زواج سوداناس

دمعة على صخر!!



شارك الموضوع :

عرفت جنوب كردفان التعليم الثانوي في عام 1966م بتأسيس مدرسة “كادقلي”الثانوية المشهورة باسم (تِلَّوْ)، وقد تأسست المدرسة قبل انتقالها إلى “كادقلي” بشمال كردفان “الأبيض” تحت استضافة مدرسة “خور طقت” ذائعة الصيت.
انتقلت المدرسة إلى حاضنتها بجنوب كردفان بعد عامين من الاستضافة، وقد فقدت البيئة المدرسية الجاذبة في مصاف بيئة “خور طقت”، حيث كانت مباني المدرسة عبارة عن (كرانك) من القش والحطب، تتسابق من فوق رؤوس طلابها ومن تحت أقدامهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم كل أنواع الزواحف، الضب، السحلية، العقارب والثعابين، وهذه المرة تحت استضافة المدرسة المتوسطة (ب)، ومن بعدها (ج)، (أم دورين)، (البرام)، (هيبان)، التي انتقلت جميعها إلى حواضنها بالمحليات التي تلاشت فيما بعد هي ومحلياتها.. لكن رغم ذلك كله، ورغم الظروف القاهرة تلك روى لنا أحد خريجي الدفعة الأولى التي جلست لامتحان الشهادة السودانية من كادقلي في عام 1972م في الإفطار الجماعي لخريجي كادقلي الثانوية بقصر الشباب والأطفال أن أربعة من تلك الدفعة دخلوا في العشرة الأوائل في السودان عندما كان الأوائل عشرة فقط وليسوا مائة كما هو اليوم.
صحيح أن المدرسة عند انتقالها من شمال كردفان قد فقدت (المباني)، لكنها ربحت (المعاني)، ربحت إرث “خور طقت” العريق ونظامها الأكاديمي المميز وتاريخها الثقافي والعلمي التليد. لذا كانت المدرسة شعلة من النشاط والحيوية والحماس حتى تفوقت على “خور طقت” نفسها في الشهادة السودانية 1983م ومن مقرها الحالي بحصولها على نسبة (91%) بينما حصلت “خور طقت” على (87%) (الحوار الذي غلب شيخه)، وبسببها تمت ترقية مديرها المميز أمد الله في أيامه “عبد الوهاب الجاك” (كارلوس) إلى مدير التعليم الثانوي بالأبيض.
إن لمدرسة كادقلي الثانوية تاريخاً عريقاً في التفوق والتميز، وقد تخرج من بين جدرانها عشرات المميزين الذين يصعب حصرهم. تخرج منها على سبيل المثال لا الحصر من القدامى د. “الحاج آدم يوسف” الذي وصل إلى درجة نائب رئيس الجمهورية، البروف “أحمد عجب الدور” المدير الحالي لجامعة كردفان (خور طقت سابقاً)، الوزير الفقيد “مكي علي بلايل”، الوزير “دينق ألور”، الوزير “لوكا بيونق”، الوالي “حماد إسماعيل”، الوزير الفقيد “حافظ سوار”، ومن المحدثين السفير الوزير “حاج ماجد سوار”، الوزير “علي محمد موسى” ود. “عادل عبد الرحيم توتو”، وسيذكر الناس من بعدي أرتالاً من المميزين.
1983م كانت العلامة الفارقة في تاريخ كادقلي الثانوية وتاريخ ولاية جنوب كردفان برمتها في التعليم وكل الخدمات، باندلاع حرب الجنوب اللعينة في عام 1983 ثم انتقالها إلى جنوب كردفان في عام 1985م.
استضافت جنوب كردفان الحرب إلى يومنا هذا.. أكثر من ثلاثين عاماً وليس عامين.. رحل الضيف ولا زالت الاستضافة قائمة بكرم حاتمي فريد. فقد دخلت الحرب من البوابة الجنوبية وخرج التعليم من البوابة الشمالية (خرج ولم يعد) وأوصافه كما ذكرناه أعلاه.
بدأت المدرسة والتعليم ككل في جنوب كردفان في تدهور مستمر حتى بلغ الحال التي هو عليها اليوم.
حضرت المؤتمر الصحفي لإعلان الشهادة السودانية 2016م اليوم ببرج الاتصالات ممنياً نفسي بفرحة تهب رياحها من وطني جنوب كردفان بدخول أحد أبنائنا وطلابنا في المائة الأوائل، ولكن ضاع الأمل وخاب الرجاء بأن احتلت الولاية المركز الأخير من بين ولايات السودان رغم عدم الترتيب الذي ربما كان مقصوداً (منعاً للإحراج). فقد أحرز الطالب (الأول) بالولاية نسبة (85%)، وثانيها المشترك (84%)، تفوقت عليها حتى النيل الأزرق ذات الظروف المشابهة إن لم تكن الأصعب بحصول أولها على نسبة (93%)، ودخول ولايات في المائة الأوائل مزاحمة ولاية الخرطوم مثل جنوب دارفور، سنار، الشمالية، كسلا وشمال كردفان.
لم تذكر الوزارة النسب المئوية للنجاح حسب الولاية، أو معدلات التحصيل، ولكن بالإحصاء البسيط فإن نسبة الولاية بلا شك ستكون متدنية إذا كان أول الولاية نسبته (85%).
الذي سرني وأحزنني في آن واحد أن الأوائل الثلاثة بالولاية من محليات ليست من بينها عاصمة الولاية كادقلي وضيفاتها الثلاث أم دورين، البرام، وهيبان (كادقلي الكبرى)، حيث الوزير ينوم والطائرة تقوم.
إن حصول محلية أبو جبيهة على المركز الأول والثاني في الطلاب الأوائل علي مستوى الولاية، ومحلية الدلنج على الطالب الثالث لهو دليل كبير على خطل نظرية الإمكانيات ووجود الإدارة والرقابة اللصيقة بدليل تفوقهما على أربع محليات مجتمعة وعلى مرمى حجر من الوزارة، وهنا لا بد أن نحيي الأخ المعتمد سعادة الجنرال “كوة سرور”.
إن النتيجة بشكلها العام هذا، وما خفي أعظم، ما هي إلا دِرِب وحبل سُري يغذي الفاقد التربوي والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال وتجنيدهم بلا رحمة أو وازع أخلاقي.
أخي الوزير، نأمل تحليل النتيجة بمهنية وشفافية عالية، ومناقشتها نقاشا مستفيضاً، وعرضها على خبراء ومستشارين في مجال التعليم والتربية عسى ولعل أن ينبع الحل من بين ثنايا الآراء، لأننا نتساءل “أين المشكلة؟”.
نواصل

د. عبد الرحمن الهادي أحمد
خبير المناهج بالمركز القومي للمناهج والبحث التربوي بخت الرضا

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *