زواج سوداناس

امام محمد امام : الاستفتاء البريطاني.. ومفهوم ديمقراطية «ويستمنستر»



شارك الموضوع :

> لم يكن ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا يعتقد أن وعده للناخب البريطاني في الانتخابات البرلمانية البريطانية لسنة 2015م، بإجراء استفتاء حول مستقبل بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، من حيث البقاء أو المغادرة في حال فوز حزب المحافظين بالانتخابات التشريعية، وأن إجراء هذا الاستفتاء سيشكل خُسارة فادحة في مسار حياته السياسية. وأحسب أن كاميرون لم يكن له خيار سوى الاستجابة للأصوات التى تصاعدت بشكل كبير بين نواب حزب المحافظين وحزب الاستقلال البريطاني. فكلفته هذه الاستجابة وذاك الوعد تعثر مستقبله السياسي في رئاسة الوزراء وهي كُلفة ملزم بالإيفاء بها، لأنها إحدى التداعيات الكبرى للمواقف التاريخية العظمى إذا لم يحالف المتصدي لها التوفيق. > كان كاميرون يراهن على كسب هذا الرهان المتعلق ببقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، فلذلك كان يريده نتاجا لتوافق بريطاني حول مستقبل بلاده في الاتحاد الأوروبي. وحسما لكثير جدل أُثير من المطالبين بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، احتجاجاً على أن قوانين الاتحاد الأوروبي تدخلت كثيراً في الحياة اليومية للبريطانيين وأحدثت تغييرات عديدة في بريطانيا. > وفي رأيي الخاص، أن تدفق الأوروبيين من بلدانهم إلى بريطانيا مثل الهولنديين والأسبانيين واليونانيين، والكثير من مواطني بلدان شرق أوروبا وغيرهم، شكل رأياً عاماً بريطانياً سالباً تجاه هؤلاء الوافدين الذين يسرت لهم قوانين الاتحاد الأوروبي ولوج بريطانيا دون كثير عناء, فمن هنا بدأ تذمر العديد من البريطانيين من هذا التدفق الأوروبي غير المحدود، إضافة إلى تقاطعات سياسات أوروبية مع سياسات بريطانية في بعض القضايا التي يعتبرها البريطانيون قضايا سيادية لا ينبغي التنازل عنها, فعليه بدأوا يطالبون صراحة بضرورة مغادرة الاتحاد الأوروبي مهما كلفهم ذلك من أثمانٍ. > أحسب أن إعلان ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني عشية ظهور نتائج التصويت بفوز مؤيدي مغادرة الاتحاد الأوروبي، بأنه سيترك منصبه بحلول شهر أكتوبر المقبل. حيث انعقاد المؤتمر العام لحزب المحافظين ليختار رئيساً جديداً للوزراء. فهذا إن دل إنما يدل على ديمقراطية (ويستمنستر) البريطانية التي تلتزم بالسوابق أكثر من النصوص. والمعروف أن المملكة المتحدة على الرغم من عدم وجود دستور مكتوب إلا أن هذا الغياب الدستوري المكتوب يُشكل قوةً ودعماً للديمقراطيه في المملكة المتحدة. والعبارة السحرية عندهم هي حكم القانون واستقلال القضاء وسيادته. وأصبحت هذه الممارسات الدستورية غير المكتوبة عُرفاً أقوى وأعظم دستور اعتباري معنوي غير مكتوبٍ أو مدونٍ. > فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم يُشارك فيها جميع المواطنين على قدر المساواة، أما مباشرة أو من خلال ممثلين عنهم منتخبين، في اقتراح وتطوير واستحداث القوانين. والديمقراطية هي نظام اجتماعي مميز يؤمن به ويسير عليه المجتمع، ويشير إلى ثقافة سياسية واحترافية معينة تتجلى فيها مفاهيم تتعلق بضرورة تداول السلطة سلمياً وبصورة دورية. > مما لا ريب فيه، أن انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي سيشكل تداعياته خسارة مالية واقتصادية لبريطانيا، لا سيما أن حجم الاستثمارات الأوروبية في بريطانيا تقدر بنحو 700 مليار دولار، زد على ذلك فقدانها لثقلها السياسي داخل القارة الأوروبية، وتأثيرها على مُجريات الأحداث العالمية. وفي المقابل، سيترك هذا الانفصال بعض الآثار السالبة بالنسبة للاتحاد الأوروبي من حيث الإقلال من وزنه السياسى الدولي، واهتزاز صورته على الساحة العالمية. وقد أثار انفصال بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ردود فعل متباينة داخل بريطانيا وخارجها. حيث أعرب نايجل فاراج رئيس حزب استقلال المملكة المتحدة اليميني الشعبوي عن فرحته بنتائج التصويت، واعتبر يوم الاستفتاء بمثابة (يوم استقلال بريطانيا)، في الوقت الذي اعتبر مؤيدو البقاء في الاتحاد الأوروبي أن نتائج الاستفتاء كارثة على البلاد. وقال جيرمي كوريين زعيم حزب العمال البريطاني المعارض (إن المجتمعات الأكثر فقراً في بريطانيا شعرت باليأس بسبب الاستقطاعات المالية التي مارستها الحكومات المتعاقبة). > ولم يتأخر دونالد ترامب المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية في الإدلاء بدلوه في هذا الحدث المهم، إذ صرح بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (أمرٌ رائعٌ)، معتبراً أن البريطانيين (استعادوا زمام الأمور في بلادهم, ولم يتوان ديفيد كاميرون في وصف تصريحات دونالد ترامب بأنها «غبيةٌ وخاطئة»). > أخلص الى أن البريطانيين عبروا عن ضيقهم لمضاغطات الوافدين الأوروبيين، الذين مكنتهم من ذلك قوانين الاتحاد الأوروبي، بخروجهم يوم الخميس الماضي من هذا الاتحاد دون إدراك لتداعيات هذا الانفصال على المشروع الأوروبي مستقبلا. ومن المقرر أن يفاوض رئيس الوزراء الجديد في أكتوبر المقبل الاتحاد الأوروبي على تفاصيل الانفصال، حسب معاهدة لشبونة التي تمنح بريطانيا عامين لإنهاء كل الإجراءات المطلوبة للخروج. فهكذا بدأت بريطانيا مسيرة الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد 42 عاماً، مما دفع «وول ستريت جورنال» الأميركية الى توقع حدوث تغييراتٍ مهمةٍ في خارطة أوروبا نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. > ومن المؤكد، أن استقالة ديفيد كاميرون من زعامة حزب المحافظين البريطاني، ورئاسة مجلس الوزراء، عند انعقاد المؤتمر العام لحزب المحافظين في أكتوبر المقبل، دليلٌ قاطعٌ وبرهانٌ ساطعٌ، على أن ديمقراطية «ويستمنستر» هي أم الديمقراطيات في العالم.

شارك الموضوع :

تعليقات الفيسبوك

تعليقات


أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *