زواج سوداناس

من فوائد ممارسة العمل أثناء السفر بالقطارات والطائرات



شارك الموضوع :

هل من الممكن أن تزيد ممارستنا للعمل أثناء السفر أو الانتقال من مكان إلى آخر من قدرتنا على الإبداع؟ الصحفية تيفاني وين تصطحب معها جهاز الكمبيوتر المحمول في رحلاتها لتكتشف الإجابة بنفسها.

قد تجعلنا الحركة المادية، بحسب أحدث الأبحاث، أكثر إبداعًا. إذ تشير إحدى الدراسات التي أُجريت مؤخرا بجامعة ستانفورد، على سبيل المثال، إلى أن المشي يحفز الإبداع، حتى عندما كان المشاركون يمشون فقط على جهاز المشي الكهربائي بينما ينظرون إلى جدار أبيض اللون.

ولكن ماذا عن الأنواع الأخرى من الحركة؟ هل من الممكن أن تعطيك مزاولة الأعمال في الطريق من مكان إلى آخر، سواء أكنت متجها إلى مكان العمل كالمعتاد أو مسافرا للعمل خارج البلاد في رحلة تستغرق وقتا طويلا، الدفعة الذهنية اللازمة لتحسين الإنتاجية أو التفكير الخلّاق؟

لاحت في الأفق مؤخرا برامج مصممة خصيصا لدمج الاستمتاع بالسفر ومزاولة الأعمال بعيدا عن مكان العمل. فينظم برنامج “هاكر برادايس”، الذي دُشن سنة 2014، رحلات للمطورين والمصممين وروّاد الأعمال إلى وجهات خارج البلاد، تستغرق كل رحلة منها بضعة أسابيع.

وقد بدأت في العام الماضي رحلة نظمها برنامج “ريموت يير” تستغرق سنة كاملة، يجوب فيها 75 عاملا يزاولون أعمالهم بعيدا عن مقر العمل عبر الإنترنت 12 دولة حول العالم على مدار 12 شهرا، حيث يعمل هؤلاء العاملون في معظم الأحيان في بيئات خلّابة، ودائمة التغير.

كما دشن برنامج آخر يسمى “كوويرك ذا ويرلد” في شهر مايو/ أيار رحلة تستغرق سنة، تنقسم إلى سبع مراحل، وبإمكان العاملين، الذين يمكنهم العمل مع الشركات عبر الإنترنت، الانضمام إلى الرحلة بأكملها أو إلى بعض المراحل منها.

أما في الوقت الحالي، فيرعى برنامج “آمتراك ريزيدنسي”، الذي يوفر مكانا مناسبا للكُتاب، كُتّابا مهرة مبدعين، سيباشرون الكتابة وهم على متن قطارات تنتقل بهم في مسافات طويلة.

وفي ديسمبر/ كانون الأول، انضممت إلى ملايين المسافرين إلى خارج البلاد، البريطانيين والأمريكيين، في موسم الإجازات، وقضيت الكثير من الوقت متنقلة، ما بين سفينة وطائرة وقطار.

وحينما صعدت على متن السفنية المتجهة من سان فرانسيسكو إلى المكسيك في رحلة بحرية تستغرق 10 أيام، برفقة عائلتي، انتابني شعور بالقلق والسعادة في آن واحد حيال فكرة البقاء بلا هاتف أو إنترنت طيلة أسبوع ونصف.

كان الإنترنت متاحا على السفينة في وسط البحر ولكن بأسعار مبالغ فيها، جعلتني أصرف النظر عنه، فهذا مبدأي العام في كل الأحوال. وفي المقابل، قمت بتنزيل بعض المقالات الأكاديمية لأقرأها بعناية، كما أحضرت معي حوارات مسجلة لكتابتها على الورق، ووعدت والدتي أنني سأنظم الآلاف من صور الزفاف التي لم أجد وقتا كافيا لتنظيمها.

ونظرًا لعدم وجود ما يشتت تركيزي ويصرف ذهني، كالهاتف أو البريد الإلكتروني، التي أشارت أبحاث إلى أنها تقلل من إنتاجية العامل، ولا ما يشغل تفكيري من واجبات منزلية يومية معتادة مثل إعداد الطعام، تخيلت نفسي جالسة على ظهر السفينة، ويمتد أمامي البحر الشاسع، وأنا أعمل في كل مرة لساعات طويلة، كأني آلة عمل منتجة.

ولكن ما حدث في الحقيقة كان مزيجا من دوار البحر والإرهاق وتشتيت الانتباه المتواصل.

فقد حالت الوجبات التي لا تنقطع، ومحاولاتي للانضمام قدر الإمكان إلى أفراد أسرتي، وحضور العروض الموسيقية والاستعراضات المتنوعة – عندما لا ينتابني الشعور بالغثيان – دون إنجاز أي أعمال. ومع حلول المساء، عندما تدق الساعة الثامنة، أجد نفسي منهكة القوى، ومستعدة للخلود إلى النوم.

بيد أن البعض استطاعوا أن يجدوا وقتا لإنجاز العمل على متن السفينة. فقد أخبرني أحد رفقاء الرحلة، أنه دفع مقابل الجلوس ساعة يوميا في مقهى الانترنت حتى لا تفوته الرسائل التي ترد إليه عبر البريد الإلكتروني.

وقال لي إن في هذه الساعة تزداد إنتاجيته إلى أقصى حد، وينكب فيها على العمل أكثر من أي وقت آخر كل يوم، إذ كان يضع نصب عينيه استغلال الوقت بكفاءة وفعالية بقدر المستطاع.

ولكنه وجد صعوبة بالغة في الجلوس إلى العمل في أي وقت آخر على متن السفينة. وقد سألني “من يذهب في رحلة بحرية ويحاول أن ينجز أي عمل؟”. وقد كان على حق.

أما إذا كنت تنوي السفر بالطائرة في أي وقت، فالجيد في الأمر أن قدرتك الإبداعية من المرجح أن تزداد أكثر من أي وقت آخر، وفقا لبحث أجراه عالم النفس آدم غالينسكي.

فقد أشارت الدراسات التي أجراها غالينسكي إلى أن تجارب السفر إلى البلدان الأجنبية من شأنها أن تزيد من قدرتنا على الإبداع، كلما واجهنا ثقافات أخرى واستمتعنا برؤية المناظر الجميلة وسماع الأصوات.

ويقول غالينسكي “تكمن أهمية الاندماج في كونه أحد المتغيرات الأساسية في ما نُطلق عليه “المرونة المعرفية” و”التعقيد المعرفي”. فتُكتسب المرونة المعرفية من خلال التعرّف على الأنماط”.

وضرب مثلا على ذلك بترك بعض الطعام في الطبق، فبينما يُعد في بعض الثقافات ترك بعض الطعام في الطبق أحد مظاهر الاحترام، إذ يدل على أنك تناولت ما يكفيك، فإنه يدل في ثقافات أخرى على أنك لم تستمتع بالطعام الذي قدمه لك المضيف.

ومن خلال التعرّف على وجهات النظر المختلفة عند تفسير الأمور في الحالات المشابهة، ستزيد قدرتك على التفكير بمرونة فيما بعد ومن ثم تزيد قدرتك على الإبداع.

ويقول غالينسكي “توصلنا أيضا إلى أن التعرّف على الثقافات الأخرى وربطها بثقافتك هو ما يجعل الناس يفكرون بأسلوب أكثر حنكة أو تعقيدا”.

في دراسة أجريت في كلية إنسياد لإدارة الأعمال في فرنسا، كلف غالينسكي وزملاؤه الطلاب الوافدين بقياس ما يعرف باسم “مستوى التعقيد التكاملي” (أي قياس قدرة المرء على تمييز الأفكار المتعددة ودمجها)، أي قدرتهم على النظر في وجهات النظر المتعددة والجمع بينها.

وقد وجد الطلاب أن الأشخاص الذين يشعرون بانتماء إلى البلد الأم والبلد المضيف، الذين يُطلق عليهم “ذوو الثقافتين”، أحرزوا مستويات أعلى في قياس التعقيد التكاملي، وهذا ما يجعلهم أكثر إبداعا من غيرهم، ومن ثم لديهم فرص أكبر للترقي.

ويبدو أن هذه هي الخبرة التي يكتسبها بعض العاملين من خلال مزاولة العمل عن بعد أثناء القيام برحلات تمتد لفترات طويلة. تقول سارة كوزينز، وهي مشاركة في الوقت الحالي في الرحلة التي نظمها برنامج “ريموت يير” إنه “لا شك أن كسر الروتين بانتظام يبقي ذهنك يقظا، كما أن التعرض لثقافات وبيئات عمل عديدة مختلفة قد عزز من قدرتي على الإبداع”.

وتابعت “الشعور العام الذي يسود اجتماع عمل في سنغافورة، على سبيل المثال، يختلف اختلافا كبيرا عن الشعور العام الذي يسود اجتماع في اسطنبول”.

وتقول غيتيكا أغراوال، وهي مشاركة أخرى في الرحلة التي نظمها برنامج “ريموت يير”، إن السفر يسمح لها بالتأمل وإمعان الفكر أكثر من أي وقت آخر، ويتيح لها الكثير من الفرص.

ولكنها تقول إنها عانت في الشهر الأول بسبب تغيير روتين حياتها اليومي. وأضافت “ثم ما لبثت أن أدركت كيف كانت عاداتي تقتل قدرتي على الإبداع. من الصعب أن تكتسب عادات جديدة وأنت تسافر طوال الوقت. فكل يوم وكل شهر يختلف عن سابقيه، فأنت تقابل أُناسا لم تقابلهم من قبل، وتتعرف على طرق جديدة لإنجاز الأمور، وسلوكيات جديدة تبقي الذهن متقدا ومبدعا”.

ولكن فرصة الانضمام إلى المشاريع طويلة الأمد من هذا النوع لا تتاح إلا للقليل منا. ولكن ماذا عن مزاولة العمل في أثناء السفر بالطائرة؟

تبيّن لي أنني عملت بفعالية على متن الطائرات، لأنني كنت التزم بموعد محدد لا يمكن أن اتخطاه، وهو موعد انتهاء الرحلة.

وبينما تشير الأبحاث إلى أن المواعيد المحددة لإنجاز الأعمال قد تؤدي إلى انخفاض جودة العمل، فإن عدم الالتزام بموعد محدد لإنجاز مشروع ما قد يؤدي أيضا إلى عدم استغلال الوقت بكفاءة. كما أن المواعيد النهائية قد تكون محفزا قويا لزيادة الانتاجية.

وقد دُرِج على تسمية فكرة التوسع في العمل ليملأ الوقت المتاح لإنجازه إلى أقصى حد باسم قانون باركنسون. ولهذا ينكب كل زملائي تقريبا من الكتاب المستقلين الذين أعرفهم على أعمالهم وتزداد انتاجيتهم فجأة مع اقتراب الموعد النهائي للتسليم.

ولكي أزيد من انتاجيتي في رحلات الطيران التي تستغرق وقتا طويلا، حددت لنفسي مهام مادية بحيث أنجزها قبل موعد هبوط الطائرة والانشغال بأمور أخرى تشتت الانتباه.

فعندما كنت على متن طائرة متجهة إلى إسرائيل، على سبيل المثال، تمكنت من مباشرة الكثير من المهام التي لم اتمكن من إنجازها على متن السفينة، منها قراءة العديد من الدراسات التي ساعدتني في كتابة هذه القصة، وأخيرا تمكنت من تنظيم الآلاف من صور الزفاف.

ولكن على الرغم من أنني استطعت أن أعمل على متن الطائرة بصورة أفضل إلى حد كبير من تلك التي كانت على متن السفينة التي تشق عباب المحيط، إلا أنني لا زلت أفضل العمل في مكتبي.

ولكن هذا لا ينطبق على مزاولة العمل في القطار. فلم تثبت رحلات القطار العديدة التي اجتازت إسرائيل أنها المكان الأفضل للعمل أثناء التنقل فحسب، بل إنها كانت مثمرة أكثر من العمل من المنزل.

بالإضافة إلى أن رحلة القطار خالية من كل ما يُشتتّ الانتباه، نسبيا، وأن الموعد النهائي محدد بزمن الوصول، فإن إدامة النظر إلى المساحة الشاسعة من الأشجار المتحركة، والبحر والسماء، وهما يندفعان مسرعين بمحاذاة النافذة يهدئ الأعصاب ويعين على الكتابة.

ويبدو أن العلم يؤيد هذه الفكرة. فيقول غالينسكي “أوضحت الأبحاث أن الناس تزيد قدرتهم على الإبداع في الغرف مرتفعة السقف عن الغرف منخفضة السقف. الفكرة وراء ذلك أن اتساع المساحة المادية يسهم في صفاء الذهن نوعا ما”.

وتابع “لذا، حين تكون على سفر، فإن النظر إلى هذه الجبال الممتدة ربما يساعدك مباشرةً على العمل”.

ومازالت الأبحاث توضح مزايا النظر إلى المناظر الطبيعية بين الحين والآخر أثناء يوم العمل. فقد توصل الباحثون، في مجموعة من الدراسات التي أُجريت في جامعة ميشيغان إلى أن السير في الحدائق المليئة بالأشجار يحسن من الانتباه والتيقُّظ عن السير في طرقات المدينة.

بل إن حتى النظر إلى صور المناظر الطبيعية أو إلقاء نظرة خاطفة إلى الخضرة والنباتات لمدة 40 ثانية فقط من نافذة المكتب من شأنه أن يعزز من قدراتك المعرفية.

تقول الكاتبة كسينيا أنسكي، التي شاركت في برنامج “أمتراك ريزيدنسي” لتوفير المكان المناسب للكتّاب “إن الحركة الهادئة الخفيفة التي تشعر بها أثناء سير القطار، والمنظر الطبيعي الذي يتحرك من وراء النافذة، لترى في كل لحظة منظرا جديدا ومختلفا وغير متوقع، فتشاهد الغابات تارة، والنهر تارة، والجبال تارة أخرى، كل هذا يشعرك بأنك في عالم غير واقعي، وكأنك في حلم، وهذا هو الشعور الذي تحاول أن تصل إليه. فستشعر حينئذ أنك معلق في الحيّز والزمان، ويصبح من السهل أن تنزلق إلى ثنايا قصتك”.

وتابعت “على عكس الطرق السريعة المكتظة بالسيارات والتي يعلو فيها الضجيج والأضواء، أنت هنا وحدك، أو هكذا تشعر، تمرّ بجانب أراض فسيحة، لا يتسنى لك رؤيتها إلا من خلال نافذة القطار. فأنت تشعر في القطار وكأنك تسير لمسافة طويلة، وحدك في الغابة، ولكن بدلا من السير على قدميك، أنت هنا جالس وتكتب على جهاز الكمبيوتر المحمول”.

فهل ستنتقل إلى مقر عملك جيئة وذهابا بالقطار؟ فربما سيكون التنقل بالقطار باعثا على الإبداع.

BBC

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *