعور بهذه الإنسانية.. شعور أن الإنسان ضيف ثقيل في وطنه، كل شيء يفعله بحذر، حقيقة أمر غاية في المُعاناة، القضية أكبر من بحث عن وضع اقتصادي أفضل.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *