زواج سوداناس

الإنترنت والاستعلاء (2)



شارك الموضوع :

بانتمائي لقبيلة المتإنترنتين، أي أهل الإنترنت ضعفت الروابط بيني وبين «قبيلة» العرب التي ظللت منتمياً إليها دهرا طويلا دون أن تمنحني مجرد الإحساس بآدميتي، والإنترنت انتقل بي إلى عوالم ليس فيها يا ليل يا عين، أو يا ليل دانة.. أو فاروق الفيشاوي (بالمناسبة يخيّل إلى أنني رأيته يقدم نشرة الأحوال الجوية في سي. إن. إن.. حلم أم علم؟ طمنوني الله يخليكم لأنّ زوجتي أصبحت تعتقد أنني أعاني من مرض فيشاوي – فوبيا وهو مرض يؤدي إلى ازدواج النظر double vision الذي يجعل من كل شيء أمامك «اثنين»، وبالفعل فكلما وقعت عيني – مصادفة – على ممثل عربي، يظهر أمامي إلى جانبه فاروق الفيشاوي)… المهم، صاحبكم أصبح أمميّا، ويعتزم إنشاء «الدولية الإنترنتية» على غرار الدولية الاشتراكية، ولن نقبل فيها أي عربي عضواً ما لم يزكيه أعضاء قدامى من دولة الأندلس أو حمير أو الغساسنة، وما لم يحمل ورقة توصية من ابن سينا والفارابي وابن خلدون و«أبو الهول»
بعد الانضمام إلى المتإنترنتين أصبحت مؤمناً ببعض جوانب نظرية النشوء والارتقاء لداروين، فقد كنت في مرحلة ما قبل الإنترنت «ظاهرة صوتية» كبقية العرب، ولكن الإنترنت صعد بي إلى مرتبة أعلى، وأقل ما يمكن أن أقبل به كسوداني (سابق) هو الجنسية السويدية – بجامع السواد في كل. وقد كان من حسن الطالع أن والدتي كانت معي ذات يوم وأنا أبعث بالرسائل الإلكترونية شرقاً وغربا، عندما وصلتني رسالة من.. شيء لا يصدق.. من الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، وهو كما نعلم من أصول عربية واسمه الأصلي «جمعة كرار» ولكنه ارتد وغير اسمه، ولعل الدليل القاطع على انتمائه العربي، هو أنه لم ينجح في شيء على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية… سوى إبرام معاهدة كامب ديفيد… المهم هذا الكارتر لديه «مركز» في اتلانتا فبعثت إليه رسالة إلكترونية تتعلق بجهوده في إنهاء الحرب الأهلية الدائرة في السودان. كارتر شخصياً بعث إليّ بالرد، ويبدو أنه أذكى وأشطر مما تصورت فقد أثني على ملاحظاتي، وعقّب عليها وطلب مني أن أراسله بانتظام.
أبلغت أمي – وكانت وقتها معي في قطر – بكل ذلك فأطلقت زغرودة قوة 137 ديسيبل، فرن جرس الباب. كان ذلك جارنا الأسترالي عارضا خدماته بالاتصال بالشرطة أو الإسعاف، فشكرته وأنا في منتهى الحرج، فما كان ممكناً أن أقنعه بأن العويل الذي سمعه هو تعبير عن الفرح، المهم أن والدتي كانت في حالة من الانتشاء وطلبت مني إرسال برقيات إلى الأهل في السودان والإمارات وبوركينافاسو ورواندا لإبلاغهم بالطفرة الحضارية المتمثلة في مخاطبة كارتر شخصياً لي، ثم أمسكت بسماعة الهاتف وأجرت اتصالات بتجمعات أبناء النوبة في السودان ومصر والقطب الجنوبي تناشدهم فيها تنظيم احتفالات شعبية لتخليد ذلك الحدث الجلل.
وقد تعجبت لكل ذلك، فقد كانت أمي خلال العقود السابقة تكن عداء شديداً للولايات المتحدة، وأذكر أننا صحونا ذات صباح في الخرطوم في السبعينيات منزعجين بعد أن سمعناها تزغرد وهي على سجادة الصلاة… حسبت في بادئ الأمر أنها فقدت أحد صواميل أو براغي رأسها ولكنها كانت متهللة الأسارير فسألتها إذا ما كان رئيسنا الملهم جعفر نميري قد راح فيها ولكنها أشارت إلى جهاز الراديو وقالت إن ما حدث أفضل من ذلك بكثير وعكفت قرابة ربع الساعة أحاول أن أعرف منها ذلك الخبر الذي قد يكون أطيب من زوال نميري… وأخيراً التقطت أنفاسها وقالت إن الأمريكان فروا من سايغون وأن سيطرة الثوار اكتملت على شطري فيتنام.. لهذا تعجبت من حماسها لإقامة علاقات إنترنتية بيني وكارتر فقالت لي بلسان نوبي فصيح «هليك مأ السمن واتمرق في تراب النسام الآلمي الجديد»… ومعناها بالعربي «خليك مع الزمن.. وتمرغ في تراب النظام العالمي الجديد».

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *